اغلاق

التعليم العربي : الموجود والمنشود، بقلم: ابراهيم صرصور

قضية التربية والتعليم تأخذ منحى بعيدًا نسبيًّا عن المسار المخصص لها، وهذا ما تشير اليه الوقائع والحقائق. نستطيع أن نقول أن النتائج تتكلم عن نفسها، فإن مراوحة


إبراهيم عبدالله  صرصور

المكان في العملية التعليمية وبالتحديد في المجتمع العربي، والبطيء الشديد في تقدمها، مقارنة مع تطور الدولة المتسارع في جميع المجالات، تقف وراءه سياسة حكومية منهجية تتنافى مع كل المعايير المعتمدة في منظومة دول ال -  OECD التي تنتمي اليها إسرائيل، كما تقف وراءه عوامل ذاتية لا بد من مداهمتها بشجاعة. 
تعودنا دائما ان نسمع اعترافا من كل وزير جديد للمعارف يحط رحالة في مكتبه بشارع (أسباط إسرائيل/شبتي يسرائيل 29 ) في مدينة القدس، بوجود فجوة واضحة بين مستوى التعليم العربي واليهودي من جهة، ووعودا بعمل ما يجب لتحسين وضع التعليم العربي كما وكيفا، وكسر الفجوة الفلكية تقريبا بين المجتمعين. إلا ان الدراسات والتقارير الحيادية التي تصدر تباعا من مصادر مختلفة ومنها تقارير حكومية، تشير بوضوح أن كل ما قُدِّمَ للتعليم العربي خلال السنين الطويلة لم ينجح في سد ولو جزء بسيط من هذه الفجوة وخصوصا في منطقة النقب المنكوبة! سبب ذلك التجاهل المتعمد لحكومات إسرائيل المتعاقبة لمجموعة من الحقائق. أولها، نقطة الانطلاق لجهاز التعليم العربي والذي بدا من الصفر مقارنة مع جهاز التعليم اليهودي الذي حظي بالرعاية والتنظيم منذ عهد الانتداب. وثانيها، عدم تنفيذ سياسة تفضيلية عميقة تؤدي وبشكل استراتيجي لجسر الهوة بين الوسطين في مدة زمنية محدودة ، الأمر الذي يمنع جهاز التعليم العربي من الانطلاق بقوة نحو المستقبل، ويفرض عليه حركة بطيئة جدا لا يمكن أن تحدث القفزة المطلوبة.  وثالثها، لائحة أولويات إسرائيلية لا تضع عملية إصلاح جهاز التعليم العربي على رأس أولوياتها ... بهذا لن تتوفر للتعليم العربي  فرصة للمنافسة الحقيقية  ...
وزير التعليم (نفتالي بينيت) لم يكن استثناء، فمنذ تسلمه زمام الأمور طلع علينا هو أيضا باعترافات ووعود، إلا انه وبعد مرور اكثر من سنتين على وجوده في وزارته لم يخرج (الدخان الأبيض!)، ولا اعتقد انه سيخرج يوما لأسباب لا تخفى على لبيب ..
مع الاسف لم تترجم هذه الوعود الى واقع فعلي وظل وضع التعليم العربي في مجال الابنية والخدمات ومواضيع التخصص والكوادر المهنية الداعمة والتعيينات على مستوى المعلمين والمدراء والمفتشين وغيرها من المجالات، ظل مترهلا يفتقد الى الحيوية المطلوبة مما ينعكس على مستوى التحصيل المدرسي وكذا على نتائج البجروت رغم التحسن النسبي الذي تحقق في السنوات الاخيرة . 
اتفق الخبراء على ان (التعليم) و (والأمن) عمودان أساسيان من اعمدة بناء الامم ... هذا ما وضعته اسرائيل في اعتبارها منذ البداية فجعلت من نظامها التعليمي انعكاسا لخططها الاستراتيجية في صناعة (إسرائيل اليهودية القوية !!) وليس (إسرائيل دولة كل مواطنيها!!). لتحقيق ذلك صاغت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة مناهج الدولة التعليمية بما يتناسب وطبيعة الأهداف الموضوعة، فحملت بصمتها المميزة ضد العرب منذ البداية بسبب التناقض البنيوي بين ثوابت الدولة اليهودية وبين ثوابت المجتمع العربي الفلسطيني في إسرائيل. مثل ذلك يقال في قضايا الأرض والمسكن واملاك الوقف الإسلامي والمسيحي ، وآفاق التطور الاقتصادي والاجتماعي ومستوى الخدمات المختلفة والبنى التحتية، إلى غير ذلك من الملفات ذات الثقل النوعي والتي تتعمد السياسات الإسرائيلية عدم التقدم فيها بالتوازي وبنفس القوة والعمق مع تقدمها في المجتمع اليهودي لأسباب عقائدية وفكرية واضحة!  
لذلك ما لم يحدث تغيير جذري في المبنى الأيديولوجي للدولة والذي ما زال يرى في العربي كفرد وكمجموع وطني مختلف ومتميز وفخور، خطرا يتهدد وجود الدولة، فلا أتوقع ان يحدث تغيير جذري في سياسات الحكومات بما يضمن المساواة الكاملة والحقيقية بين المجتمعين اليهودي والفلسطيني داخل إسرائيل في كل مجالات الحياة بما في ذلك جهاز التعليم. النتيجة الطبيعية لهذا التناقض هو استمرار حالة التكامل والتآكل التي تسعى الحكومات الإسرائيلية إلى فرضها على الواقع العربي، حتى يظل في وضع (مكانك عُدْ) إلا من عمليات تجميلية لا تفعل فعلها الناجع لتحقيق النهضة العلمية المطلوبة في القرن الواحد والعشرين.    
جاءت مناهج التعليم في إسرائيل انعكاسا لهذا الفكر، وعليه جاءت أهدافه الموضوعة بعناية  لصياغة الكوادر القادرة على حمل هم (الدولة اليهودية!!) التي جاءت حسب تعريفات مؤسسيها لتحقيق الاشواق القومية والدينية لليهود دون سواهم ممن يعتبرهم هذا التعريف مجرد مواطنين من الدرجة الثانية او الثالثة..
من اللافت ان قانون القومية الجديد والمتوقع المصادقة عليه مع بداية الدورة الشتوية للكنيست نهاية شهر تشرين الأول من العام الجاري 2017 ، قد جاء هو أيضا ليؤكد على هذا البعد العنصري  مع إضافة تعتبر أخطر من كل تعريف سابق، وهو ان اليهود في دولة إسرائيل هم وحدهم من يملكون حق تقرير المصير دون غيرهم، والذي يعني الحط أكثر واكثر من مكانة الجماهير العربي القانونية والدستورية، والذي يستتبع بالضرورة منظومة تشريعات جديدة تزيد من حالة الاقصاء التي نعاني منها منذ قيام الدولة والى الان، ستمس بكل جوانب حياتنا بما ذلك لغتنا العربية التي ستفقد مكانتها كلغة رسمية ثانية في الدولة، وتضييق هامش مناهج التعليم العربي وأهدافه بما يضمن لإسرائيل السيطرة والتحكم ب – 20% من سكانها، تسعى – بلا جدوى -  لتشويه وعيهم العربي املا في صناعة جيل لا علاقة له بأشواقه الدينية والقومية والوطنية، لا لشيء إلا لأنها مسكونة بهاجس الخوف الأمني الذي لا تريد ان تتخلى عنه، والذي في نظري سيظل المعوق الأساس لأي عملية إصلاح يمكن ان تحقق المساوة والتحرر من التمييز العنصري والقهر القومي . 
أمام هذه المرض الإسرائيلي المزمن، لا بد من استنهاض كل الكفاءات والمهارات العربية الكامنة والناشطة لبناء خطة نواجه بها هذا الوضع تحقيقا للحد الأقصى من الإنجازات رغم المعوقات، وتخفيفا من اضرار هذه السياسة يقدر المستطاع، الأمر الذي يحتاج منا كمجتمع عربي إلى مزيد من الجهود الذاتية لإعادة الهيبة لجهاز التعليم العربي من خلال إحياء منظومات قيمية تحفز كل مكونات هذه العملية للانطلاق بأقصى طاقتها نحو حماية الوعي والإرادة والوجود .
بما أننا لا نتوقع أن يحدث هذا التغيير شبه المستحيل في السياسة الإسرائيلية تجاه التعليم العربي ، مما سيبقينا ( نلهث ) وراء التحسينات التجميلية حتى تنقطع أنفاسنا ، لا بد من إلقاء نظرة نحو الذات لنرى إن كان هنالك ما يمكن أن نفعله  لخدمة جهازنا في إطار الإمكانات المحدودة والفرص المتاحة، من غير ان نعفي الدولة – بالطبع – من تحمل مسؤولياتها الكاملة تجاه مجتمعنا بحكم القانون. 
التخلص الكامل من التدخلات الضارة حكومية كانت او محلية، وتغليب الاعتبارات المهنية فقط هو الضمانة والخطوة الضرورية الأولى لبناء جهاز تربية وتعليم صحيّ وسليم يقدم الكفاءة على الولاء السياسي او المصالح الشخصية، ويزاوج بعبقرية بين التعليم في معناه المجرد وبين التربية التي هي رافعة النهضة اولا، وبينهما وبين الثقافة والتي هي المشكلة للهوية ثانيا .
العمل على إحياء منظومة من التقاليد الأصيلة التي عرفتها مدارسنا العربية على مدى سنوات طويلة قبل عقود من الزمن، والتي كان لها أثرها الحاسم والعميق في تعزيز البيئة التربوية والتعليمية السليمة، وحماية هيبة المدارس والمعلمين، وتعميق احترام المجتمع للمدرسة، والتي غابت – مع الأسف الشديد – عن فضائنا التعليمي فكان لغيابها أكبر الأثر السلبي على مجمل جهاز التعليم العربي، هو أيضا خطوة أخرى على طريق حماية الهوية وتعزيز الحصانة الدينية والقومية والوطنية .
فيما يلي بعض الأنماط السلوكية التي كانت السمة البارزة للعملية التعليمية والتربوية الرصينة في مجتمعنا ، والتي كان لغيابها الأثر السلبي الواضح  :
أولا، اللباس الموحد للطلاب والطالبات ، يعتمد في تصميمه على تقاليد المجتمع وأعرافه من الستر والاحتشام لدى الذكور والإناث . فوضى اللباس والزينة والاكسسوارات وجرأتها، تسببت في فوضى أخلاقية وانفلات وتسيب سلوكي لا يمكن ان يكون في صالح عملية تربوية رصينة.
ثانيا، طابور الصباح والتفتيش على الطلاب من حيث النظافة وغيرها، مع احترام الطابور لدوره في تذويت حالة الانضباط وتعميق التوعية من حيث الكلمات التوجيهية الصباحية .
ثالثا، القيام للمدرس حينما يدخل الصف، كتعبير مبسط لكنه هام جدا عن الاحترام العملي وليس النظري للمعلم لكونه معلم .
رابعا، الحساب العسير لكل من يخرج عن حدود اللياقة في قوله أو فعله أو إشارته، وإنزال العقوبات الرادعة في المخالفين، ردعا لهم وتعليما لغيرهم .
خامسا، تحريم خروج الطلاب إلى المقاهي ، والعودة إلى مرحلة كان الطالب يعرف خطورة أن يراه المعلم في مثل هذه الأمكنة المحرمة على الطلاب، وانتظار العقاب في اليوم التالي، على أن تخصص للطلاب مراكز ثقافية يقضون فيها أوقات فراغهم فيما يفيد وتحت رقابة الموجهين والمربين .
سادسا، تحريم التأخير ليلا خارج البيت دون عذر، وفرض جداول زمنية يجب أن تفرض على الطلاب دون هوادة .
سابعا، الثقة المطلقة بين المعلم والأهل في كل ما يتعلق بالطالب، وقيام كل منهما بدوره التكاملي بهدف حماية الطالب مما يتعرض إليه من غزو فكري وسلوكي منحرف على أكثر من مستوى: وسائل الإعلام ، الانترنت ، التلفاز ، قرناء السوء ، والتربية الوافدة والمستوردة .
ثامنا، تعزيز القدوة والمثل الأعلى، والمتمثل في المعلم، المدير، الأب والأم، قادة المجتمع والمثقفين.
تاسعا، اجتثاث ظاهرة الغش في الامتحانات والإهمال في أداء الوظائف البيتية، والحرص الكامل على الحفاظ على أجواء تعليمية صحية بقدر المستطاع.
عاشرا، إحياء الروح الوثابة والملتزمة صاحبة الرسالة التي سادت حياتنا التعليمية في الخمسينات والستينات والسبعينات التي حولت مدارسنا بالأمس على تواضعها إلى قلاع علم ومراكز إشعاع وتنوير وقواعد إصلاح حقيقية: المعلم حامل الرسالة، والطالب صاحب الهمة، والأب والأم الذين وضعوا ثقتهم الكاملة في المعلم لإيمانهم بأهمية دوره وخطورة مهمته، والمجتمع الحاضن للمعلم والمقدس لوظيفته...
لا أزعم  أن ما ذكرت من أنماط ساهمت في الماضي في انتاج عملية تربوية وثقافية رصينة، هي الوحيدة دون غيرها القادرة على إعادة التوازن لجهازنا التعليمي العربي، فهي ايضا ستبقى عاجزة عن تحقيق المطلوب إذا تحولت الى مجرد فولكلور، لكنها ستكون فاعلة اذا تم تنفيذها كجزء من منظومة اخلاقية يعمل الجميع على تذويتها في نفوس الجميع طلابا ومعلمين وادارات وأولياء أمور.
الخطير في غياب هذه المنظومة انها تجر من ورائها سلسلة من الاخفاقات تتجلى في الفوضى بكل أشكالها، غياب النظام ، العنف، التخريب، ضعف الوازع الخلقي والرادع الديني، تدني مستوى التحصيل، واخيرا فوضى الامتحانات واستفحال وباء الغش ...
العودة إلى تلك (الروح) العبقرية الملتصقة بشعبها وبوطنها وبقيمها الدينية والوطنية، هو ما ينقصنا في هذه الأيام ... هذا هو مطلب الساعة الملح ... بهذه (الروح) يمكننا ان نتجاوز الخلل في مستويات التعليم العربي مقارنة باليهودي ، فنحقق بذلك الهدفين معا، التعليم النوعي والكمي، تماما كما حقق أسلافنا التفوق الاستراتيجي رغم الخلل الكمي بينهم وبين منافسيهم في الماضي، ولم يكونوا يستطيعون تحقيق ذلك بدون (إيمانهم) برسالتهم، وثقتهم بقدرتهم، واعتزازهم برسالتهم الإصلاحية الربانية، وإيثارهم للصالح العام على مصالحهم الشخصية، واستعدادهم للتضحية في سبيل رسالتهم بالغالي والرخيص، وهي الشروط المطلوبة لنجاح أية عملية إصلاح ...
من هنا يجب أن نبدأ عملية إصلاح  جهاز التعليم العربي .. قد يسميه البعض (أهداف) التعليم ... لا تهمني المصطلحات،  المهم أن نعي الأولويات ، فنحشد من اجل بلوغها كل الطاقات ... عندها وعندها فقط ، نستطيع أن نقول أننا وضعنا أقدامنا على بداية طريق الإصلاح الحقيقي والجاد لجهازنا التعليمي والتربوي ...
دليل ذلك، إننا وبالرغم من الواقع المر الذي يعيشه مجتمعنا العربي في الداخل، فقد نجح عد كبير من أبنائه وبناته من تحقيق إنجازات اشبه بالمعجزات أخذا بعين الاعتبار الظروف التي نعيشها والفرص المتاحة لأبنائنا مقارنة بغيرنا، والحاجة إلى اختراق السقف الزجاجي (بل الفولاذي) والوصول إلى النجاح المهني المميز والذي انعكس في الإحصاءات الكثيرة التي تصدر تباعا والتي تشير الى العدد الكبير من حملة درجات البروفسور والدكتوراه في مختلف التخصصات وخصوصا في الطب، ممن يعترون الأفضل على الاطلاق.
ليس امامنا من بديل الا ان نمسك بمصيرنا بأيدينا متوكلين على الله ، وواثقين بأننا سنصل في نهاية المطاف .. من يبدا لا بد له ان يصل ، اما الذي لا يبدا فلن يصل أبدا ..
*** الرئيس السابق للحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
نلفت انتباه كتبة المقالات الكرام ، انه ولاسباب مهنية مفهومة فان موقع بانيت لا يسمح لنفسه ان ينشر لكُتاب ، مقالات تظهر في وسائل اعلام محلية ، قبل او بعد النشر في بانيت . هذا على غرار المتبع في صحفنا المحلية . ويستثنى من ذلك أي اتفاق اخر مع الكاتب سلفا بموافقة التحرير.
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان:
panet@panet.co.il .

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق