اغلاق

‘البركة غلبت السعادة‘ قصة جميلة ومعبرة .. بقلم: فتحية صديق شندي

البركة غلبت السعادة .. كلمة طالما رددتها الجدة العجوز صاحبة الثمانين عاماً، إلا ان احداً قط لم يلتفت اليها او يتوقف عندها والمعنى في بطن الشاعر كما يقال،


الصورة للتوضيح فقط

فهي تعرف معناها وتعي ما تقول جيداً فإنها خبرت الايام وجربتها بحلوها ومرها، وذات مرة توقف ابراهيم احد احفادها وسألها: ماذا تقصدين بهذه العبارة يا جدتي؟ ابتسمت العجوز وقالت : البركة يا ابنائي ويا احفادي شيء عظيم جداً في حياتنا وربنا اذا بارك في الشيء فلا أحد يقدر ان يوقف هذه البركة ابداً، ولولا ان الله تعالى منً بها علينا لما استطعنا ان نعيش بهذه النعم، ألا ترون ان الله تعالى أسبل علينا ستره.
واعتدل احدهم فقال : هذا وقت مضى وعصر ولي فإن الناس اليوم يكره بعضهم بعضاً ويؤذي بعضم بعضاً، فمن اين تأتي البركة، فلم يعد الجار يسأل عن جاره ؟! قالت العجوز : لقد حدثنا اجدادكم ممن ادركوا بقايا الزمن الجميل ان الناس كانوا يحبون بعضهم ويفرحون لفرح بعضهم ويتألمون لآلام اصدقائهم ويأكل الجار مع جاره من غير كلفة، وكان يستشيره حتى في كسوة اولاده وهكذا امتلأت حياة الناس بالبركة والسعادة والرضا، فما تسمع احداً يشكو الزمان او يشكو الناس وسأحدثكم عن بعض هذه القصة التي عاشها الناس وتحدثت عنها الأجيال.
حدث أن جارتين احبت كل منهما الاخرى حباً جماً وظلتا تتعاونان فيما بينهما وكان لهما بستان مشترك في الارض تقومان بزراعته معاً فاذا جاء وقت الحصاد وجني الموسم قامتا بقسمته بالتساوي، وحدث ان قالت إحداهما لجارتها تحملين انت جزءاً من نصيبك لطحنه وانا اقوم بحراسة الجزء الباقي وليكن ذلك بالتناوب بيننا.
فكان اذا غابت الجارة المسنة للقيام بأعمال الطحن اخذت الجارة الشابة تقول في نفسها : إنها امرأة عجوز ولها اسرة كبيرة وقطعاً تحتاج الى كمية كبيرة من الطحين، فتنهض وتزيد في نصيب جارتها من دون ان تخبرها، ثم تأتي نوبة العجوز للحراسة فتقوم الشابة بأخذ جزء من نصيبها لطحنه لأولادها وتبقي العجوز قائمة على الحراسة فتحدثها نفسها بما حدث مع الشابة، وتقول : إن جارتي امرأة شابة ومقبلة على الدنيا وعندها اطفال صغار يحتاجون طحيناً اكثر، فتأخذ من نصيبها وتضع في نصيب جارتها الشابة، واستمر هذا الحال وحان الوقت لنقل الغلة من الحقل الى مكان تخزينها داخل خزانات مصنوعة من الطين ، فإذا بهم يلاحظون امراً غريباً، لاحظن ان الغلة يزيد حجمها وليس هذا هو الزمن المقدر والمعتاد الذي تنقل فيه مثلها حتى اصابهما الاعياء وشعرن بالتعب والارهاق الشديد.
ولم تتمكنا من نقل القمح كله لكثرته، لأن الله بارك فيه وتوالى النقل علي ايام متتابعة ولم يختلفا على أن هذا العام كثر القمح وكثرت الحبوب كثرة مفرطة، مما خرج عن الحد المعتاد وجلستا تحت جذع من النخل وقالت إحداهما للأخرى : استحلفك بالله يا اختي أكنت تفعلين شيئاً عندما اكون في الطاحون ؟ قالت : نعم كنت أضيف الى كميتك كمية اخرى، وانا استحلفك بالله اكنت تفعلين شيئاً في نوبتك وحراستك؟ قالت : نعم. وقامت كلا منهما تعانق الاخرى وهن يبكين ثم توضأت كل منهما وصلت لله شكراً وقالت : إنه المنعم المتفضل بالخير والبركة.
اشتهرت القصة حتى بلغت امير البلاد فقدم الى الجارتين ليرى من ذلك القمح شيئاً مما تحدث عنه الناس، فلما رآه وقلبه بين يديه وهو يتعجب من كبر حجم الحبة بكى طويلاً وخر ساجداً لله تعالى وقال : سبحان الله ! سبحان الله ! الرازق ذو القوة المتين. والتفت الى حراسه قائلاً : ضعوا من هذا القمح في خزانة المسلمين ليكون عبرة وعظة لمن يأتي بعدنا. ونظر الى الجارتين وخاطبهما : لقد أكرمكما من هو افضل مني. ثم امر لهما بأداء فريضة الحج الى بيت الله على نفقته، هذا هو فضل البركة التي هي سبب السعادة.

لمزيد من روايات وقصص اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق