اغلاق

مؤتمر القدرات البشرية.. وما بين المؤتمرين! بقلم : د. رفيق حاج

الكثير يتساءل قبيل المؤتمر الثاني للقدرات البشرية "وماذا عن نتائج المؤتمر السابق؟" و"هل نجح المؤتمر بحل أزماتنا؟". التغيير المجتمعي المنشود لن يأتي مباشرة عن


د. رفيق حاج
 

طريق المؤتمرات مهما عظم شأنها وكثُر عدد روادها. مشوار الخلاص من أزماتنا طويل ويتطلب الكثير من التضحية من قبل الجميع  وما المؤتمر الا اعلان عن انطلاقة المسيرة.
في العاشر من أيار القادم سيقام المؤتمر الثاني للقدرات البشرية العربية في مدينة الطيبة والتي بادرت اليه لجنة المتابعة ولفيف من الأكاديميين والناشطين الاجتماعيين العرب، وهو يتلو المؤتمر السابق الذي عقد في ايار سنة 2017. هنالك تفكير جاد بتحويل المؤتمر الى حدث دوري ثابت يُعقد سنويا في مدينة الطيبة. من الأهداف الأساسية التي وضعها حينها المبادرون للمؤتمر هي بث التفاؤل وشحن الوافدين بطاقات ايجابية وحثهم على خدمة شعبهم عن طريق عرض المعطيات والبيانات التي تظهر وجود قفزة نوعية في الكفاءات التعليمية والمهنية لعرب الداخل  في الـ 10 سنوات الأخيرة. كل من درس عن عوامل نجاح العمل الجماعي يدرك بأن هنالك علاقة مثبتة بين امكانية نجاح العمل الجمعي وبين التدريج الاقتصادي الاجتماعي للمجتمع.
من الأهداف التي نصبها المبادرون ايضا هي العمل على تنظيم القدرات البشرية في أطر مهنية وغيرها ولقد انبثقت عن المؤتمر لجان فرعية مهنية تعنى بأمور الحياة المختلفة كالصحة والاقتصاد والهايطك  والمشاكل المجتمعية والارض والمجتمع المدني والتربية والتعليم والثقافة.
الكثير يتساءل  قبيل المؤتمر الثاني "وماذا عن نتائج المؤتمر السابق؟" و"هل نجح المؤتمر بحل أزماتنا وبتحسين احوالنا؟". طبعًا أنا لا اشك ولو للحظة بنوايا من يسأل أو بمحاولته للحطّ من قدر المؤتمر ولكن هنالك سوء فهم لما يمكن ان يتمخّض عنه مؤتمر.. أي مؤتمر في أي مكان وزمان.  وهنالك من يُغالي في التوقعات ويصمم انه لو لم تتواجد انجازات ملموسة على ارض الواقع من المؤتمر الأول فما حاجة لعقد مؤتمر ثانِ وثالث ويعتبر أن كل هذه المؤتمرات مضيعة للوقت..
وهنا اود ان اشير ان اهداف المؤتمر تظل محدودة والمؤتمر ليس اكثر من حلبة تطرح بها القضايا والحلول والرؤى المستقبلية  وتناقش بها ادوات العمل المطلوبة  لتحقيق الأهداف، وهي ساحة لقاء بين اطراف المجتمع المختلفة والتي قلما ما اجتمعت تحت سطح واحد لوجود اعتبارات سياسية وحزازات مهنية وشروخ مذهبية ودينية ويأتي المؤتمر ليضع الجميع تحت خيمة واحدة ورغبة واحدة وهي اخراج هذا المجتمع من ازماته.
وهنا اريد ان اؤكّد ان التغيير المجتمعي المنشود لن يأتي مباشرة عن طريق المؤتمرات  والاجتماعات مهما عظم شأنها وكثُر عدد روادها، كما ان المؤتمر ليس هو الهدف وانما احدى الوسائل لتحقيق التطور والتنمية ومن يرى في المؤتمر اكثر من ذلك فهو يعيش في وهم. يزوّد المؤتمر فرصة للتشبيك وللتنظيم وللتعارف وان كانت الظروف ملائمة وان تواجدت العناصر المطلوبة فسينجح المؤتمرون بإقامة مؤسسات فاعلة او بخوض مشاريع عينية لخدمة المجتمع، وان لم يحصل ذلك بعد المؤتمر الأوّل والثاني والثالث فلا ضير.
ان الالتفاف حول مشاريع جماعية واقامة مؤسسات شاملة ونافذة في مجتمعنا العربي في هذه البلاد  ليس بالأمر السهل لأن منسوب الوعي الجماعي لدى الأفراد ما زال متدنيا، وما زال الفرد يؤثر مصلحته الشخصية على المصلحة العامة. هنالك ايضا نقصان/ضعف/وغياب لبعض القيم المطلوبة لإنجاح العمل الجماعي  لدى قسم كبير من مثقفينا ومتعلمينا كقيمة الانتماء والمسؤولية الجماعية وتقبل الآخر وقيم أخرى.  رغم كل ذلك فقد نجحت بعض المجموعات المهنية من التقدّم والعمل في المجال الذي اخذته على نفسها ومجموعات أخرى تعثّرت في مساعيها والاسباب التي ادّت الى ذلك عديدة ومتنوعة- اولها، لقد صادفت المجموعات المهنية التي انبثقت عن المؤتمر الأوّل مؤسسات مهنية عربية قطرية فاعلة في المجال الذي تنوي خوضه، ففي مجال الصحة هنالك جمعية الجليل وفي الهايطك هنالك مؤسسة "تسوفن" ومجلس الهايتك الأعلى وفي موضوع الأرض هنالك جمعية "التخطيط البديل"، ولم يكن من السهل ايجاد صيغة عمل مشترك معها واثيرت اسئلة لم تجد اجوبة حتى اليوم حول امكانيات ضمها او الانضمام اليها. ثانيا، لم تُرصد ولم تُجنّد اية اموال لعمل المجموعات المهنية  للقيام بنشاطات فعلية على ارض الواقع.
مع كل الاسباب البيئية  المحبطة والتي تقف حجر عثرة امام العمل الجماعي في المجتمع العربي عامة وفي عملية تنظيم المؤتمر خاصة  إلاّ ان هنالك الكثير من الامور التي ينبغي اصلاحها وتقصيرات يوجب علاجها وهذا بعضٌ منها- (1) ينبغي تجنيد اموال اولية للمؤتمر ولعمل المجموعات المهنية لتباشر عملها. التطوع وحده غير قادر على تحقيق التغيير المنشود. (2) يجب العمل اكثر على مضامين المؤتمر والتركيز على عنصر "التنمية" و "التطوير" و "الحلول". ما زال العنصر الاحتجاجي يصبغ اعمالنا ونشاطاتنا واختياراتنا  وهذا يؤثّر سلبيا على دافعيتنا للعمل. (3) بناء مجموعة قيادية ثابتة للمؤتمر تشكّل نواة صلبة تتناقش فيما بينها وتتخذ قرارات بشكل ديمقراطي.  في الوضع الحالي تتغير وتتبدّل طواقم العمل بشكل ملحوظ وهذا لا يخدم مصلحة العمل. (4) ينبغي إجراء استفتاء بين وافدي المؤتمر حول مضامين المؤتمر وسيره ومدى استفادتهم منه وتدوين ومعالجة مقترحاتهم  اجل تحسين عمل المؤتمر.  (5) على كل مجموعة عمل منبثقة عن المؤتمر  بناء خطة استراتيجية لتطوير المجال الذي اخذته على عاتقها والتداول به بكل مؤتمر.
مشوار الخلاص من أزماتنا وتحسين ظروفنا المعيشية طويل ويتطلب الكثير من الجهد والنشاط والتضحية من قبل المهنيين والسياسيين والاعلاميين وما المؤتمر الا اعلان عن انطلاقة المسيرة ومن سار على الدرب وصل.

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
نلفت انتباه كتبة المقالات الكرام ، انه ولاسباب مهنية مفهومة فان موقع بانيت لا يسمح لنفسه ان ينشر لكُتاب ، مقالات تظهر في وسائل اعلام محلية ، قبل او بعد النشر في بانيت . هذا على غرار المتبع في صحفنا المحلية . ويستثنى من ذلك أي اتفاق اخر مع الكاتب سلفا بموافقة التحرير.
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان:
panet@panet.co.il .

لمزيد من مقالات اضغط هنا

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق