اغلاق

يوميات بروفيسور (2) صديقي رودريك و ‘كُبة‘ خالتي، بقلم: ب.اشرف ابريق

تجبرني ممارستي للحياة الأكاديمية الصاخبة على مواجهة التحديات باستمرار، من ضمنها التعامل مع منافسين بشراسة الأسود. فأجدني مُربَكا في اكتشاف الأصدقاء


بروفيسور أشرف إبريق - عالم وباحث في مجال الكيماء، معهد التخنيون- حيفا


الحقيقيين الذين يقل عددهم كلما زاد نجاحي.
صديقي رودريك (رودي) من ألمانيا، كان ولا زال ممن لا ارتباك  فيهم ! فنقاء قلبه واستقامته جعلاه من أعز أصدقائي بحيث أتوق دائماً لرؤيته والحديث معه رغم اختلاف حضاراتنا والبعد الجغرافي بيننا. فعدا عن كونه إنسانيا من الدرجة الأولى فهو مثقف بامتياز يعشق التاريخ وعلم الحضارات. وخلال زيارتي المتكررة  لبرلين - كبروفيسور ضيف في الجامعة التقنية - أشعر كل مرة بالخصوصية لما يعده لي من مفاجآت لأتعرف بعمق على بلده من خلال زيارتنا لأماكن تاريخية، ثقافية، طبيعية، واُخرى فريدة من نوعها يعرفها بالذات المحليون. وهو موسوعة في التاريخ، حيث لا نزور مكانا دون أن يشرح لي عن تاريخ هذا المكان بإسهاب ودقة تامة. وهو يعي جيدًا شغفي بهذا الجانب، فتكون رحلاتنا في غاية المتعة والفائدة. وحين ندمج ذلك مع الحديث عن أبحاثنا وما يدور من وراء الكواليس في العديد من القرارات في عالمنا البحثي، يصبح حديثنا ذا شجون، بأوقات نقضيها معا هي أوقات خارجة عن الزمن !
هو أيضًا بروفيسور في الكيمياء يعمل في الجامعة التقنية في برلين وله إنجازات علمية تدرجه مع كبار الباحثين عالميًا. تعرفت عليه عام 1999 خلال تحضيري لأطروحة الدكتوراة  في معهد سكريبس في مدينة سان ديچو-كليفورنيا- وقد بلغ حينها  مرحلة ما بعد الدكتوراة. كُنّا وما زلنا ممن يعشقون الحياة والكيمياء. مجالات أبحاثنا ليست حتمًا بالقريبة رغم كونها تَتَبع للكيمياء البيولوجية! فبينما أبحاثي تتعلق في تحضير البروتينات بطرق كيميائية لفهم وظائفها العديدة في الكائنات الحية، تتمحور أبحاثه حول اكتشاف مركبات طبيعية لدراسة مبناها الكيميائي، آلية تحضيرها، وفعاليتها ضد البكتيريا ، الفيروسات والامراض السرطانية المختلفة.
 
حاتم الطائي الألماني !

وصديقي كصديقه، يحب الطعام وخاصة الغريب منه- وهي صفة لاحظتها عند الكيميائيين عامة. وحين أزوره يسعى جاهدًا لترك انطباع مميز عن الطعام المحلي. فنقوم بجولاتنا الكولينارية في مطاعم برلين المختلفة بها أتذوق الاطعمة على  أشكالها من ضمنها الألمانيّة الحقيقية. ويدهشني دائمًا انتقاؤه لمطاعم مميزة من حيث التشكيلة والنوعية. لكن يبقى طبق "الڤينر شنيتزل" هو الأشهى ليشدني دائما لزيارة مطعم "اوتينتال" الواقع في "كانتشتراسي 153"! واعتقد ان رودي تأثر بالكرم العربي حيث يصر  على أن يتحداني في كل مرة ازوره فيها وكأنه حاتم الطائي الألماني! وكوني من الذين يسعون لكشف زملائي العلماء من دول اخرى على جوانب مختلفة لمجتمعي وحضارتي، أدعوه من حين لآخر للمشاركة في أعراس أقاربي، الأمر الذي يرغبه بشده. آخرهم كان حفل زواج أخي محمد منذ فترة وجيزة. واذكر ذات مرة أثناء "زفة العريس" لأحد الأقارب كان قد اختفى لمدة أقلقتني عليه. فأخذت أبحث عنه لأجده جالسًا مع خالتي في الغرفة التي خُصصت لتحضير "الكبة" لِولعه بهذه الأكلة وليحدد حجم حصته دون رقابة.
هو ايضاً يشبهني بعشقه للموسيقى- يعزف البيانو ويرتاد الحفلات الموسيقية المختلفة في برلين. وانا بدوري اُصر على إسماعه الموسيقى العربية الراقية منها. وأجهد احيانا في شرحي له لحالة الطرب عند سماع اغاني معينة مبنية على مقامات شرقيه والتي يدخل بها الربع تون لدغدغة أحاسيس السلطنة. واعتقد اني لم ولن افلح في إيصال هذه الحالة نفسية المنبثقة من عواطفنا وأحاسيسنا الجياشة التي لا يعرفها الا من ترعرع على ام كلثوم، فريد وغيرهم! ولا يسعني إلا أن ألجأ مرةً أخرى لأرزة لبنان "فيروز" والرحباني الذين استعاروا السيموفونية الأربعين لموزارت في أغنية “يا أنا" لأسمعه هذا الصوت الرخيم الذي لا يمكنك إلا أن تحبه رغم الاختلاف. 
ولأن الموسيقى لغة الشعوب، لتكن الموسيقى له والكلمات لي:
يا أنا يا أنا أنا واياك
 صرنا القصص الغريبة
يا أنا يا أنا أنا وإياك ...


هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
نلفت انتباه كتبة المقالات الكرام ، انه ولاسباب مهنية مفهومة فان موقع بانيت لا يسمح لنفسه ان ينشر لكُتاب ، مقالات تظهر في وسائل اعلام محلية ، قبل او بعد النشر في بانيت . هذا على غرار المتبع في صحفنا المحلية . ويستثنى من ذلك أي اتفاق اخر مع الكاتب سلفا بموافقة التحرير.
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان:
panet@panet.co.il .



لمزيد من زاوية مقالات اضغط هنا

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق