اغلاق

‘حياتهم ليست رخيصة‘ : من يحمي عمال البناء من حوادث العمل ؟

شابٌ بعمر الورد .. سلام مرشد ، ابن الـ 23 عاماً ، من قرية كابول ، كان جلّ همّه توفير لقمة العيش الكريم ، حين لقي حتفه في حادث عمل مأساوي في احدى ورشات البناء


 سلمان العبرة                     

في حيفا ، قبل أيام .
المرحوم سلام ، ليس الاول ويبدو انه لن يكون الاخير في مسلسل ضحايا حوادث البناء ، التي تتكرر مرة تلو الأخرى .. حتى باتت سلامة عامل البناء العربي وأمانه في خطر محدق !
موقع بانيت يفتح ملف أمان وسلامة عمال البناء في الوسط العربي ، على مصراعيه ، ويسأل كيف يمكن منع الكارثة القادمة ؟ وما هي السبل المتاحة لرفع مستوى الرقابة في العمل ، والتشديد على ضمان حماية حياة العامل العربي وعدم جعلها في مهب الريح ، بالاضافة الى العمل على توعية العمال وتنبيههم للمخاطر التي قد تواجههم في اطار عملهم ، لضمان عودتهم سالمين الى احضان عائلاتهم ..

يقول المهندس زهدي ابو جامع رئيس نقابة المهندسين العرب في الجنوب: "ان من أمر ما يمر به مجتمعنا  في هذا العصر الذي يوصف بعصر التطور والتكنولوجيا والعلم هي الحوادث المفجعة التي تحدث على مدار الساعة في ميادين ومشاريع  العمل المختلفة . حوادث مؤلمة ومفجعة تودي بحياة ابرياء وتصيب اخرين بعاهات واعاقات جسدية  ابدية , هذه  النتائج الوخيمة  لا يمكن السكوت عنها والصمت تجاهها فهي تشكل مشكلة وظاهرة صعبة وكارثية  جدا تستدعي  جميع الاطراف المهنية والمختصة البحث في اسبابها والسعي لمعالجتها دون تأجيل. لا بد من التأكيد ان  سلامة الانسان هي من اعلى واهم  اهداف الحياة البشرية وكل البحوث والعلوم والتطوير مسخّرة  لهذا الهدف وطالما اهملنا وسخرنا  من هذا الهدف فسوف نستمر في البكاء على اموات حوادث الطرق و العمل والبيت وغيرها".

ضعف في الوعي الاجتماعي المهني
 
يضيف أبو جامع:" من اهم الاسباب العمومية لهذه الحوادث  هو ضعف الوعي الاجتماعي في هذا الجانب وخصوصا لأهمية  قوانين وتعليمات  الامان  وثقافة الحذر في العمل بأشكاله وانواعه. هذه القوانين والتعليمات انما هي من صنع وقرار علماء مفكرين ومهندسين مختصين وتم تطويرها عبر عصور ملائمة لمتطلبات الحياة وتطور الانسان والعلم والتكنولوجيا. فهي ليست عشوائية وانما هي  نتاج بحث  مستمر وتجارب واقعية ودراسة علمية بهدف المحافظة على سلامة الانسان وعلى نظام عمل سليم ودائم يحمي بني البشر.
لا بد من التنبيه بان علينا المحافظة على متطلبات الامان في ورشات العمل وعدم مخالفتها  لأنها  ايضا هي  نتيجة لفكر علمي وتجريبي وليست شعوذة ساحرين , خطورة العمل في ابراج عالية تختلف عن خطورة العمل على الارض المستوية , وخطورة العمل على جانب او داخل حفر عميقة تختلف باختلاف العمق ونوع التربة ومحيطها , ومعدل حمولة ابراج ومسطحات العمل تختلف  باختلاف العلو وحمولة الاستعمال وبمساحة ومواصفات المشروع والاليات والأجهزة التي تخدم هذا المشروع هكذا لكل حدث حديث وعلينا التقيد بهذا الحديث". 

"عدم الانصياع للتعليمات تُنتج كوارث نأسف ونبكي عليها"
 "هذا الحديث في مشاريع البناء هو  مهني وعلمي مطلق تماما كغيره من المجالات ووعي عمال البناء لهذا الحديث هو فرض من فروض العمل , من هذا المنطق تلزم قانونيا بعض ورش البناء عادة  بتوظيف  مهندس امان يسعى للتحقق من  تنفيذ تعليمات الامان المكتوبة والمصورة, وفي مشاريع عالية  الخطورة  يتم القاء محاضرات ودورات توعية وتدريب للعمال  للحفاظ على امانتهم وسلامتهم خلال العمل, ولكن لربما الكسل والاهمال والهلع في سرعة العمل  الذي يتصف به الانسان احيانا يوسوس  له بعدم الانصياع لهذه التعليمات والتغاضي عنها ولربما ايضا الطمع في التوفير المالي بعدم  تنفيذ الإجراءات المطلوبة والادوات الملائمة تطغى على ما هو صحيح وسليم وبالتالي  لا يتحقق الامان ولا تتحقق المرابح ولا سرعة الانهاء وانما كوارث نأسف عليها ونبكي على ضحاياها". اقوال أبو جامع.    

رشاوى قاتلة
 يسهب ابوجامع :""في الجانب الاخر المقاول العبقري المنفذ للمشروع والذي غالبا لا يعرف من الامور الا قشورها فيهمل اعدادات الامان ويتخبط في مراحل التنفيذ ويتعامل مع المخططات كحبر على ورق فيخطئ هنا وهناك اما في المقاسات واما في كمية المواد
واما في جودة وقوة المواد وكثافتها ، ويغير ويبدل بهدف سرعة الانهاء وتقليل التكاليف، والغاية تبرر الوسيلة، ناهيك عن الجرائم الدنيئة المقصودة والتي لا يعلم خفاياها الا الله كتقليل كميات المواد او الحديد او الاسمنت حتى تصل الى الرشوى المالية لأصحاب القرار والمؤتمنين على الحق والأمانة الغالية فتزداد المصيبة حجما لانعدام الاشراف الهندسي المهني الحقيقي المطلق فتؤخذ القرارات والمصادقات على يد من لا صلاحية ولا مسؤولية لهم فيها، وتأتي المفاجأة والفاجعة التي لا تسر البال .
في نهاية الامر الضحية هو الانسان البسيط الذي يسعى لكسب لقمة العيش ولذلك نحن جميعا بحاجة ماسة للمحافظة على هذا  الانسان الغالي ولا يتم ذلك الا من توفير كل شروط العمل الآمنة, ولتسخير كافة وسائل الامان والحذر الى جانب التقيد بالتعليمات والارشادات في كل مشروع ومشروع بحد ذاته. ومن واجبي  اولا ان ادعو جميع ابناء مجتمعنا الطيب الى التكاتف والتلاحم في مواجهة هذه المصائب بالمشاركة في كل برامج ودورات  التوعية  والثقافة  المقترحة في هذا الجانب ايمانا وقناعة بأهميتها وليس شكليا فقط, كما وادعو جميع الاهل وطواقم  التعليم والقيادات المختلفة والنقابات المختصة الى تكثيف الجهود التربوية في ترسيخ مفاهيم وقيم واخلاقيات الامان والسلامة  لترسيخ ثقافة وحضارة واخلاقيات عمل تحترم كل ما هو صحيح وسليم وكل ما هو   قانوني وعلمي وكل ما هو شرعي وانساني  قبل اي هدف  مادي اخر مغاير وتافه
 ودنيء رحمة لأرواحنا التي تزهق عبثا على  مدار الساعة والتي يتألم ويبكي عليها الجميع ..".

الكثير من العمال لا ينصاعون للتعليمات ولا يتخذون الاحتياطات باسم "القضاء والقدر‘

من جانبه يقول سلمان العبرة، وه مراقب للسلامة في العمل بمصانع البحر الميت: "قد يسأل احدنا بما ان نسبتنا من المجتمع تفوق 20% بقليل فلماذا نسبتنا من حوادث العمل تصل الى 30% من اجمالي ضحايا الحوادث في العمل . كمراقب ومحقق لحوادث العمل منذ ما يقارب العقدين ارى ان جذر المشكلة لا يكمن فقط في الارشاد او في اتباع وسائل السلامة في العمل، فلطالما لاحظت أن العمال بعد ان تلقوا  الارشاد، بالإضافة الى وسائل الوقاية من خلال  مراقبتي  تنفيذ العمل ، تجد
ان العامل لا يتبع تلك الارشادات التي قد تلقاها، فتارة تراه موجود بارتفاع شاهق مع وسائل واقية من أجود الوسائل ولكنه لا يستخدمها بشكل الصحيح، وحين تسأل ما هو السبب يجيبك ببساطة ان الاعمار بيد الله واني قد وكلت امري الى الله. فهنا تقف كمراقب للسلامة في العمل امام نماذج للاستهتار بوسائل الوقاية مما يجعلك مضطرا لاستخدام صلاحياتك بتسريحه من العمل".

الكثير من المشغلين ومديري العمل يهتمون بالربح المالي فقط !
يضيف:" اما بالنسبه لمواقع العمل ذات طابع البناء فما يميزها عن باقي المواقع انها ديناميكية (متحركة).
وهنا اود ان انبه انه لا يكفي الارشاد ،بل يجب تكثيف المراقبة  والقانون يجبر منفذ العمل على تشغيل مدير عمل واحد ومراقب سلامة في العمل لكل 50 عامل، بالاضافه الى مسؤولي السلامة بالعمل الذين تلقوا دورات اقل من 50 ساعة كمساعدين لمدير العمل وكذلك مسؤول الأمان.
من اكثر العقبات التي تواجه مدير العمل وخاصة عند مشغل هي ان مدير العمل ليس فقط مسؤولا عن سلامة العمال ولكنه مدير عام لمشروع  ومسؤول عن خسارته وعن ربحه مما يجعل مدير العمل يقف امام تناقض بين السلامة بالعمل وارباح المشروع.
فمشكلة السلامة في العمل هي شيء استثنائى بالنسبة لكثيرين من مديري العمل والمشغلين ،فكل شيء بالنسبة لهم يقاس بالربح فقط".

نصائح للمشغلين والعمال
ويوجه سلمان العبرة مجموعة من النصائح:"
1- القانون يجبر المشغل على ارشاد العمال العرب باللغة العربية وغالبا ما يكون مراقب السلامة والعمل لا يجيد اللغة العربية ولا بد من حل هذه الإشكالية.
2- يشكل العمل على السقلات احد بؤر حوادث العمل،لذا اريد ان انوه ان من أسس العمل على السقلات  منع  العامل من العمل على السقلات التي لم تحصل على ترخيص من مدير العمل في الحالات الاتية:
أ-مرة في الأسبوع.
ب- بعد ثلاثة ايام عطلة.
ج- بعد يوم ماطر او جو عاصف.
اضف الى ذلك ان على العامل ان يعلم انه ملزم بالتبليغ عن اي اذى لمدير العمل".

واجبات الدولة:
 "على الدولة ممثلة بمكتب الاقتصاد فرع الصناعة والتجارة مكتب ادارة السلامة، اجبار المشغلين على تشغيل مسؤولي سلامة من العمال واجبار المشغلين التبليغ عن كل حادث عمل لم يصب به عمال وتنفيذ تحقيق داخلي لاخذ العبرة من الحوادث ومنعها في المستقبل".

الاخذ بالأسباب ثم التوكل على الله
"في النهايه اود ان اتوجه الى جمهور العاملين في البناء والمصانع لا تبدأ بعمل ما لم تتهيأ اليه نفسيا ومعرفة ما هو المطلوب منك ، عليك ان تسأل ولا تنسى قول الله تعالى: ((وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)) ، (195)  سورة البقرة
والحديث النبوي : ((روى الترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلاً جاء إلى النبي ومعه ناقته فقال: أعقلها وأتوكل، أم أتركها وأتوكل؟ قال النبي : اعقلها وتوكل)).
هذا يعني الاخذ بالاسباب ثم التوكل على الله".

توفير الظروف الأدوات اللازمة للأمان  
عبد الله الزبارقة، مراقب مؤهل للسلامة يقل من جانبه: "ان تكرار مسلسل حوادث العمل هو شيء مفزع ومقلق ويقض المضاجع وخصوصا بأن نسبة المصابين العرب وحالات الوفاة هي الأعلى في الدولة مقارنة بنسبتنا من مجمل السكان، وذلك يعود الى عدة اسباب نستذكر بعضها:
 اولا: كون العامل العربي المؤمن بقضاء الله يستهتر بارشادات العمل وقوانينها وسبل التعامل معها بمقولة ‘الي كاتبه ربنا بصير‘.
ثانيا: عدم تخصيص ساعات ارشاد كافية من قبل المقاولين واصحاب الورشات  التي يتداول فيها اسباب وعواقب هذه الحوادث.
ثالثا: عدم وجود السبل الكافية للحد من استهتار العمال بحياتهم وعدم الانصياع للقوانين والارشادات.
  كل هذه الاسباب من ناحية العامل البسيط, اما الشركة المقاولة والمبادرون فيجب عليهم العمل على توفير الأدوات اللازمة كذلك الملكات اللازمة للحفاظ على حياة العامل البسيط وتأمين يومه منذ دخوله الورشة حتى انتهاء يومه في العمل.
كذلك على المقاولين العمل على التخطيط المسبق للمهام التي على العامل تنفيذها وتأمين الادوات اللازمة التي يجب على العامل استعمالها لتنفيذ المهمة المطلوبة منه.
مثال على ذلك توفير الخوذة الواقية والقفازات والنظارات الواقية للحفاظ على سلامة العيون والحذاء الواقي .
كما يجب توفير الحزام الآمن للحفاظ على سلامة العامل من السقوط من اي ارتفاع يزيد عن مترين
وتوفير الارشاد اللازم للعمل على ارتفاع والعمل في الغرف المحكمة.
وأيضا التخطيط الصحيح الذي يشمل طرق التعامل مع اي مهمة في العمل وكيفية التعامل مع المخاطر, توفر علينا الندم والجلوس ما بعد الحدث واللوم على انفسنا  بما اخطأنا وعدم التخطيط الصحيح لتفادي اي مهمة كانت قد تؤذي العامل او تؤدي بحياته.
ولكم في النهاية السلامة, اخسر من حياتك لحظة ولا تخسرها بلحظة".


عبد الله الزبارقة


المهندس زهدي ابو جامع


بإمكان متصفحي موقع بانيت إرسال أخبار وصور لنشرها في موقع بانيت مجانا على البريد الالكتروني :panet@panet.co.il



لمزيد من اخبار رهط والجنوب اضغط هنا
لمزيد من الاخبار المحلية اضغط هنا

لمزيد من اخبار محلية اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق