اغلاق

ما لا يبوح به الآخرون: قضية فلسطينية أم مشكلة اسرائيلية ؟

القليل مما نحن بصدده يُقال والكثير منه لا يُقال إما عن جهل أو خوف أو لؤم. والخطر الأكبر هو في الأفكار التي يحملها البعض ولا يتم البوح بها أو الافصاح عنها


الصورة للتوضيح فقط

ولكنها مع ذلك تتسلل خِلْسَة على مسرح الأحداث تؤثر بها وتتفاعل معها إلى أن نَصْحوا ذات يوم ونراها جزءاً أسوداً من حياتنا ومن واقعنا ومصيرنا السياسي.
لقد حان الوقت لأن يتم التعامل مع القضية الفلسطينية من منظور مختلف يعترف بوجود أطراف أخرى مؤثرة على طبيعة هذه القضية وعلى مسارها ومستقبلها، وإن كان هذا الاعتراف لا يعني بالضرورة القبول أو التسليم بأحقية تلك الأطراف.  إن النظر بموضوعية الى قضية بدأت تنزلق الى أعماق سحيقة بحكم فشل القيادات الفلسطينية بالاضافة الى الانهيار والتشتت والفرقة العربية في الوقت الذي ابتدأ فيه المجتمع الشبابي الغربي والعالمي في التعبير المتواصل عن رفضه للإجرام الاسرائيلي والتمييز العنصري الجائر بحق الشعب الفلسطيني جَعَلَ من هذه التطورات سبباً لضرورة إعادة النظر في مجمل القراءة الفلسطينية والعربية لطبيعة القضية الفلسطينية ومستقبل الصراع العربي-الاسرائيلي.  ويبقى التساؤل، هل تجاهل البعض المتَعَمَّد أو العفوي لوجود اسرائيل كقوة إقليمية تحتل كامل الأرض الفلسطينية امراً يعكس وطنية متشددة أم سذاجة أم رفضاً لحقائق مرفوضة ومؤلمة ولكنها موجودة ؟ قد تكون الإجابة في مجموع تلك التساؤلات، ولكن الهدف في النهاية هو التوصل الى طريق للعمل تخدم الهدف الوطني الفلسطيني.  
يتعاملُ معظم العرب مع القضية الفلسطينية من المنظور الفلسطيني والعربي متجاهلين أن هنالك طرفاً آخََرَ مباشراً في هذه المعادلة الشائكة وهو الإحتلال الاسرائيلي. القضية الفلسطينية هي قضية المُطَالَبٍِة بوجود فلسطين العربية والقضية الإسرائيلية هي قضية وجود اسرائيل كأمر واقع. البعض يختار ان يتعامل معها من المنظور الفلسطيني باعتبار أن هذه القضية هي قضية الحقوق العادلة للشعب الفلسطيني وحقه في أرضه ووطنه ودولته وحق الشعب الفلسطيني في الإستقلال الناجز والحرية، أما الآخرون ومنهم العديد من دول العالم الغربي وأمريكا والدول المؤيدة لإسرائيل فإن القضية هي أمن اسرائيل ومستقبلها كدولة يهودية ليهود العالم. إن كيفية الاستجابة  لتلك المطالب من هذا المنظور أو ذاك هو ما يشكل أرضية التعامل مع هذه القضية باعتبارها إما قضية  فلسطينية أو قضية اسرائيلية. بحديث آخر ؛ مانحن بصدده الآن هو عنوانان لمشكلة واحدة: القضية الفلسطينية  أم المشكلة الاسرائيلية ؟
دعونا نقترب من هذا الموضوع الدقيق والحساس بوضوح وأفق مفتوح وبمنهجية علمية قد تساعد على ايجاد رؤيا جديدة أو مدخلاً جديداً لهذه المشكلة القديمة المتجددة والتي يَنْظر اليها العالم بوجهين مختلفين متضادين يزدادان تعقيداً يوما  بعد يوم، وعلى أن يكون كل ذلك ضمن الرؤيا الوطنية وثوابتها. ويبقى السؤال، هل نحن والعالم معنا بصدد حل القضية الفلسطينية أم حل المشكلة الاسرائيلية ؟
عند الحديث عن القضية الفلسطينية أو المشكلة الاسرائيلية علينا أن نعترف بوجود مجتمعين متباينين على أرض فلسطين العربية التاريخية : المجتمع العربي الفلسطيني والمجتمع اليهودي الاسرائيلي.
المجتمع اليهودي الاسرائيلي لا يملك كمجتمع أي صفات حقيقية جامعة  تميزه سوى امتلاكه لناصية القوة العسكرية التي توفر الاطار والوعاء لصهر مكوناته من المجموعات البشرية المبعثرة هنا وهناك والتي تنتمي الى عوالم ولغات وثقافات مختلفة والتي أصبحت ملمومةً في الزمان والمكان تحت مسمى المجتمع اليهودي الاسرائيلي في كيان واحد يجمعها دين واحد ومصلحة واحدة في استعمار فلسطين ولا شئ آخر؛ في حين أن الشعب الفلسطيني الذي كان موحداً على أرضه وفي وطنه أصبح الآن وبحكم الاحتلال مبعثراً مشتتاً في عوالم ومجتمعات مختلفة إستهلكت جزأً من خصائصه الفلسطينية كما كانت قبل الشتات، وحولته من شعب واحد ومجتمع كامل التعريف الى شعب مكون من  مجموعات بشرية متمايزة ومختلفة ولكن بقي  يجمعها بالرغم من كل ذلك إنتماء فلسطيني عام وواضح ورغبة أكيدة في العودة أو التحرير وهي رغبة تلبي حقاً طبيعياً وغريزة انسانية يتشارك فيها كل أبناء فلسطين.  الواقع الديموغرافي وظروفه أثرتَّ إذاً على الفلسطينيين سلباً من خلال الشتات والتهجير من فلسطين، وكذلك على الاسرائليين من خلال الهجرات المتعددة  الى فلسطين.  وهكذا وبالرغم من تعارض الأسباب وتعاكسها فإن النتيجة كانت واحدة، والسبب أنه في كلا الحالتين  فإن ما جرى لم يكن أمراً طبيعياً وفي سياقة التاريخي  بل كان أمراً مفروضاً ومصطنعاً بحكم أحداث غير طبيعية فَرَضَتْ على البشر المعنيين سلوكاً غير طبيعي وأَدّت في معظم الاحيان الى نتائج غير طبيعية مقارنة بالنتائج فيما لو سارت الأمور في سياقها التاريخي الطبيعي.
ان اتجاه المجتمع الاسرائيلي المضطرد نحو اليمين والتعصب والانغلاق الإقصائي قد يعود جزئياً الى أن ذلك المجتمع قد ابتدأ يصبح اسرائيلياً اصولياً مغلقاً أكثر من كونه صهيونياً ليبرالياً منفتحاً على اليهود الآخرين، إذ كلما ازدادت إسرائيلية ذلك المجتمع ضعفت صهيونيته بمعنى تأثيرها على صفة المجتمع وأولوياته.  فعلاقة المجتمع اليهودي الآن بالصهيونية العالمية أقرب ما تكون الى "الحبل السري" الذي يفقد أهميته عندما يتطور الجنين الى مولود قادر على القيام بوظائفه الحيوية بمعزل عن الأم.  وهكذا حال المجتمع الاسرائيلي الذي أصبحت حاجته للمهاجرين أقل كلما اكتملت مسيرته في استعمار الأرض الفلسطينية والى الحد الذي يصبح فيه تدفق مزيد من المهاجرين اليهود عبأً أكثر منه حبل نجاة.  ولكن وبالرغم من ذلك يبقى إصرار اسرائيل على الادعاء  بتمثيل يهود العالم أمراً هاماً لتعزيز قدرتها على الاستمرار في استدرار عطف يهود العالم ونفوذهم لدعم اسرائيل كدولة يهودية ليهود العالم حتى لو كان ذلك الادعاء  نظرياً. والشعار المطروح الآن بأن اسرائيل هي دولة يهودية ليهود العالم انما المقصود به الفلسطينيون وإلغاء حقهم في فلسطين.  المجتمع الاسرائيلي يسبح الآن في فضائه الخاص به بشكل متزايد وأصبح بالتالي يُرَكَّز على إسرائيلية المجتمع اكثر من صهيونية المجتمع، بالاضافة الى أن التفوق العسكري الاسرائيلي  والتفتت العربي أعطى المجتمع الإسرائيلي شعوراً متزايداً بالثقة وبأن هذا التفوق مبني على تضحيات المجتمع الاسرائيلي وليس على إنجازات الحركة الصهيونية.
التفوق العسكري الاسرائيلي الساحق على مستوى الاقليم قد أعطى الاسرائيليين الشعور برفاهية القوة التي تسمح لهم بفعل أي شئ قد لا يقدر عليه الآخرون بحكم كونه منافياً للسلوك الإنساني أو للأعراف والمواثيق الدولية.  وفي المقابل أعطى الشعور بالضعف العسكري لبعض الفلسطينيين، وخصوصا قادتهم، العذر للقبول بما يتعارض ومصالح الشعب الفلسطيني وأهدافه الوطنية.  وكلا الأمرين يشتركان في كونهما خارج نطاق المألوف والمقبول في منطق الأمور وطبقاً للمقاييس والاعراف الدولية والوطنية للأمم.  ولكن وفي ظل غياب القدرة الفلسطينية والعربية على الحسم العسكري أو تحييد التفوق العسكري الاسرائيلي، وبحكم طول فترة الاحتلال واستمراريتها، قد يكون الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال الأقرب الى فهم العقلية الاسرائيلية وكيفية التعامل معها بل والأهم من ذلك التعايش معها كأمر واقع وليس كأمر يعترف بشرعيتها.  وهذا القبول المبني على مفهوم التعايش ما زال أمراً صعباً ان لم يكن مستحيلاً على معظم العرب والفلسطينيين في الشتات والذين يرون في التعامل مع اسرائيل تطبيعاً وتنازلا عن الحقوق العربية في فلسطين.  ان هذا التمزق بين الواقعية التي تعكس واقع الاحتلال وقسوته واستمراره، والوطنية التي تعكس الحقوق والأمل في التحرير يشكلان المُعْضلة التي تجابهها كل الأطراف.  أين هو الصحيح ؟ هل هو في التعامل مع واقع الاحتلال ومحاولة الاستفادة من ذلك التعامل للصمود والبقاء على الأرض، أم التشبث بالأهداف الوطنية والأمل في التحرير ورفض القبول بالأمر الواقع مهما كانت النتيجة بالرغم من الضعف والفرقة العربية والفلسطينية والتفوق العسكري الاسرائيلي.
واقعية الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال يجب أن لا تعني بالضرورة تنازله عن حقوقه الوطنية، وفي المقابل فإن أصحاب المواقف العقائدية أو المتخندقة لا تقبل في العادة بفتح أي حوار معها في هذا الخصوص فهي إما مع أو ضد ولا ثالث بينهما.  لغة الحوار بين الفلسطينيين تفترض القدرة على التحاور والإستعداد للقبول بنتائجه .  وواقعية الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال  لم تأتِ نتيجة تفكير أو حوار وطني بقدر ما جاءت نتيجة لواقع فرضه جبروت الاحتلال وإستمراره واضطرار المواطنين للتعامل معه بحكم سيطرته على كل شئ وعلى كافة المقدرات الحياتيه للفلسطينيين الواقعين تحت الاحتلال.  وهذا الأمر لا يقبل أو يبرر ما فعلته السلطة الفلسطينية والتي جاء برنامجها السياسي عن سبق اصرار ونتيجة تفكير وتخطيط وقرار من قيادة حركة فتح أُخِذَ عن وعي كامل بطبيعته ونتائجه متناسين الموعظة الخالدة في القصة الكلاسيكية "ليلى والذئب ". بأن الضعيف لا يستطيع أن يشاطر القوي فراشه ويحتفظ بحياته أو بشرفه، ولكن السلطة الفلسطينية لا تُريد أن تعلم أو تتعلم.
مشكلة الفلسطينيين الآن هي مع السلطة الفلسطينية كما هي مع الاحتلال الاسرائيلي.  فالسلطة هي في الواقع ظِلّ الاحتلال.  وكما يؤكد الواقع والمسار الاسرائيلي صعوبة انسحاب اسرائيل سواء سلماً أم حرباً، فإنه وبالمقدار نفسه، يؤكد صعوبة التخلص من السلطة الفلسطينية كقيادة للشعب الفلسطيني تحت الاحتلال، وهنا تكمن المشكلة.  لمن سيلجئ الفلسطينيين ليقودهم في مرحلة ما بعد السلطة الفلسطينية ؟ وهل يمكن للفلسطينيين التخلص من السلطة وهل سيسمح الاحتلال بذلك كون السلطة هي الامتداد الفلسطيني للاحتلال الاسرائيلي نفسه ؟
إن فهم الفلسطينيين تحت الاحتلال للعقلية الاسرائيلية قد مَكَنهم بالنتيجة، وفي ظل غياب نهج المقاومة من فكر القيادة الفلسطينية وبرنامج عملها، من التعامل مع الاحتلال بنِدَّية تخلو من الخوف أو الاستكانة.  وهذه الندية هي ما يميز نضال الفلسطينيين تحت الاحتلال منذ الانتفاضة الأولى وحتى الآن.  فأسلوب الكر والفر اختفى لصالح اسلوب الصمود والتحدي الذي يسعى الى مقاومة مستمرة وشبه يومية للمخطط الاسرائيلي الصهيوني في استعمار الأرض دون البشر.  وهذا لا يعني عدم وجود عناصر فلسطينية ذات نفوس ضعيفة تتعاون مع الاحتلال، ولكن الأمور يجب أن لا تقاس من منظورها السلبي فقط، فالفلسطينيون تحت الاحتلال الجائر والاستيطان المجنون لايملكون من خيار سوى الرفض والاصرار على استمرار الحياة والتواجد على أرض الوطن بأي وسيلة ومهما كان الثمن وهذا بحد ذاته شكل من أشكال المقاومة، كون الفَنَاء أو خلق أمة فاشلة هو بالنتيجة الهدف الحقيقي للاحتلال الذي يريد الأرض دون البشر. ...... يتبع

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق