اغلاق

رائد نصر الله من الناصرة يكتب : ‘عندما التقيت بالفنان مارسيل خليفة يوم مجزرة صبرا وشاتيلا‘

في مثل هذا اليوم قبل 35 عاما ، وبينما كنت في طريقي إلى العاصمة البلغارية صوفيا لمواصلة الدراسة الجامعية، عائدا من " الفرصة " الصيفية ، وحيث لم يكن الطيران،


رائد نصر الله

 في حينه، مباشرا بين مطار اللد ومطار صوفيا ، كنّا نمر عبر العاصمة اليونانيّة أثينا ، ومن هناك نواصل الطريق في طائرة بلغاريّة .
في ذلك العام كان من المفروض الانتظار في أثينا ما يزيد عن يوم ونصف اليوم ، وحيث كانت تربطني علاقة قرابة مع إحدى العائلات الفلسطينيّة المقيمة والمستقرة في اليونان ، انتهزت الفرصة لزيارتهم.
وبينما نحن في منزلهم نستعد للخروج لحضور أمسيّة غنائيّة سياسيّة يحيّها الفنان الملتزم مارسيل خليفة على مدرج الأكروبوليس التاريخي الشهير - وكانت دعوة المضيفين لي لأمسية كهذه حلم لم أتخيّله ، لا في منامي ولا في أحلام يقظتي - إذ بنشرة أخبار طارئة تقطع سير البرامج العاديّة في التلفزيون المحلي لتتحدث ، كما فهمت من المضيفين ، عن مجزرة حدثت في مخيّم للاجئين الفلسطينيين في لبنان مع تفاصيل أوليّة مقتضبة وصور قليلة لا تعكس بالضرورة هول ما حدث في مخيمي صبرا وشاتيلا ، والذي انكشف لاحقا كأبشع الجرائم ضد الإنسانية في تلك الحقبة التاريخيّة.

معضلة نفسية وأخلاقية !
علما بأنني خلال " الفرصة " الصيفيّة كنت قد شاركت في العديد من الفعاليات الجماهيريّة الاحتجاجيّة ضد الحرب الإسرائيليّة العدوانيّة على لبنان عموما، وعلى شعبنا الفلسطيني اللاجئ في لبنان منذ نكبة شعبنا في العام 1948 خصوصا ، وقبل بداية  " الفرصة " الصيفيّة كنت ضمن مئات الطلاب في بلغاريا، من مختلف القوميات، الذين تجاوبوا مع الحملة الأمميّة للتبرع بالدم لمساعدة جرحى العدوان الإسرائيلي من فلسطينيين ولبنانيين ، في تلك اللحظة واجهتني معضلة نفسيّة أخلاقية: هل أمتنع عن الذهاب إلى الإحتفال لأن الظرف لا يسمح، أم أذهب وأكون مشاركا في مهرجان سيطلق مارسيل من خلاله ، حتما ، صوت الإنسانيّة والتحدّي ، لكونه قد شارك المقاتلين في الغناء على المتاريس خلال الحرب الأهليّة اللبنانية إلى جانب القوى الوطنيّة التقدميّة اللبنانيّة وقوى الثورة الفلسطينيّة ؟ .
وللحقيقة أقول أن إلحاح المضيفين ساعدني في تجاوز المعضلة ومرافقتهم إلى المهرجان ، رغم أني ما فتئت أعيشها داخليا .

" أجواء من الحزن والغضب "
وما زاد الطين بلّة هو وصولنا إلى موقع المهرجان لنكتشف أن المدرّج بأكثر من نصف مقاعده فارغ ، وأجواء الحضور يخيم عليها الحزن والغضب .
كان الغياب، على ما بدا، انتصارا للشق الأول من المعضلة ، فقلت في نفسي " الله يستر ! ".
وما أن ظهر الفنان الملتزم مارسيل خليفة على المنصة ، حتى بدأنا نسمع هتافات باسم فلسطين والشهداء والثورة وضد أمريكا وإسرائيل والرجعيّة العربيّة .
ولكونه مارسيل ، لم يكن غريبا أن يستهل إبداعه بكلمة تعبّر عن الغضب على ما اقترفته يد وأذرع العدوان في مخيمي صبرا وشاتيلا ، معلنا بأن الثورة الفلسطينيّة قامت لتنتصر لشعبها وقضيته وأن كل القوى التقدميّة في العالم العربي والعالم عموما تقف إلى جانبها . عندها فقط عرفت وفهمت هول المجزرة ، وشعرت بنوع من الراحة فانسجمت مع الجمهور المشارك لنردد مع مارسيل خليفة أغانيه الثورية والوطنيّة والإنسانيّة .
في نهاية المهرجان أصرّيت على أن أذهب إلى المنصة لأقدم نفسي للفنان مارسيل خليفة وأحيّه ، فوجدته يحيّني ويحيّي من خلالي كل الفلسطينين الصامدين على أرض الوطن .

" انتصار الحياة على الموت "
كان لقاء فيه من العزاء ما يدفئ القلب ومن الطاقة ما يزيد الحماسة لمواصلة الطريق من أجل قضية شعبنا.
وحيث كان ذلك قبل 35 عاما فأن تملك كاميرا كطالب في ذلك الوقت كان يعتبر من الامتيازات التي لا يملكها أولاد العمال أمثالي، أما الحديث عن " السيلفي " و " الإنستغرام " في ذلك الحين فكان خيالا حتى في أفلام الخيال العلمي!
صبرا وشاتيلا في الذاكرة ، وكل ملاحم ومسيرة شعبنا النضالية في الذاكرة ، حتى نيل الحقوق وانتصار الحياة على الموت .


مارسيل خليفة

 

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق