اغلاق

‘إميل حبيبي: البقاء هو المقاومة!‘ بقلم: رجا زعاترة

• هل أعلن رجا اغبارية الكفاح المسلح؟ كيف عمل موظفًا في وزارة المعارف الإسرائيلية وترشّح لبلدية أم الفحم تحت حراب الاحتلال؟ ولماذا سعى حثيثًا للترشح لعضوية


رجا زعاترة

برلمان الكيان الصهيوني الغاشم؟
• الاستخفاف ببقائنا في وطننا هو تزوير للحقيقة التاريخية وتبرئة ضمنية لساحة الحركة الصهيونية وتمادٍ ليس على إميل حبيبي فقط بل على تاريخ وانتماء ومسيرة كفاح الجماهير العربية بقيادة الحزب الشيوعي

ملأ إميل حبيبي الدنيا وشغل الناس طيلة حياته، وما انفكّ يفعل بعد عقدين ونيّف على مماته. فقد بثت قناة "الميادين" (الأحد 12.11.2017) فيلمًا "شبه وثائقيّ" عن القائد الشيوعي الفذّ والأديب الفلسطيني الخالد تحت عنوان "السياسة في هوامش الأدب". الملاحظات المهنية على الفيلم لها أول وليس لها آخر. فما مِن إنسان موضوعي أو صحافي نزيه إلا ويجزم أنّ ثمّة توجّهًا عدائيًا ومسبّقًا "لإدانة" إميل حبيبي، بعزل الأحداث والموقف عن سياقها التاريخي، وبانتقاء واجتزاء مقولات وإسقاطها من الأدب على السياسة وبالعكس، وبالاعتماد على مصادر وشخصيات يغلب على معظمها الحقد والدوغمائية.
وقد أبلى الرفيقان عصام مخول وأيمن عودة بلاءً حسنًا في الردّ على بعض التهم والاتهامات التي وُجّهت إلى صاحب "المتشائل"، وبالأحرى إلى هذا الجزء من الشعب الفلسطيني الذي بقي في وطنه بعد النكبة. وهي في معظمها تهم ممجوجة ومكرورة طالما كالها له (ولنا) بعض القومجيين العرب. وكان من المؤسف أن يشارك الرفيق رجا اغبارية القيادي في حركة "أبناء البلد" في هذه الجوقة الموتورة. ومن حق اغبارية طبعًا أن يختلف مع خط إميل حبيبي ومواقفه وأن يفندها، وينقدها، وينقضها، ويرفضها، ولكن ليس على حساب الحقائق والوقائع التاريخية.

• قالوا شيوعيين
في حديثه عن قرار التقسيم وقع اغبارية في جملة من الأخطاء. منها مثلاً أنّ "عصبة التحرر الوطني" وافقت على قرار التقسيم منذ البداية (والحقيقة أنّ العصبة طرحت مشروع الدولة الديمقراطية، ولم تقبل قرار التقسيم إلا في شباط 1948)؛ وأنّ الحزب الشيوعي الفلسطيني انشقّ عن "أحدوت هعفوداه" (والحقيقة أنّ الحزب لم ينشق عن هذه المنظمة الصهيونية بزعامة بن غوريون بل رفض الانضمام إليها أصلاً. إذ اعتبر الشيوعيون الصهيونية "حركة رجعية وليس حركة تحرّرية" و"حركة برجوازية تخدم الاستعمار البريطاني" منذ العام 1923 ورفضوا "وعد بلفور" وأيدوا الثورة الكبرى العام 1936)؛ وأنّ الشيوعيين العرب واليهود كانوا منذ العشرينيّات وحتى العام 1948 في إطارين منفصلين (والحقيقة أنّ الرفيق رضوان الحلو "موسى" أشغل منصب الأمين العام للحزب الشيوعي الفلسطيني عام 1934 في إطار سياسة التعريب. وهبّت رياح الانقسام في الأربعينيّات حين بدأت محاولات موشي سنيه ومجموعته لمهادنة الصهيونية وحرف الحزب عن مساره الثوري. ولم تتأسّس عصبة التحرّر الوطني، بقيادة إميل حبيبي وتوفيق طوبي وإميل توما، إلا عام 1943). ومعظم هذه المعلومات الأساسية يعرفها ذوو الحدّ الأدنى من الثقافة والاطلاع على تاريخ الحركة الشيوعية في بلادنا. فكم بالحريّ "باحث سياسي" كما تمّ تعريف الرفيق اغبارية.
والأنكى هو ادعاء اغبارية أنّ موقف العصبة أعطى الشرعية لقيام دولة إسرائيل. وقد يعتقد المشاهد أنّ قيام إسرائيل كان متوقفًا على موقف العصبة، وليس على موازين القوى السياسية والعسكرية المحلية والعالمية بعد الحرب العالمية الثانية، وعلى الواقع الديموغرافي والاقتصادي في البلاد. ناهيك عن تجاهل حقيقة أنّ قبول العصبة لقرار التقسيم – الذي ينصّ على قيام دولتين – جاء من باب الحرص على الشعب الفلسطيني وحقه في تقرير مصيره، ومنع تشريده كما حدث فعلاً بفعل تآمر الأنظمة الرجعية العربية التي تواطأت مع الصهيونية وحالت دون قيام الدول العربية الفلسطينية على 45% من مساحة فلسطين التاريخية.
ويمضي اغبارية في تشويه مواقف إميل حبيبي وحزبه الشيوعي في الساحة الإقليمية، محوّلاً الخلاف الموضعي مع عبد الناصر حول الوحدة مع سوريا عام 1958 (والتي سرعان ما فشلت) من الاستثناء إلى القاعدة في موقف الشيوعيين من حركات التحرّر العربي. ويتجاهل حقيقة أن الانقسام عام 1965 كان أحد أبرز مفاصله الموقف من مصر عبد الناصر، وأنّ إميل حبيبي تحديدًا رفض أن ينشر مقالاً للأمين العام للحزب شموئيل ميكونس - ضد منح جائزة لنين للقائد الجزائري أحمد بن بلة - في جريدة "الاتحاد". وزاد اغبارية الطين بلةً حين زعم أن الحزب الشيوعي كان مع "حلف بغداد" الرجعي، الذي أقيم أصلاً بإيعاز من الولايات المتحدة لمواجهة "المدّ الشيوعي" في المنطقة.

• التاريخ الموازي
إنّ بقاء زهاء 150 ألف فلسطيني عام 1948، يقارب عددهم اليوم المليون ونصف المليون إنسان، هو شوكة في حلق المشروع الصهيوني الذي حلم بدولة يهودية "نقية" ومارس التهجير والتطهير العرقي عام 1948. وإنّ الاستخفاف بهذا البقاء وتشويه جوهره الكفاحي هو تمادٍ وتطاول ليس على إميل حبيبي أو تياره السياسي، فحسب، بل على تاريخ وكينونة هذا الجزء، الحي والواعي والنشيط، من الشعب العربي الفلسطيني.
وكان تطاول اغبارية مضاعفًا بتجنيه على الموقف التاريخي المشهود للشيوعيين من حق العودة للاجئين الفلسطينيين، منذ وثيقة عصبة التحرر الوطني"لماذا يجب أن نناضل في سبيل الدولة العربية المستقلة" (أيلول 1948) وحتى يومنا هذا. حيث لم يكتف اغبارية بتشويه معنى البقاء بل ذهب إلى أنّ مدرسة الحزب الشيوعي وإميل حبيبي قالت للاجئين ابقوا حيث أنتم ولا تعودوا.
إنّ تصوير البقاء كأمر مفروغ منه هو تزوير للحقيقة التاريخية، وتبرئة ضمنية لساحة الحركة الصهيونية من جرائم التهجير والمجازر والتطهير العرقي. إنّ تشويه جوهر هذا البقاء – "أنّ ما يريده فلسطينيو 48 هو أن يأكلوا ويشربوا ويعيشوا في رغد في دولة السمن والعسل إسرائيل"، حسب اغبارية - هو تجنٍ سافر وفاجر على انتمائنا الوطني وعلى مسيرة كفاحية نضالية ممهورة بالدماء والتضحيات، قادها الحزب الشيوعي بكل العنفوان وبكل المسؤولية وبكل الإقدام، بصدام مباشر مع الحكم العسكري في معركة الحفاظ على الهوية الوطنية وتثوير الجماهير في مواجهة سياسة التدجين. وكان فيها لحبيبي ورفاقه صولات وجولات موثقة في التاريخ وراسخة في وجدان شعبنا. فمن أين خرج "أدب المقاومة" والشعراء الثوريون محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زيّاد ونايف سليم وغيرهم؟ أليس من "الاتحاد" و"الجديد" وفي أكناف إميل حبيبي وإميل توما؟
ومن جملة أخطائه الكثيرة وقع اغبارية في سقطتين فاحشتين: الأولى هي استعمال مصطلح "الإسرائيليين الجيدين" لوصف خط إميل حبيبي ورفاقه. ويبدو أنّ الرفيق اغبارية لم يقرأ كتاب "عرب جيدون" الذي يوثق نضالات الشيوعيين أيام الحكم العسكري وصراعهم مع أذناب السلطة من رجالات "المباي" و"الهستدروت" و"المفدال". ويعرف أهل أم الفحم جيدًا من كان "العرب الجيدون" في تلك الأيام وما حظوا به من تسهيلات وتوظيفات، بينما كان الشيوعيون يلاحَقون ويفصَلون ويسجَنون. أما السقطة الثانية فهي إيراد "يوم الأرض" عام 1976 كنموذج على سير الجماهير بعكس سياسة إميل حبيبي والحزب الشيوعي. إذ يقول اغبارية إنّ يوم الأرض حدث دون توجيه "للكفاح المسلح". فهل كان يوم الأرض انتفاضة شعبية عارمة أم عملية مسلحة؟ وهل يوجد تنظيم واحد بين الجماهير العربية الفلسطينية الباقية في وطنها مارس أو يمارس الكفاح المسلح أو أي نوع كفاح يتجاوز ما مارسه ويمارسه الشيوعيون؟ هل الكفاح المسلّح خيار حقيقي في ظروف وسياق جماهيرنا؟ إذًا فما هي العمليات الفدائية التي قام بها اغبارية ورفاقه وكيف أسهمت في النضال الوطني التحرّري؟
يبدو أنّ الرفيق اغبارية قد نسج في خياله تاريخًا موازيًا، لم يخض فيه الشيوعيون معركة الهويات الحمراء ولم يفضحوا مجزرة كفر قاسم عام 1956، ولم يقودوا معركة ضريبة الرأس ولا انتفاضة أيار 1958 في الناصرة وأم الفحم، ولم تقم فيه "لجنة الدفاع عن الأراضي" التي دعت لإضراب يوم الأرض ولم يصرخ توفيق زيّاد "الشعب قرّر الإضراب" ولم تحرّض "الاتحاد" على الإضراب ولم يكن الشهيد الأول يوم 29.3.1976 الرفيق خير ياسين من عرّابة عضوًا في الشبيبة الشيوعية!

• الجائزة والانخراط
وأخطأ اغبارية، أيضًا، حين زعم أنّ حبيبي "تخلّى عن حزبه" حين وافق على الحصول على جائزة إسرائيل في الآداب. فالحقيقة هي أنّ حبيبي أنهى علاقته التنظيمية بالحزب عام 1989 وحصل على هذه الجائزة عام 1992، وحاز قبلها "وسام القدس" الفلسطيني عام 1990. وبيد أنّ مسألة قبول أو رفض الجائزة تحتمل الأخذ والردّ، إلا أنّ الحزب لم يعارض حصول الأديب الكبير على الجائزة، والتي تبرّع بقيمتها المالية لجرحى الانتفاضة عبر "الهلال الأحمر" الفلسطيني. وممّا لا ريب فيه أنّ حبيبي، بقبوله الجائزة، كان في حالة اشتباك مع الفكر الصهيوني: فقد قال في أحد الحوارات الإعلامية إنّ أحد الأسباب التي دفعته إلى كتابة رائعته "المتشائل" كان التساؤل الساخر لأحد قادة "مباي" يغئال ألون: "إذا كان هناك شعبٌ فلسطيني، فأين أدبه وميراثه الحضاريّ المتميّز؟" ومعروف في هذا السياق قول غولدا مائير: "لا يوجد شعب فلسطيني".
وإذا كان اغبارية يعيب على حبيبي القبول بوجود دولة إسرائيل و"الانخراط في مؤسسات الاحتلال"، فهل ينسحب هذا أيضًا على انخراط اغبارية طالبًا في جامعة بار إيلان الصهيونية المتطرفة، ثم في جهاز التعليم موظفًا في وزارة المعارف الإسرائيلية؟ أم أنّ الأمر متعلق فقط بعضوية الكنيست مثلاً؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا انخرط اغبارية وحركته "أبناء البلد" في حزب "التجمع الوطني الديمقراطي" والذي نشأ – بحسب توصيف مؤسسه عزمي بشارة – من "قلب الكينونة الإسرائيلية" وخاض معه انتخابات الكنيست عام 1996؟ ولماذا فاوض اغبارية الجبهة وسواها على مقعد في قائمتها للكنيست عام 1999؟ ولماذا ترشّح أكثر من مرة لعضوية ورئاسة بلدية أم الفحم التي تجري تحت إشراف وزارة داخلية الكيان الصهيوني الغاشم؟ أليس هذا – وفق معايير اغبارية – قبولاً بوجد إسرائيل وانخراطًا في مؤسسات الاحتلال؟!
إنّ الرفيق رجا اغبارية مدينٌ بالاعتذار ليس لإميل حبيبي أو للحزب الشيوعي، بل للحقيقة التي حاول ليّ ذراعها، وبالأساس: لأكثر من مليون فلسطيني يرون في بقائهم في وطنهم، وبحق، مقاومة للصهيونية.
وسيبقى إميل حبيبي رمزًا شامخًا لهذا الشعب ولهذا البقاء ولهذه المقاومة، ولو كره المزايدون!



هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
نلفت انتباه كتبة المقالات الكرام ، انه ولاسباب مهنية مفهومة فان موقع بانيت لا يسمح لنفسه ان ينشر لكُتاب ، مقالات تظهر في وسائل اعلام محلية ، قبل او بعد النشر في بانيت . هذا على غرار المتبع في صحفنا المحلية . ويستثنى من ذلك أي اتفاق اخر مع الكاتب سلفا بموافقة التحرير.
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان:
panet@panet.co.il .


لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق