اغلاق

الإسراء الى الشام الكبرى - ‘ذكرى الإسراء والمعراج خارج اطار الظرفية‘، بقلم: د.منصور عباس

يرتبط الحديث عن الإسراء والمعراج بأحداث العام العاشر للبعثة النبوية، فيما عرف في السيرة النبوية بعام الحزن، وانغلاق الأفق أمام الدعوة في مكة،


الدكتور منصور عباس

وتعاظم المخاطر والمحن، لدرجة الحصار أو  الاجتثاث أو التهجير ، ثم إعراض أهل الطائف وغيرهم من القبائل والقرى عن قبول الاسلام ونصرة المستضعفين.
وسواء كانت حادثة الاسراء والمعراج في أعقاب أحداث العام العاشر للبعثة أو الخامس أو في غيرهما، ارى أن الاسراء والمعراج حدث كوني يحسن استعراضه خارج اطار الزمن والتاريخ.

معلوم لكل دارس في تاريخ الأديان أن النبوة إنما جعلت في بيت نبي الله ابراهيم عليه السلام، ثم تفرّعت شجرة الأنبياء الى ولَدَيه إسماعيل وإسحاق عليهما السلام. سكن إسماعيل بلاد الحجاز، وسكن إسحاق بلاد الشام. وقد جرت سنة الله ان يبعث في كل قرية رسولا بلسان قومه ليبين لهم، حتى اذا أَذِن الله خَتْم الوحي، أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم للناس كافة بشيرا ونذيرا .
وقد جاء الاسلام -رسالة ورسولا وقرآنا- مُصدِّقا للرسالات السماوية السابقة، ومجددا لها في بعض شرائعها التعبدية والسلوكية. حيث الْتقتِ الرسالات جميعها في أصول الدين كالتوحيد،  ونوع الشعائر التعبدية كالصلاة والصيام والزكاة، وان اختلفت في هيئاتها وشروطها، وكذلك في قواعد الأخلاق والسلوك، وان اختلفت في بعض فروع المعاملات.

رحلة الإسراء من مكة الى بيت المقدس ( القدس) جاءت لتؤكد من جديد، جوهر الدين وأخوة الأنبياء والتقاء الرسالات، بعد تفرعها من لدن إبراهيم عليه السلام، حتى أسرى الله تعالى برسوله محمد صلى الله عليه وسلم الى القدس، لتجتمع النبوة والرسالة من جديد داخل البيت الإبراهيمي، خلف إمام واحد هو الأشبه بأبيه إبراهيم عليه السلام.

قدّم القرآن الكريم اليهودية كدين التوبة والهداية بقوله تعالى على لسان موسى عليه السلام " إنَّا هُدْنا إِلَيك " . وقدّم النصرانية كاشتقاق لقول عيسى عليه السلام للحواريين: " قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ ".
وقدم القران الكريم الاسلام بمفهوم شامل على قاعدة التوحيد، وقبول نبوة الأنبياء جميعا، كما جاء في قوله تعالى: " قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ " .
وقد جعل القران الكريم معيار النجاة في الدنيا والاخرة واحدا في قوله: " إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ". وخاطبهم جميعا بقوله تعالى: "قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ".

قد يقول قائل: ولكنَّ الاسلام جاء ليلغي اليهودية والنصرانية، وياتي الجوابي من الآية الآنفة: ان اجتماع الأديان ليس إلغاء، بل اجتماع كلمة سواء فيها العدل والنَصَفة، فالكل ينادي بها وهي توحيد الله وتنزيهه عن الشرك، ثم على قاعدة المساواة بين الناس"وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ  "، أي لست ربك ولست ربي، لستُ السيد وانت العبد، لست القاهر المتجبر وانت المقهور المنكسر .
ثم ان الاسلام لا يخاطبهم بمعزل عن التوراة والانجيل في قوله : "قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ ۗ " .
وأخيرا نرد بأنه لا يمكن إنكار اعتراف الاسلام بديانتي اليهودية والنصرانية، وباعتبارهم الخاص في الشريعة الاسلامية، أَهْلَ كتاب.
وكذلك ننبه أن قاعدة: "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ " تنسحب عليهم في الأساس. فقد نزلت الآية الكريمة لما أراد بعض المسلمين الجدد، أن يردّوا أبناءهم وإخوانهم عن اليهودية والنصرانية كَرها، فنهاهم القران الكريم، وأمرهم بالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وحثهم على المجادلة بالتي هي أحسن، رغم  الخلافات المتعددة في العقائد وانكار السابق لديانة اللاحق واعتراف اللاحق بالسابق.

إن اسراء النبي محمد الى بيت المقدس، ودخول المسلمين فاتحين من بعده، باتفاق مع أهلها وكهنتها، أنهى قرونا من الاضطهاد والحروب الدينية بين طوائف المسيحية في الشرق، وانهى قرونا اضطهاد اليهود من قبل الرومان وقبلهم الفرس، وفتح أمامهم الباب لممارسة شعائرهم من جديد في مدينة القدس، واشركهم وغيرهم في الانبعاث الحضاري من جديد كجزء من حضارة الاسلام الانسانية العالمية .

ان النموذج الذي قدمه الاسلام لتعايش الأديان في الشرق بأمن وسلام، رغم الخلاف العقدي الديني، ما زال بحاجة لتمحيص وصياغة معاصرة، علَّه يكون باعثا من جديد لدورة من الحياة الكريمة، بأمن وسلام في وقت تُقرع فيه طبول الحرب ، وتتجهز فيه دول العدوان والاستكبار لإيقادها وتغذية القائم منها في شرقنا العربي .
ان رسالة الاسراء التي حملها النبي محمد الى بيت المقدس كانت ملهمة لسلوك أصحابه واتباعه قرونا من الزمان، لا تهدم كنيس أو كنيسة لتبني مسجدا ، ولا تهجِّر أهل ديارٍ ليستعمرها غيرهم، ولا تهدم بيوتا لاصحابها من اجل بناء بيتك على أنقاض بيوتهم، ولا تشرد اطفالهم لينعم اطفالك.

ما احوجنا الْيَوْمَ الى رسالة الاسراء ، ونحن نرى كيف نُكِب شعبنا الفلسطيني خلال سبعين عام من التهجير والتقتيل والعدوان، وما زالت مشاهد النكبة تتكرر بصور شتى، وآخرها فصولها تهجير أم الحيران في نقبنا العزيز. ان تزيين التهجير باتفاق يكره الناس على ترك ديارهم لا يغير من حقيقة الجريمة التي ارتكبت في أم الحيران .
ما احوجنا الى رسالة الإسراء، ونحن نرى نكبة أهلنا في الشام وسوريا تتسارع ، وتترسخ لواقع الظلم والقهر والغطرسة، لشعب لم يطالب الا بحريته وكرامته في وطنه ، وسرعان ما ادرك حقيقة الخذلان والمؤامرات ضد طموحاته وأحلامه ، فنادى: "يا الله يا الله ما إلنا غيرك يا الله" .
ستدور عجلة الأيام، وسينتصر المظلوم المستضعف، ليعيد كتابة التاريخ من جديد، وستمحى صفحات الزور والدجل، بإذن الله تعالى.

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق