اغلاق

نحو فصل المقال فيما بين ‘التجمع‘ و‘الجبهة‘ من إتصال أو انفصال

ويسأل سائل من أهلها: ما الذي يميز حزب "التجمع الوطني الديمقراطي" عن "الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة" (والحزب الشيوعي نواتها الصلبة) على

 
الدكتور سعيد زيداني- أستاذ الفلسفة/ جامعة القدس (صورة خاصة)


مستوى الالتزام الأيديولوجي والممارسة السياسية لكل منهما؟ وما هو الفضاء الأيديولوجي الذي يسبح فيه كل من الحزبين المتنافسين؟ ويجيب مجيب من أهلها: إذا اخترقنا غابة الخطابات والتصريحات ونبراتها، ونرفزات الكوادر على حدتها، وإذا أمعنا النظر في البرامج السياسية وتصرفات الممثلين المنتخبين والشخصيات القيادية، لتم بسهولة نسبية استكناه أوجه الشبه والاختلاف، الاتصال والانفصال، بين هاتين الحركتين السياسيتين المؤثرتين، والتي يمكن، في اعتقادي، إجمالها بالتالي:
أولاً: كل من الحزبين ينادي، صراحةً وجهراً ، بتحويل إسرائيل إلى دولة ديمقراطيه علمانية حقة تساوي في الحقوق بين جميع مواطنيها (يهوداً كانوا أو عرباً أو غير ذلك). إلا أن هناك خلافاً في العمق بين الفريقين حين يتعلق الأمر بوضع ومستقبل فلسطينيي 48 في تلك الدولة، ومفاده التالي: فإذا كان الجبهويون والحائمون في فضائهم السياسي يعتقدون بأن تحويل إسرائيل إلى دولة ديمقراطية علمانية لجميع مواطنيها يفي بكل الغرض المنشود، أي كفيل بتحقيق المساواة التامة في الحقوق، فإن التجمعيين والحائمين في فضائهم السياسي يعتقدون غير ذلك.
في نظر التجمعيين وأنصارهم، للفسلطينيين داخل إسرائيل حقوق جماعية غير قابلة للرد أو الاختزال إلى الحقوق الفردية المتساوية. ولذا فإن مطلبهم ومأربهم يظل مزدوجاً أو ذا قرنين: تحويل إسرائيل إلى دولة جميع مواطنيها أولاً، والحكم الذاتي ثانياً. الفرق الواضح بين الحزبين إذن يتعلق بالحقوق الجماعية وما يقترن بها أو ينساب عنها من حكم ذاتي يلزم، في نظر التجمع، لحماية ورعاية الهوية الإثنية المميزة من جهة، وللحماية من استبداد الأغلبية الإثنية من جهة ثانية، ولتأمين المساواة في توزيع الموارد والخيرات العامة من جهة ثالثة. وإذا كان صحيحاً أن الجبهويين ليسوا أقل حرصاً على حماية ورعاية الهوية المميزة للفلسطينيين داخل إسرائيل، إلا أن هذا الحرص، على قوته وصدقه وعمقه التاريخي، لا يقترن، بنظرهم، بفكرة الحقوق الجماعية وترجمتها إلى حكم ذاتي من هذا النوع أو ذاك. الجبهويون ما زالوا، كما كانوا دائماً، اندماجيين في النزعة وفي البرنامج السياسي والإلتزام الأيديولوجي على السواء. هذا في حين أن النزعة الإنفصالية النسبية لدى التجمعيين غير خافية على أصحاب الأذهان الثاقبة.

ثانياً: على مستوى التصورات بشأن الحل المنصف للصراع الفلسطيني/ الإسرائيلي، فإن "الجبهة" ملتزمة بحل الدولتين المتجاورتين بأمن وسلام، على جانبي حدود الرابع من حزيران 1967، على أن يظل فلسطينيو 48 جزء لا يتجزء من دولة إسرائيل. أما "التجمع" فينجذب إلى تصور مختلف بشأن الحل المنصف للصراع. التجمع يقول، ضمناً إن لم يكن صراحة، بمسحوق الهمس إن لم يكن جهراً، بأن الحل المنصف يجب أن يتمخض عن دولة ديمقراطية واحدة، ثنائية القومية أو مفدرلة، أو عن دولتين ترتبطان كونفدرالياً أو تتشاركان في وطن واحد، أو ما شابه. ومثل هذا الحل المنصف لا يتأتي إلا بتقليم أظافر الفكرة والحركة الصهيونيتن.
بإختصار شديد، الخلاف بين "التجمع" و"الجبهة" يتمحور حول هاتين النقطتين الرئيسيتين، وكذلك حول ما يشتق منهما أو يتذيل عنهما من قضايا. وتحديداً، فإن هذا التباين بين التصورين يساعد كثيراً ، في اعتقادي، في فهم وتفسير مواقف كل
من الفريقيين من قضايا فرعية هامة كالتالية:

أ. لجنة المتابعة العليا:
فإذا كانت الجبهة مصرة، كما كانت دائماً، على الطابع التنسيقي للجنة، فإن التجمع ينزع نحو ويشد باتجاه إعادة بنائها ولتصبح لجنة قيادية عليا تمهد وتؤسس لإدارة ذاتية من هذا النوع أو ذاك. وليس خافياً على أحد هذه الأيام بأن لجنة المتابعة العليا لا تزال تتأرجح ما بين هذين الحدين، التنسيق والقيادة المقترنة بإعادة البناء.

ب.العمل العربي اليهودي المشترك:
أوليس واضحاً وضوح الشمس (كما يقال) بأن التجمع نافر من أي عمل مشترك، برلماني أو خارج أروقة البرلمان، مع أي حركة سياسية صهيونية أو أي حزب صهيوني؟ وفي المقابل، فإن الجبهة لا تكف عن المغازلة الناعمة لليسار الصهيوني وعن فحص وإستقصاء فرص وإمكانيات التعاون والتنسيق معه، على المستويين الرسمي والشعبي على السواء.

ج .الحركة الوطنية الفلسطينية:
إذا كانت الجبهة حريصة كل الحرص على التنسيق مع قيادات فصائل الحركة الوطنية الفلسطينية، وذلك مع التأكيد على خصوصية وضع ودور الفلسطينيين داخل إسرائيل، فإن التجمع، في المقابل، يرى نفسه شريكاً، وجزء لا يتجزأ من الحركة الوطنية الفلسطينية أو المشروع الوطني الفلسطيني (مهما كان يعني ذلك هذه الأيام). وهذا بدوره يفسر اختلاف موقف كل من الفريقيين من السلطة الوطنية الفلسطينية ورئيسها، موقف المؤيد/الداعم في حالة الجبهة، مقابل موقف الناقد / الناقم في حالة التجمع.
وهناك وفرة من القضايا الجزئية التي تتباين بشأنها رؤي ومواقف الحركتين، لا يتسع المقام هنا لحصرها أو تعدادها .
وختاماً أرجو أن يوفر ما ورد أعلاه، على ايجازه المفرط ربما، دليلاً عاماً للحائريين، والذين يزن في آذانهم وأذهانهم السؤال حول اوجه التباين بين مواقف هذين الحزبين المؤثرين، ذلك التباين، والتوتر المرافق أحياناً، الذي يجد تعبيراً له في إطار القائمة المشتركة كما في إطار لجنة المتابعة العليا كما بين النشطاء في الميدان. أما عن أوجه الشبه بين الحزبين العلمانيين، وما يميزهما عن الحركات الإسلامية وفضائها الأيديولوجي، فحدث ولا حرج، والحديث يطولُ.

د. سعيد زيداني
أستاذ الفلسفة في جامعة القدس

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
نلفت انتباه كتبة المقالات الكرام ، انه ولاسباب مهنية مفهومة فان موقع بانيت لا يسمح لنفسه ان ينشر لكُتاب ، مقالات تظهر في وسائل اعلام محلية ، قبل او بعد النشر في بانيت . هذا على غرار المتبع في صحفنا المحلية . ويستثنى من ذلك أي اتفاق اخر مع الكاتب سلفا بموافقة التحرير.
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان:
panet@panet.co.il .

 

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق