اغلاق

1 نيسان = كل السنة ـ بقلم:المطران بطرس المعلم

عيَّدوا للأول من نيسان، وكذبوا فيه ما شاءوا من "الكذبات البيضاء"، (ومنها ما تجاوز الأبيض الى الرمادي، بل ما كان "أغمق" بكثير)، ولم يرِفَّ لهم جفن.

قالوا: اليومَ الكذبُ حلال ومسوح به. ولكن هل رفَّت الأجفان في غير الأول من نيسان، أم انها من زمنٍ طويل لم تعُدْ ترِفّ، لأن كل أيام السنة هي الأول من نيسان، والأمر أصبح عاديا لكل يوم؟ 
***
      يقول الكاتب البولوني هنري زينكيفيتش (1846-1916)، في كتابه "إلى أين تذهب؟": الكذب كالزيت يطفو على وجه الحقيقة. - وذلك يعني أنّ الحقيقة مخبّأة، إن لم نقل مغيَّبة، وأنّ ما نراه هو في الواقع غيرها. وهذا، إن صحَّ، مخيف، لأنّا نكون في الوهم، نخدع أنفسنا والآخرين. نظنّ، ونحاول إقناع الآخرين، أنّا نقبض على شيء، وليس في أيدينا سوى الأوهام.
***  
      طبعًا لن نقبل التعميم، لما قد يكون فيه من المغالاة. ولكن أليست صورة الزيت يخفي وجه الحقيقة، هي في الغالب صورة الواقع اليومي الذي نعيش؟ الأم "تكذب" على رضيعها، فتوهمه بالإرضاع، فيما هي تُلقِمه المصّاصة، وطبعًا حجّة النية الحسنة تبرّر كل شيء. الوالدان "يكذبان" على أطفالهما كل يوم الف كذبة، مبرَّرة طبعا بألف حجّة، عاطفية أو "تربوية" اوغيرها. والصغير لا يلبث ان يبدأ اختباراته بنفسه، في الغشّ مع رفاقه في اللعب، أو مع معلّميه في الامتحان. ثم يدخل حلبة المجتمع، فيكتشف المذهلات: هل التاجر صادق؟ وهل المحامي لا يقلب الأسود أبيض؟ وهل رجل الأعمال "يعمل" باستقامة؟ هل ايديولوجية الحزب صادقة؟ وحملة الانتخابات نزيهة؟ ونائب البرلمان، أناخبَه يمثّل أم نفسه؟ وفضائح الوزراء ورؤساء الوزراء ورؤساء الدول، ماذا تعني؟ وإنْ كان "الكذب ملح الرجال" -  ويقولونها بوقاحة فجّة – فالسيدات أيضا، ولاسيما من كان بينهن في مناصب رفيعة، لا ينقصهنّ منه شيء، وإن بملامس مخملية ناعمة، اي بمظاهر "أرستقراطية"، حسب تعبير الناقد الاجتماعي الكبير لا برويير (1645-1696) في كتابه "الطبائع". وإن أنتَ تابعتَ الى "القمم"، فهناك العجائب والغراائب. أمن باب "الصدفة" أنْ تزامَن في هذا الأسبوع عقد "قمّة" الأمّة مع الأول من نيسان، وقد أسماها البعض قمّة التكاذب؟ هل فهمتَ شيئا من بيانها الأخير؟ أليست أَنصافُ الحقائق فيه شرًّا من الكذب نفسه؟ وقبل أن يجفّ حبر ما أجمعوا ووقّعوا عليه، إذا هم فيه يختلفون.
***  
      وماذا عندما تصل العدوى الى بعض رجال الدين؟ ومنهم من يكذبون كما يتنفسون، "ويحبّون الشرّ أكثر من الخير، والكذب أكثر من كلام الصدق...يجدون سرورا بكلام الكذب، يباركون بأفواههم علَنا، وفي قلوبهم يلعنون" ( مزمور 52: 5 ؛ 62: 6). فالواحد منهم يفطر ويتغدى ويتعشى على الكذب، فلا تتبيّن اليوم كلمة مما قاله أمس، "ومِن النبي فيهم الى الكاهن، يمارسون الكذب" (ارميا 8: 10)، حتى ليصحّ في مِثلهم قول صاحب المزامير:" يتمخّض بالإثم، ويحبل بالفساد، فيلد الكذب" (مزمور5: 7). يقوّلون الله ما لم يقُل، "فإلى متى يدوم الكذب في قلوب الأنبياء المتنبّئين بالكذب...يضلّلون شعبي بأكاذيبهم وعنجهياتهم. فلا أنا أرسلتهم وأمرتهم، ولا هم ينفعون هذا الشعب في شيء" (أرميا 23: 26-32)، "يتكهّنون للشعب بالكذب، فيقولون: هكذا قال السيد الرب، والرب ما قال شيئا" (حزقيال 22:28). "ومَن أظلَمُ ممّن افترى على الله كذِبًا، أو قال: أُوحيَ إليَّ، ولم يوحَ إليه شيء؟" ( سورة الأنعام 93).
***  
      كم ضلّوا وأضلّوا ! ولكن "الكذب حبله قصير" (أمثال 12: 19)، وعاقبته وخيمة: "تبيد الناطقين بالكذب" (مزمور 5: 7). "قال ارميا النبيّ لحَنَنيّا النبيّ: إسمَعْ ياحننيّا. ان الرب لم يرسلْك، وأنتَ جعلتَ هذا الشعب يعتمد على الكذب. لذلك قال الرب: سأنفيك عن وجه الأرض، وفي هذه السنة تموت...هذا ما قال الرب على شمعيا النحلاميّ: بما أنه تنبّأ لكم، وأنا لم أرسلْه، وجعلكم تعتمدون على الكذب، فسأعاقب شمعيا النحلامي وذريته..." (ارميا 28: 15-16 ؛ 29: 31-32). أليس الهالكون هم " الفُجّار والقتلة، وعَبَدة الأوثان، وكل من يكذب ويحبّ الكذب" (رؤيا 22: 15)؟  
عيّدوا للكذب في الأول من نيسان، ولو صدقوا لعيّدوا له كلَّ أيام السنة.
***   
      ولكن لا نُفْرطْ في التشاؤم، فهناك، والحمد لله، بقيّة ممّن "لم  يحنوا ركبتهم للبعل" ولم يقبّلوا صَنَم الكذب (1 ملوك 19: 18). فهؤلاء يعرفون أن الكذب إنما يستر الحقيقة ، كما يقول لافونتين (1621-1695) في أمثاله (9: 1)، ولكنه، إن استطاع سَترها أو إخفاءها، فلن يستطيع إزالتها أو محوها، بل هو بالحريّ الشاهد على وجودها، والدعوةُ الى البحث عنها لاكتشافها، إذ هي وحدها الوجود الأزلي، وما الكذب الا مِن صُنْع إبليس، "فهو من البدء قتّال الناس، ولم يثبت على الحق، لأنْ لا حقَّ فيه. فإذا تكلّم بالكذب، فإنما يتكلم بما عنده، لأنه كَذوبٌ وأبو الكذب" (يوحنا 8: 44). لذلك قال المعلّم:" ليكن كلامكم: النًّعَم: نَعَم، واللا: لا ، وما زاد على ذلك فهو من الِشرّير" (متّى 5: 37 ؛ 2 كورنثس 1: 17؛ يعقوب 5: 12). ففي خضمّ البلبلة التي يتخبّط فيها إنسان  اليوم، حيث عميَت البصائر وزاغت القلوب، يبقى الحنين، لدى الكثيرين، الى اكتشاف الحق: "أنبذوا الكذب، وكلّموا كل واحد منكم قريبه بالحق" (أفسس 5: 25), ولكن أين و"ما هو الحق؟" (يوحنا 18: 38). عبثا يبحثون عنه، ولن يجدوه إلاّ في مَن وحده قال: "أنا الطريق والحق والحياة " (يوحنا 14:6). وعندما تُسَدّ جميع الطرق، ويلتبس الحق بالباطل، ولا يسود إلا منطقُ وثقافةُ وحضارة الموت، هل يبقى إلا كلمة بطرس ليسوع:" إلى مَن نذهب يا رب، وعندك وحدك كلام الحياة الأبدية؟ (يوحنا 6: 68). 
 

ملاحظة : هيئة التحرير في موقع بانيت تلفت انتباه كتبة المقالات الكرام ، انه ولاسباب مهنية مفهومة فان موقع بانيت لا يسمح لنفسه ان ينشر لكُتاب ، مقالات تظهر في وسائل اعلام محلية ، قبل او بعد النشر في بانيت . هذا على غرار المتبع في صحفنا المحلية . ويستثنى من ذلك أي اتفاق اخر مع الكاتب سلفا بموافقة التحرير .

لمزيد من المقالاتاضغط هنا

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق