اغلاق

بيروت: خواطر ومداخلة لمعن بشور في رواية ‘حديقة الفيلا‘

عرفت الصديقة والعزيزة الأستاذة بهية حسني الحسن منذ عقدين من الزمن، ومن خلال زمالتهم في المنتدى القومي العربي، وتعرفت إليها مُدرّسة متميّزة في عطائها التربوي،


معن بشور

وكاتبة في الشأن الوطني والتربوي والاجتماعي في أكثر من صحيفة ومجلة، ومناضلة ملتزمة في المجال النقابي والمهني والوطني والقومي، ولكن لم يدر بخلدي أبداً أن في داخل هذه الشخصية الوادعة المحبة خامة أدبية متدفقة تعبّر عن نفسها برواية شدّتني إليها منذ أن قرأت صفحتها الأولى حتى صفحتها الأخيرة .
وأعترف اليوم، أمام بهية وأمامكم، أنني حين وافقت على المشاركة في مناقشة روايتها "حديقة الفيلا"، وفي هذا الصرح الثقافي العريق الشامخ في طرابلس، الرابطة الثقافية وعلى رأسها الصديق الأستاذ رامز الفريّ، وافقت من باب التقدير لشخصية عزيزة عليّ لا أنسى حضورها الدائم في كل نشاط ثقافي أو وطني أو قومي، ولو كلفها الحضور مشاق السفر من منطقة إلى أخرى... بل لابنة منطقة زاخرة بالعلم والأدب، ولابنة أسرة كريمة، قدّمت العديد من العلماء والأدباء والشهداء.
لكني حين بدأت أتصفح الرواية فوجئت بها مضموناً وأسلوباً، واكتشفت أنني أمام مشروع روائية لبنانية عميقة في نظرتها، رصينة في خطابها، متمكنة من لغتها، مثقفة في خلفيتها، تراها حيناً عالمة اجتماع، وحيناً أخرى عالمة نفس، وحيناً ثالثاً صاحبة رسالة، تراها حيناً ممتلئة حيوية كالشباب، وحيناً أخرى ممتلئة حكمة كالشيوخ، ولكنها دائماً مسكونة بقضية الإنسان والمجتمع التي سعت الأخت بهية إلى حمل رايتها بأسلوب شيق ورشيق، وبسرد مشوّق، وبحبكات قصصية لا تخرج من أحداها إلاّ لتجد نفسك في حبكة ثانية.
أعترف أمامكم أنني قرأت رواية "حديقة الفيلا" مرتين الأولى يوم استلمتها من الكاتبة، والثانية في الطائرة خلال رحلة إلى الجزائر ضمتني مع أخي ورفيق الدرب الطويل فيصل درنيقة، رئيس المنتدى القومي العربي في الشمال، للمشاركة في احتفالات ثورة المليون ونصف المليون شهيد في العاصمة الجزائرية... فاستعنت بها على طول الرحلة التي لم تنته إلاّ مع انتهائي من قراءة الرواية.
لن تكون مداخلتي اليوم نقداً لعمل أدبي، فأنا كما تعلمون لست ناقداً أدبياً، وإن كنت اتمنى أن يحظى هذا العمل باهتمام النقاد لكي تستفيد السيدة بهية من نقدهم في أعمالها القادمة، بل ستكون مداخلتي عبارة عن شهادة لقارئ شدّته الرواية إلى قراءتها.
1. لقد شدّتني الرواية إلى قراءتها لأنها كانت عبارة عن لوحة أدبية لواقع إنساني واجتماعي نعيشه في حياتنا اللبنانية، سواء على مستوى الأفراد حيث بعضهم وقع أسير الإدمان على القمار أو غيره من المحرمات، أو على مستوى المجتمع الذي واجه عنف الحروب وما يرافقه من قتل ودمار لا توفر حتى مدارس الأطفال، كما هي المدرسة التي كان يدرس بها عماد، وكان طالباً متفوقاً، فإذا بقذيفة مدفع تقع في قلب حديقة المدرسة وتقتل أعزّ رفاقه وحبيبته الأولى، التي لم يستطع عماد إنقاذها، فحمل في تكوينه النفسي والعصبي تلك العقدة طيلة مراحل حياته.
2. كما شدّني في الرواية ذلك التصوير الدقيق لعلاقة عماد بوالدته ووالده، وهو وحيدهما المدلل، حيث أدى انشغالهما عنه إلى تضخيم عقدة الانفجار التي كانت تتطلب المزيد من الاحتضان العائلي قبل أن يلج الشاب طريق الإدمان على القمار، فلم يعد ممكناً لكل حنان الأم وعقلانية الأب استعادة الابن الضال، رغم حبه الشديد لهما وحبهما الشديد له.
3. لقد شدّني في الرواية المقاربة العميقة للعلاقة بين محنة الفرد، وهو بطل الرواية عماد، ومحنة المجتمع الذي هو لبنان في زمن الحرب، حيث تعرض الرواية لمبادرات وفعاليات متعدّدة قامت بها العائلة، أماً وأباً وابناً، لبناء جدران اجتماعية وإنسانية واقية من شرور الحرب، دون أن تتمكن من اقتلاع أثار تلك الحرب على الفرد والمجتمع وهي التي تركت جرحاً عميقاً في النفس والروح والعقل.
4. لقد شدّني في الرواية القدرة المميّزة للكاتبة على أن تستخرج من حكاية بطلها حكايات، ومن قصته قصصاً، وكأن لكل فصل حبكته الروائية، ولكل حبكة مفاجأتها المثيرة التي تدفعك إلى طلب المزيد لكي تشفي غليلك وتشبع فضولك...
5. لقد شدّتني في الرواية نجاح الكاتبة في التعامل بشفافية وعمق مع التجارب العاطفية المتعدّدة للبطل منذ تعلقه برفيقة الطفولة، وزميلة الدراسة التي انتزعها الموت باكراً من بين يديه إلى تعلقه الجنوني بياسمين الشابة الممتلئة حيوية ومعاشرته لها حتى باتت حامل منه، فلم يطق البقاء معها، ولم يتحمل فكرة إجهاضها للجنين في آن، فطردها من منزله ليعود ليبحث عنها وعن طفله الذي لم ير النور... فإذا بالكاتبة تصور لنا بدقة وحرفية عاليتين مراحل الانهيار العاطفي والعصبي لشاب مرتبك في داخله، مأزوم في نفسيته، متوتر في أعصابه.
6. لقد شدّني في الرواية كذلك قدرة الكاتبة على الربط بين انفصام الشخصية لدى البطل الذي قاده إلى طاولة القمار التي يرتاح لها لكنه غير مقتنع بها، وبين انقسام المجتمع الذي قاده إلى حرب لعينة لم ترحم كبيراً أو صغيراً، فبات وكأن معالجة الانقسام في الوطن هي الطريق لمعالجة الانفصام في الشخصية، وكأن معالجة هذا الانفصام هي الطريق لمواجهة الحرب المستعرة في الوطن، فكان انتقال عماد بين طاولة القمار وبين ملتقى جمعية شباب لبنان الواحد هو مظهر تلك العلاقة بين معالجة محنة الفرد ومحنة المجتمع.
7. لقد شدّني في الرواية أيضاً هو القدرة الفائقة لكاتبتها في أن تنقل رسالتها التربوية الاجتماعية، الوطنية القومية، إلى القارئ بأسلوب قصصي شيق تجنب الخطاب المباشر في معظم الأحيان رغم وقوع الكاتبة أحياناً في أسر هذا الخطاب الوطني والسياسي المباشر، على نحو يجعل من بعض صفحات الرواية وكأنها بيان سياسي وطني لحزب أو جماعة، بل كأن السيدة بهية قد نسيت أحياناً أنها روائية وعادت إلى حقيقتها كداعية اجتماعية ووطنية وقومية، مؤمنة بالدولة المدنية، وهو ما يؤكّد أن "الطبع يغلب التطبع أحياناً".
8. لقد شدّني في الرواية كذلك نجاح الكاتبة في تصوير دقيق لمراحل الانكسار العاطفي المتدرّج حتى الانهيار لبطل الرواية الذي كان يفقد في كل فصل عزيزاً عليه حتى وصل به الأمر إلى فقدان "الفيلا" التي ورثها عن والده على طاولة القمار لتشكّل تلك الخسارة نقطة الذروة في تحوّله عن إدمانه وعودته إلى حياته الطبيعية.
9. لقد شدّني في الرواية منذ اللحظة الأولى اسمها "حديقة الفيلا" لأكتشف، ولا أدري إذا كنت مصيباً، أن الفيلا بغرفها المغلقة كانت تشهد الحوارات المتوترة بين عماد ووالديه، ثم بينه وبين ياسمين بعدهما، فيما الحديقة بما ترمز إليه من فسحة جميلة يتلاعب الهواء الطلق بأشجارها وورودها كانت المكان الذي تجري فيه حوارات إنسانية عميقة بآفاق مفتوحة، وكأن بين الفيلا والحديقة جدلية المكان ومجاله الحيوي، فالفيلا هي مالكة سرّ الأسرة ومكنونها، والحديقة هي مجال انطلاق الأسرة وحيويتها.
10. شدّني في الرواية أيضاً وأيضاً ذلك التحليل العميق والجميل لشخصيات الرواية وأجيالها، ولطبيعة العلاقات الإنسانية وفي مقدمها قيم الصداقة المتينة، والحوار العقلاني وهي قيم لا تقوم أوطان ولا تصان مجتمعات بدونها...
وفي الختام، حرصت في مداخلتي هذه أن أتجنّب سرد تفاصيل الرواية لكي أترك لكم لذّة قراءتها ومتابعتها، ولكن إن كان لي من اقتراح أقدمه في هذا المجال فهو أن تعمد وزارة التربية وإدارات الثانويات الرسمية والخاصة إلى اعتمادها كأحد النصوص المطلوب قراءتها ومناقشتها من الطلاب، ففيها تجتمع مكونات النص الأدبي ومبادئ التربية الوطنية والتنشئة الاجتماعية.

لمزيد من اخبار عالمية اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق