اغلاق

ذكريات لا مذكرات، بقلم الشيخ كامل ريان – كفر برا

حتى لو أردت التشاور مع قادة الحركة الإسلامية وكبار مسؤوليها حول المستقبل وما يمكن عمله في هذا الصدد بعد فصلي من التدريس في النقب بسبب انتمائي للحركة


الشيخ كامل ريان 

الإسلامية التي اعتقلت إسرائيل نحو سبعين من قيادتها وكوادرها بما فيهم رئيس الحركة الشيخ عبدالله نمر درويش، لم يكن امامي كثير من العناوين التي يمكن أن ألجأ اليها، فكل القادة التي عشت معهم وعاشوا معي، وقضينا معا فترة طويلة، وأمضينا معا اجمل الاوقات، حتى أصبحوا بالنسبة لي المرجعية الروحية والفكرية، كانوا جميعا في السجون في تلك الفترة.. كان هناك الكثيرون ممن حاولوا مساعدتي للعودة الى سلك التعليم.. كلهم جاءوا الى بيتي وعرضوا المساعدة ابتداء من رئيس المجلس المحلي في بلدي كفر برا، مرروا بعدد من وجهاء القرية وليس انتهاء بالأقارب طبعا.. اعتبروني مظلوما لا أستحق ما أصابني من ضيم، وما لحق بي من غُبن..
أخبرني خالي الذي شغل في تلك الفترة منصب نائب رئيس المجلس المحلي في كفر برا، برغبة رئيس المجلس بمساعدتي، مؤكدا على ان له ارتباطات مع "الجهات العليا" ذات التأثير في وزارة المعارف. كنت واعيا لحاجة رئيس المجلس لخالي سياسيا، فقد كان مدينا له ولأمي بسبب دعم عائلتي له في الانتخابات الرئاسية بالرغم من انتمائه لحمولة (العاصي) المنافسة لحمولتي وحمولة اهلي (ريّان)، والتي شكلت الثانية من حيث حجمها السياسي في القرية.
عقدت اجتماعا مع رئيس المجلس المحلي، وقصصت عليه قصتي بالتفصيل.. أصغى إليَّ جيدا، وفي نهاية حديثي، قال لي: "أريد ان اجمعك مع شخصية نافذة ومقربة من وزارة المعارف".. وافقت دون تردد، وفعلا تم اللقاء في مقهى "هشارون" في مدينة فيتح تكفا "ملبس" العربية سابقا. كانت نية الرئيس حسنة، لم أشك للحظة في انه أراد مساعدتي فعلا، وَرَدِّ بعض الجميل لأسرتي التي دعمته سياسيا.. لم تكن عنده نية أبدا ان يدفعني لفعل شيء مخالف لضميري ومبادئي وقيمي واخلاقي الدينية والوطنية..
وصلت الى اللقاء.. رأيت أمامي رجلا قصير القامة، يلبس نظارات ثقيلة وسميكة.. لم يكن صاحب سحنة شرقية. على العكس تماما، فقد كانت عيناه زرقاوان.. جلسنا وبدانا الحديث.. قدم نفسه: "اسمي دودو".. تحدثنا نحوا من ساعتين.. استعرضت امامه تسلسل الاحداث التي وقعت معي بالكامل.. فجأة قال لي: " انت إنسان ساذج يا كامل.. فعلا انت إنسان بسيط وعلى نياتك. من تعتقد انه تسبب في كل هذه الفوضى، وكان من وراء هذه القصة التي تسببت في فصلك (يعني أسرة الجهاد طبعا)؟ إنه الشيخ عبدالله نمر درويش.. إنه المسؤول عن كل هذه القضية!".. 
نظرت اليه في دهشة.. لم أصدق ما سمعت أذناي! فهمت عندها أنني أجلس أمام رجل من رجال الأمن، ربما عميل من عملاء جهاز الأمن العام (الشاباك).. رغم ما لمسه من انزعاجي وعدم شعوري بالراحة، أستأنف حديثه متجاهلا ململتي، قائلا: " انا معني بإعادتك إلى وظيفتك في سلك التعليم، كما انني معني أيضا بترقيتك. لكن عندي شرط! يجب ان تقطع علاقتك بالشيخ عبدالله نمر درويش تماما، وتترك الحركة الإسلامية وطريقها. اعمل معنا، زودنا بمعلومات!"..
استفقت من دهشتي، ولملمت شعث نفسي، ورددت عليه: " لو كنت أريد السير في هذا الطريق، لكنت طبيبا منذ فترة طويلة. انا رجل قانون، ولن أسمح لنفسي بتجاوز القانون، لكنني أرفض بشكل قاطع ان أكون في خدمة الشاباك.. لن أكون عميلا لكم أبدا"..
ما ان أنهيت كلماتي التي خرجت كالرصاص مندفعة من حنجرة لا تكاد تحمل كَمَّ الغضب التي اعتمل في قلبي وفاضت به نفسي، إلا وانقلبت الأجواء رأسا على عقب.. بدأ "دودو" يتحدث بنبرة حادة على غير ما كان عليه في المرحلة الأولى من اللقاء.. بدأ مضغوطا ومتوترا إلى حد كبير، مستأنفا الحديث بغضب شديد عن الشيخ عبدالله نمر درويش - رحمه الله: "هذا الرجل ها هو مرمي في السجن ك – (ال - ....)! هل تريد أن تكون مثله، وأن تزج في السجن معه؟!".. اجبته بنبرة عالية فرضها عليَّ الواجب الديني والاخلاقي في تلك اللحظة التي اختزلت الصراع كله كما تصورت، فقلت: "ليس من اللائق بك ان تتحدث عن شيخنا بهذه اللهجة!".. ازداد غضب الرجل، وتحول الحديث بيننا إلى أشبه ما يكون بمعركة سلاحها الكلمات.. هَبَّتْ عاصفة هوجاء من الغضب، وانفلتت الأعصاب حتى كاد الواحد منا يثب على الآخر، وتلبدت أجواء اللقاء بغيوم سوداء تنذر بشر مستطير.. توقف فجأة ليقول لي: " انت أحمق. ستُلقى في السجن مثله.".. أنتقل بهذه الكلمات إلى مرحلة التهديد بعدما فشل في تكتيك الاحتواء، مُلَوِّحاً باحتمال أن أصل السجن تماما كالشيخ عبدالله نمر درويش!"..  
اختتم "دودو" اللقاء بالتهديد مرة أخرى قائلا: " لن أتركك.. سألاحقك! لن ادعك تقر.. ستعود إلي مرة أخرى، سترى!"..  قلت له: "اطمئن، لن أعود إليك أبدا.. لا أريد وظائفكم.. انتهى الأمر بالنسبة لي.. أصبحت الوظيفة المغمسة بالعار من ورائي.".. بكلماتي الحاسمة انتهى اللقاء على غير ما خطط او أراد "دودو".. خرجتُ من اللقاء بشعور صعب جدا، وَعُدْتُ أدراجي مباشرة إلى بلدي.. بالطبع لم أوجه أي اتهام لرئيس المجلس الذي رتب للقاء، ليقيني أنه لم يكن يعلم ان من سألتقي به كان رجل مخابرات، وإنْ عرف، فأنا متأكد أنه لم يكن يعلم بنوايا "دودو" وبخططه، ولو عرف لما اقترح أصلا أن يكون مثل هذا اللقاء، ولبَحَثَ عن بدائل أخرى.. 

"لم يكن وضعي ووضع زوجتي فاطمة مريحا أبدا في تلك الأيام"
لم يكن وضعي ووضع زوجتي فاطمة مريحا أبدا في تلك الأيام.. السكن مع الأهل في بيت واحد، المصاريف التي كان لا بد من تأمينها، بالرغم من ان والدي واخوتي لم يقصروا في مد يد العون في تلك المرحلة الصعبة، والمنعطف الحساس في حياتنا الاجتماعية التي فاجأتنا دون إنذار مسبق.. كانت زلزالا خلط أوراقنا تماما، وبعثر خططنا، وشتت أحلامنا، في وقت لم نكن مستعدين له، ولا مهيئين للتعامل مع نتائجه.. بدأت بالبحث عن عمل مناسب.. تقدمت بطلب للعمل كمدير حسابات في شركة كبيرة في مدينة فيتح تكفا.. كان جوابهم سلبيا: "متأسفون، لا مكان لك عندنا!".. شعرت أن أحدا يضع العراقيل في طريقي، فكلما توجهت بطلب للعمل في مكان، كان الجواب السلبي يصل سريعا، مما أثار عندي شكوكا، إلا أنني قررت تحدي الظروف.. ببساطة قررت الانتصار على كل المعوقات مهما كانت الجهات التي تقف خلفها، ومهما كانت قوتها!..
شعرت بأنني ملاحق.. حاولت العمل في مجال "الخياطة"، أن احضر القماش إلى القرية وخياطته فيها، ثم بيعه.. لم تنجح المهمة! بحثت عن عمل مناسب في المجلس المحلي، إلا أن خيبة الأمل كان من نصيبي أيضا! شعرت ان الأبواب مغلقة أمامي ليس فقط في المجتمع اليهودي، ولكن في المجتمع العربي أيضا، وحتى في بلدي أنا! أحسست بأن مجتمعي العربي يتخوف من الاقتراب مني او التعامل معي، او قبولي في أي عمل من أي نوع.. كان شعورا صعبا جدا.. صحيح ان الجميع جاءوا مشجعين ومتضامنين، إلا أنني كنت أرى الخوف في عيونهم.. لم يريدوا ان تتضرر مصالحهم بسبب العلاقة معي.. كانت سطوة الجهات الأمنية والمخابراتية ما زالت تفعل فعلها، حتى أن الكثيرين كانوا يحسبون لها ألف حساب..  
كذلك لم تنجح زوجتي فاطمة في إيجاد عمل مناسب.. كانت تقضي اوقاتها في البيت في قراءة الكتب. بعد مدة قصيرة بدأت تنشط في حقل الدعوة الإسلامية.. استضافت داعيات من الضفة الغربية لإلقاء محاضرات لقطاع النساء في التربية والثقافة الإسلامية.. بعدما وصلت إلى قناعة بأن الحصول على عمل في المرحلة القريبة يبدو صعبا، قررت الانخراط بقوة في مجال الدعوة الإسلامية أيضا كما فعلت زوجتي.. قلت في نفسي: "هذا ما أردتم أن يكون، فليكن إذا..".. كانت انطلاقة جديدة في حياتي وضعتني على طريق متجدد، جعلتُ فيه الدعوة الإسلامية الغاية والمُنى.. أصبحت هي الأصل، وغيرها فرع...
قبل سنتين من قرار فصلي من سلك التعليم، تسلمت كتاب التعيين من وزارة المعارف كمعلم في منطقة النقب الجنوبي البعيد.. لم أكن سعيدا حينها بهذا التعيين. ككل مرحلة جديدة في حياة الانسان، راودتني هواجس ومخاوف كان لا بد لي من مداهمتها وتنحيتها من طريقي الذي انطلقت اليه بكل حماسة. سكنت في شقة في شارع (حبيبا رايخ 23) في مدينة بئر السبع عاصمة الجنوب، قريبا من الجامعة.
سكن قريبا مني وفي نفس الشارع مجموعة من المعلمين العرب الذين وصلوا الى المنطقة من منطقة الجليل. كان السيد عرسان عيادات أحد اولئك المعلمين الذين أصبح فيما بعد كبير المفتشين في وزارة المعارف في منطقة المثلث العربي الشمالي. كان (عرسان) متزوجا، ولذلك ارتبطت اسرتانا الشّابّتان بعلاقات طيبة خففت كثيرا من وحشة الغربة وثقل الوحدة في صحراء النقب خصوصا بالنسبة لنسائنا.
الحقيقية انني عندما وصلت الى النقب مع زوجتي أدخلت جوا جديدا.. لم نأت لهذه المنطقة نتيجة إحباط شخصي او خيبة أمل من شيء.. لم نتعامل مع قرار تعييننا هذا كما لو كان قرارا بإرسالنا إلى المنفى الصحراوي، وإنما كقرار كان علينا ان نحوله إلى رافعة للقيام بدور رسالي قومي ووطني من الدرجة الأولى.
كان لا بد من مناقشة هذا الموضوع مع معلمين آخرين املا في تحقيق إنجاز في هذه المنطقة التي عاشت منقطعة عن منطقة المثلث والجليل لفترة طويلة بسبب السياسة الإسرائيلية التي أعدت للعرب الفلسطينيين في النقب خططا خبيثة، تراكمت بسببها أزمات عميقة. نجحنا بشكل كبير في تغيير المزاج العام لدى الكثير من المعلمين الذين تعرفنا عليهم.. احسسنا ان على اكتافنا ملقاة مسؤولية دينية ووطنية من الدرجة الأولى زيادة على دورنا كمعلمين. قررنا ألا نكون معلمين عاديين تقتصر حياتهم على التدريس فقط ثم الانزواء في البيت وفقط..
أقمنا شبكة علاقات قوية مع سكان النقب المحليين المحيطين بمدينة بئر السبع. لم تكن بينا بين وبين سكان المدينة اليهود أية علاقات من أي نوع، بما في ذلك سكان العمارة التي كنا نسكن فيها. كانت العلاقة فقط مع العرب. كان لي اتصال مباشر أيضا مع فرع القسم العربي في وزارة المعارف في المدينة الجنوبية.
سارت الحياة بنا تماما كما خططنا لها.. كَرَّسْنا كل اوقاتنا لخدمة مشروعنا الوطني الكبير والطموح.. كنت انا وزوجتي نقضي سحابة نهارينا في التدريس في المدارس التي تَعَيَّنَّا فيها.. لم نعمل في نفس المدرسة، وإنما في مدرستين مختلفتين وبعيدتين عن بعضهما. الحقتني الوزارة بمدرسة (أبو قرينات) التي ادارها في حينه السيد أحمد العمور من قرية كسيفة، بينما أُلْحِقَتْ فاطمة بمدرسة (الأعسم) التي أدارها في ذلك الوقت السيد موسى أبو عجاج. إلا أننا شغلنا أوقات ما بعد الدوام في الدعوة إلى الله في ربوع المنطقة حولنا..   يتبع ....


لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق