اغلاق

ترامب ليس شجاعًا والقدس لن تنكسر، بقلم: مازن القاق

منذ اليوم الأول لحملته الانتخابية في العام 2016، أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنّه سيدعم الكيان الإسرائيلي بالاعتراف بالقدس عاصمة للاحتلال.

وسيعمل أيضًا على نقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى القدس، وهو القانون الذي أقره الكونغرس الأميركي منذ العام 1995 إلا أن الرؤساء الأميركيين قبل ترامب كانوا يؤجلون القرار مرة كل ستة أشهر.

ترامب لم يقل ما قاله من فراغ، فقد سبقت تهيئة واضحة قبل خطابه الأربعاء 6 كانون الأول- ديسمبر. التهيئة هذه لم تكن يومًا أو يومان، فقد كانت منذ لحظة ترشحه للرئاسة، ومن ثم بعد فوزه بالرئاسة، يليها زيارته "الوديّة" للسعودية قائدة "دول الاعتدال" في المنطقة.

لم تكن زيارته للسعودية عبثًا، بل إن دول "الاعتدال" التي ستحارب الإرهاب الإسلامي بحسب قولها شاركت في ما وصفه ترامب صفقة القرن وقدّمت قربانًا بلغ أكثر من 400 مليار دولار للولايات المتحدة في هذا الصدد، ولاحقًا استبعد الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز ولي عهده محمد بن نايف ليرفع مكانه نجله الأمير محمد بن سلمان قائدًا براغماتيًا جديدًا يفتح صفحة أخرى مع الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي.

ومن ضمن الصفحات الجديدة التي فتحها بن سلمان تقديمه صفقة جديدة للسلام مع إسرائيل خلال استقباله الرئيس الفلسطيني محمود عباس "أبو مازن" في الرياض، إذ طرح الأول على الثاني "دولة فلسطينية" لا قدس فيها ولا عودة لاجئين ولا رحيل استيطان ولا سيادة فلسطينية عليها ولا تواصل جغرافي فيها. كان هذا طرح بن سلمان الذي لم يقدمه أحد حتى الأميركيون أنفسهم.

كل ما سبق، كان تمهيدًا وتهيئة واتفاقًا عربيًا أميركيًا بإمضاء سعودي لكي يعلن ترامب خطوته وقراره. لم يكن ترامب مجنونًا حين أعلن القدس عاصمة لإسرائيل في خطابه الأربعاء، بل ربما كان واثقًا من أن شيئًا لن يتغير على صعيد علاقات بلاده الوطيدة والاستراتيجية بمن توصف "دول الاعتدال" في المنطقة وعلى رأسها السعودية ومصر.

بل لعلّ ترامب حصل على الضوء الأخضر من زعماء وسياسيين عرب قبيل هذا الإعلان، ولم يخف ذلك في وسائل الإعلام التي تناقلت اتصالاته المختلفة وإعرابه عن نيته لزعماء إسرائيليين وعرب بمن فيهم الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز.

الزخم الشعبي يتصاعد
بعد قرار ترامب، الذي باركه الكيان الإسرائيلي، يمينه ويساره على السواء، تصاعدت حدة الغضب الشعبي الفلسطيني، ولم يكن ذلك على منصات التواصل الاجتماعي فحسب، فمنذ خطاب الرئيس الأميركي، تشتعل مدن الضفة الغربية وغزة إلى جانب مدينة القدس باعتصامات ومسيرات مستمرة، وكانت حصيلة الجمعة الأولى بعد القرار ارتقاء شهيدين وأكثر من 1000 جريح إثر المواجهات مع قوات الاحتلال في كافة مناطق التماس.

ولا يعتقد عاقل أن المساس بالقدس العاصمة الفلسطينية الأبدية سيكون مجرد هبّة شعبية عابرة، أو عاصفة عبر منصات الإنترنت سرعان ما تهدأ، بل إنها قضية شعب وقضية أمة بأكملها، وبحسب ما تمت ملاحظته فإنّ قضية القدس التي هي جوهر الصراع والقضية الفلسطينية، أخذت تكتسب زخمًا شعبيًا وحتى رسميًا باطّراد.

حال المقدسيين
سيكون المقدسيون منذ بدء العام المقبل 2018 في وضع قانوني وسياسي جديد، إذ من المتوقع أن يفرض عليهم الكيان الإسرائيلي، حسبما تناقلت بعض وسائل الإعلام على صفحاتها، الجنسية الإسرائيلية إضافة إلى الهوية المقدسية وهي وثيقة الإقامة الدائمة للمقدسيين في القدس حاليًا والمعمول بها منذ احتلال المدينة في العام 1967.

أما الوضع الاقتصادي المتردي أصلًا، فهو لن يكون أفضل حالًا بالنسبة للمقدسيين المحاصرين بقرارات حكومات الاحتلال المتعاقبة على مدينتهم، إذ يدفع المقدسي أثمانًا باهظة لقاء ثباته وصموده على أرض مدينته، بدءًا من ضرائب المسقفات "الأرنونا" التي ترهق كاهل المقدسيين والتي تذهب لجيوب بلدية الاحتلال في المدينة ولا ينتفع منها أبناء القدس بأية طريقة، وليس انتهاءً بالتضييق على أبناء المدينة بمنعهم البناء والتوسع العمراني نظرًا للزيادة السكانية الطبيعية، حيث يمنعون استصدار تراخيص بناء جديدة، فضلًا عن هدم عشرات المنازل سنويًا بحجة عدم الحصول على تراخيص بناء، وكل ذلك يتم بقرارات سياسية بحتة هدفها القضاء على الوجود العربي في القدس وتهويدها بالكامل.

البلدة القديمة التي هي جزء أصيل من الشق الشرقي للمدينة والتي يقع فيها المسجد الأقصى المبارك وكنيسة القيامة، تعاني ضعف الحركة الاقتصادية والشرائية غالبية أيام العام بفعل السياسة القهرية والعنصرية التي تمارسها سلطات الاحتلال عليها، مما يضيق الخناق أكثر على تجارها وسكانها وزائريها كذلك، ويضعف الحركة الاقتصادية في المدينة التي هي مهد الرسالات السماوية.

طمس الهوية والرد
محاولات طمس الهوية العربية والإسلامية للمدينة المقدسة مستمرة منذ بدء احتلال إسرائيل أرض فلسطين، وهذا الإمعان الصهيوني في سلخ وجه وهوية المدينة عن تراثها وتاريخها الثقافي والسياسي والاجتماعي، سيقود بالطبع إلى ردة فعل مساوية في المقدار على الصعيد المقدسي والفلسطيني أجمع، ويستوجب التوحد في مواجهة أعتى احتلال منذ مطلع القرن العشرين، ويستوجب كذلك استمرار الزخم الشعبي لهذه الهبّة التي لا نريدها مجرد هبّة. بل حالة شعبية أصيلة من العصيان والغضب المستمر لتغيير الواقع على الأرض، لا باستجداء أميركا وعطف السياسيين علينا. وتجربة انتفاضة البوابات بالأمس في حياة المقدسيين ما زالت ماثلة وما زالت نموذجًا مشرقًا لكسر إرادة القرار السياسي الاحتلالي الظالم بقرار شعبي قوي وصلب يغير الواقع لصالح أصحاب الحق والأرض.

بإمكان متصفحي موقع بانيت من مدينة الناصرة والمنطقة إرسال أخبار وصور لنشرها في موقع بانيت مجانا على البريد الالكتروني :panet@panet.co.il

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق