اغلاق

ايها الكبير الكبير ـ بقلم:المطران بطرس المعلم

أحقًّا تغادرنا يا صاحب الغبطة؟ قبل أسبوع فقط (19/3/08)، بلغتَ الخامسة والسبعين، السنَّ القانونية الكنسية لتقاعد الأساقفة. ولكن يبدو أنك لم تنتظر اللحظة الأخيرة.

فرسالة الاستقالة جاهزة "من زمان"، وقبولها مضمون متفَق عليه، والخَلَف معروف. وكأنك كنتَ تتوق الى هذه "الساعة"، بل تستعجلها وتهيِّء لها.
*** 
نعم، لم نفاجأ، ولكنّا لا نكاد نصدّق. فأنتَ لم تأتِ بطريركا كأيٍّ كان. أنت، على ما أذكر، صرتَ بطريركا حتى قبل أن تكون مطرانا، اي ان تعيينك بطريركا، وانت كاهن، سبقَ رسامتك الأسقفية بأسبوع، وهذا ليس له مثيل، ولكن فيه دلالة. وأنت أول بطريرك لاتيني عربي، وفي القدس بالذات، وفي أوضاع سياسية غاية في الحراجة، وهذا أيضا ليس له مثيل، ولكن فيه إشارة. أما أن تكون، بالإضافة الى ذلك، بطريركا فلسطينيا جليليا نصراويا، فهذا أيضا وأيضا ليس له مثيل، ولكن فيه آية. ولأنك كذلك، اي مِثل ذاك الجليلي الناصري الأول، أصبحت مثله "هدفا للمخالفة" او "آية للمقاومة". قاومك من خاف من مجيئك، ورحّب بك من علّق على قدومك الآمال. ولكن سرعان ما أحبك هؤلاء وتعلقوا بك، وراقبك اولئك فتهيبوا واستكانوا، فكسبت احترام وتقدير الجميع بلا استثناء، واستقرّ بك الكرسي دون مُناوئ، على مدى عقدين كاملين. - فمَن كان في مثل وضعك وموقعك، أفبهذه السهولة يزهد بالكرسي، وعنه يتخلّى؟ نعم، هذا لا يكاد يُصدَّق، في زمن نرى فيه التسابق المحموم الى الكراسي، وبكل الوسائل، النظيفة وما هو أقلّ نظافة. ومن وصل الى الكرسي، التصق بها بالغِراء، او ثُبِّتَ عليها بالبراغي، فلا يُنتزَع عنها، إذ التمديد أو التجديد او التحايل على الدستور او القانون، يضمن للجالس عليها البقاء مدى الحياة. فشكرا لك، يا صاحب الغبطة، على درسٍ أول تعطيه للكثيرين، ممّن يظنّون أن تزحزحهم عن الكرسي سيكون فيه خراب العالم.
*** 
من صف الكهنة اختُطِفتَ توًّا الى البطريركية، فما ابتعدتَ وترفّعت، بل بقيتَ قريبًا من الصغار. ألم تبدأ رسالتك الراعوية الأخيرة بذكرِ وشكرِ جميع من عاونوك في الخدمة، من رهبان وراهبات وعلمانيين، لتنهيها بذكر مميَّز لإخوتك الكهنة الذين انتُزِعت من بينهم، فما نسيتهم، بل خصصتهم بأعزّ أسطر في الرسالة؟ وكأنك، في تواضعك، تنسب الى هؤلاء واولئك، ممن عملوا معك، جميع منجَزاتك مدة عشرين سنة، وتنسى نفسك. - من كان فيكم الأول، فليحسب نفسه كالأخير: أليس هذا ما علّمَنا المعلم؟ ولكن أليس عكسه ما يجري في الغالب في عالم اليوم، حيث تكثر الطواويس المنفوشة. ولكن هل إلا السنابل المثقلة بالثمر تعرف الانحناء، فيما وحدها الفارغة تشمخ بالفراغ. - شكرا لك، يا صاحب الغبطة، لأن عالمنا اليوم بحاجة أن يأخذ عنك درسا ثانيا، فيتعلم كيف يتواضع العظيم، بل يتعلم ان العظمة هي التواضع.
*** 
القدس كانت دوما، ولا تزال وستبقى، قلب العالم لجميع الديانات. واليوم، أكثر من اي وقت مضى، هي أيضا مركز الصراع السياسي الأعقد والأعنف في العالم، مما يجعل المسؤولين فيها لا يُحسَدون على وضعهم. ولكنك منها أطللت على العالم، ومن منطلق الموقع والمسؤولية كان عليك ان تتعاطى مع الواقع. فكان عليك أن تلتقي كبار هذا العالم، من صانعي القرارات، وان تشارك في المحافل والمؤتمرات والمنظمات الدولية. هناك كنت ترى أرانب المنابر يتعنترون بالكلام، ولا يجرؤون على اتخاذ موقف، وتسمع جهابذة الفصاحة يتبارون في الخُطَب الرنانة الجوفاء، تُلهب حناجر الجماهير بالتأييد، وأَكُفَّهم بالتصفيق لما لا يعرفون. - في هذه السناريوهات المذهلة، كان ذوو العقول النيّرة والضمائر الحية في العالم، يترقبون كلمة البطريرك، فتأتي هادئة، حكيمة، واضحة، صريحة، رصينة، متّزنة، جريئة، ثاقبة النظر، بعيدة الرؤية، لا تَذبذُب فيها ولا دوَران، ولا ثعلبانية متزلّفة، ولا حرباوية متقّلبة. لقد كنتَ الشاهد الأمين للحق، والمُدافِع الشجاع عن القضية، بكل جرأة ونزاهة واستقامة. - فيا صاحب الغبطة، هلاّ تعلّمَ منك بعض الزعماء، او من يظنّون أنفسهم كذلك، من بهلوانيّي السياسة، هلاّ تعلّموا منك بعض آداب السياسة؟ إذَن لَما كانوا مرّغوا القضية حيث هي.
*** 
ولكنّ ربّك لم يصُغْك سياسيا في الدرجة الأولى، وإن برعتَ في ممارستها، ولا أرادك خصوصا أستاذَ فصاحةٍ وخطابة، وإن علّمتَ اللغة والأدب وفنون البلاغة. ولكنه اصطفاك وفرزك وأعدّك، لتكون راعيا قبل كل شيء، ومرشدا في الحياة الروحية. اما الرعاية فقد بذرتَ رسلها في كل مكان، كهنةً ورهبانا وراهبات، سخوتَ بلا حساب في حبّهم وحسن تنشئتهم، ونثرتَ وسائلها كمًّا كبيرا جدا من كنائس ورعايا، ومدارس وجامعات، ومياتم ومستشفيات، ودور حضانة، وبيوت رعاية للشباب او الفتيات، وحركاتٍ رسولية أو كشفية أو تثقيفية دينية...ولكنّا لم نسمعك يوما تتكلم عنها، او تبوّق وتباهي بإنشائها، او تحشد الكاميرات للدعاية لها. أليس هذا هو الوجه الآخر لرسالتك، أي وجه الإرشاد في الحياة الروحية؟ أو ليس الصمت من أسس الحياة الروحية ؟ فإن كان الكلام من فضة وأنت فيه متفوق، افليس السكوت من ذهب، فكنتَ فيه المعلم والقدوة؟ ألستَ من يوم مولدك تعلّمت ذلك، من القديس يوسف (وعيده في 19/3 ، أي يوم ميلادك) الذي اؤتمن على سر التجسد الإلهي، فخدمه، وبأي إخلاص وتفان وتجرد، ولكن لم نسمع من فمه كلمة واحدة، بل بقي الصامت الأكبر في الإنجيل. - لا تعلم شمالك ما تصنع يمينك؛ وإذا فعلتم كل ما أُمِرتم به، فقولوا: إنّما نحن عبيد لا خير فيهم، وما فعَلنا إلاّ واجبنا. - أليس قولُ المعلّم هذا، هو ما جئتَ تذكّرنا به ، يا غبطة البطريرك، درسًا صامتًا آخر، تُلقّننا إياه لحياتنا الروحية، في عالم طغا عليه حب الضجيج والغوغائية، وبهرج الظهور والمظاهر الخارجية، بعيدا عن الهدوء والصمت، والتعمق في الحياة مع الله؟ "في بهاء السلام" كان شعارك البطريركي، وقد عملتَ لأجله جاهدا السنين الطويلة. ولكن قناعتك الثابتة الأولى كانت انه "إن لم يبن الربُّ البيت، فباطلا يتعب البنّاؤون، وإن لم يحرس الرب المدينة، فباطلا يسهر الحُرّاس". السعي لأجل السلام في الاتصالات المباشرة، ولدى المحافل والمراجع الدولية، هو، بلا شكّ، أمر هامّ وضروري جدا. ولكن السلام هو، قبل كل شيء، نعمة من الله السلام،  ومن أمير السلام ورسوله، نعمة تُطلَب وتُنال بالصلاة، فكنت لذلك رجل الصلاة، وطلبت من كل ساعٍ الى السلام، أن يبدأ فيكون رجل الصلاة والسلام مع نفسه قبل كل شيء.
*** 
وقناعتك الثابتة الثانية كانت أن" يا عبدي قُمْ لأقوم معك"، وأن "ما حكَّ جلدَك مثلُ ظفرك"، أي أن لا ننتظر من أحد الخلاص والسلام، لا إقليميًّا ولا دوليًّا، إن لم نبدأ فنصنعه نحن أنفسنا محلّيًّا. ومن هنا كان عملك الصبور الدؤوب، لإرساء الإلفة والتقارب بين الجميع، بدءًا من البيت الكاثوليكي (من خلال مجلس رؤساء الكنائس الكاثوليكية، و"السينودس الأبرشي"..)، مرورا بالعمل المسكوني، مع سائر الإخوة المسيحيين، وصولا الى جميع شرائح مجتمعنا، من إخوة لنا، مسلمين ودروز ويهود، وإذا الجميع يشعرون انهم في رعايتك إخوة في أسرة واحدة، وانك الأب والبطرك للجميع (والبطريرك لغويا في اليونانية هو الأب)، تجمعهم للتعاون وتوحيد الجهود، في سبيل العمل معًا لإحلال السلام، كي نبني معا ايضا بلادنا واوطاننا ومستقبل أجيالنا. أليست هذه هي رسالة أرضنا المقدسة نحملها للعالم؟ أليست هي رسالة القدس مدينة السلام، وبطريرك القدس "في بهاء السلام"؟
*** 
وفيما أنهي هذه الكلمة، وصلَت اليَّ لتَوِّي دعوة الى حفل تكريم في الناصرة "على شرف ابن الناصرة، غبطة البطريرك الأورشليمي اللاتيني، ميشيل صبّاح الكلّي الاحترام، تقديرا له على ما بذله خلال سنوات عطائه العشرين". فحضرني على الفور قول ابن سيراخ: "لنمدح المشاهير من آبائنا الذين سبقونا، الذين مجّدهم الرب وعظّمهم كثيرًا" (44: 1-2). فشكر لأصحاب المبادرة الجميلة، وهنيئًا لأمّة او شعب او جماعة تفاخر بمثل هؤلاء، وبؤسًا لأخرى لم تفقه تلك القيم. ونحن ياغبطة البطريرك، نضم صوتنا الى أصوات الكثيرين، القادرين الشاكرين أفضالكم، وندعو لكم بدوام الصحة وبالعمر المديد، لاستمرار الشهادة والعطاء في مجالٍ جديد. وكبطريرك لاتيني نحيّيكم بالدعاء اللاتيني: Ad multos Annos ، وكبطريرك عربي بالدعاء العربي: لسنين كثيرة يا سيد – والله سبحانه هو السميع ووليّ التحقيق.
 

ملاحظة : هيئة التحرير في موقع بانيت تلفت انتباه كتبة المقالات الكرام ، انه ولاسباب مهنية مفهومة فان موقع بانيت لا يسمح لنفسه ان ينشر لكُتاب ، مقالات تظهر في وسائل اعلام محلية ، قبل او بعد النشر في بانيت . هذا على غرار المتبع في صحفنا المحلية . ويستثنى من ذلك أي اتفاق اخر مع الكاتب سلفا بموافقة التحرير .

لمزيد من المقالاتاضغط هنا

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق