اغلاق

مقال : قانون القوميّة شكرًا لكَ! ربّ ضارّة نافعة!

تعتبر اللّغة العربيّة من أبرز مركّبات الهويّة الجماعيّة للأقليّة العربيّة في إسرائيل ، فللّغة ، أيٍّ كانت ، دوران : الأوّل وظيفيّ - أدائيّ باعتبارها أداة تواصل ،


د. آثار حاج يحيى


والثّاني رمزيّ وعاطفيّ باعتبارها جوهر الهويّة القوميّة ، الدّينيّة والثّقافيّة : فلغتنا العربيّة لغة القرآن {إنّ أنزلناه قرآنًا عربيًّا لعلّكم تعقلون} (الشّورى، 7)، وهي اللّغة الموّحدة للشّعوب العربيّة، وقد أشار الشّاعر حافظ إبراهيم إلى أهميّتها ودورها في النّهضة القوميّة في قصيدة "سورية ومصر" قائلا : "أمُّ اللّغاتِ غادةَ الفجرِ أمُّهُما وإن سأَلْتَ عنِ الآباءِ فالعربُ"، وهو يقصد بذلك الشّعبين السّوريّ والمصريّ، موطن النّهضة القوميّة العربيّة .
أضف إلى ذلك دورها في تعزيز الرّواية التّاريخيّة للأقليّة العربيّة في البلاد. واللّغة مرآة تقدّم الأمّة وازهارها، وربّما هذا ما يفسّر تراجع مكانة اللّغة العربيّة في وقتنا الرّاهن، بعد أن وصلت إلى قمّة ازدهارها في العصور القديمة، خاصّةً في العصر العبّاسيّ.

" تحديات كثيرة "
إنّ اللّغة العربيّة بشكل عام، وفي إسرائيل بشكل خاصّ، تواجه تحدّيات كثيرة، أبرزها ظاهرة " العبرنة " ، أي سيطرة اللّغة العبريّة في الحيّز العامّ وفي المؤسّسات الحكوميّة ، وحتّى في لغة التّخاطب اليوميّ للعرب مع بعضهم البعض، حتّى بات شائعًا استخدام مزيج مركّب من العربيّة والعبريّة، والّذي يطلق عليه البعض اسم "اللّغة العربريّة"، وهو مصطلح شبيه بـ "الّلغة العرنسيّة"، والّذي يشير إلى ظاهرة مماثلة لتأثّر اللّغة العربيّة بالدّخيل الفرنسيّ في دول المغرب العربيّ. فظاهرة هيمنة لغة الأكثريّة على لغة الأقليّة هي ظاهرة قديمة، إذ يُترجَم النّفوذ السّياسيّ والاقتصاديّ إلى نفوذ وسيطرة لغويّة؛ وممّا يساعد على ذلك جهل الأقلّيّات بضرورة التّمسّك بثقافتهم وحضارتهم ولغتهم .

" تهميش اللغة العربية "
ومن بين المحاولات لطمس العربيّة وتهميشها في إسرائيل " قانون القوميّة " ، والّذي ينصّ على أنّ " دولة إسرائيل هي البيت القوميّ للشّعب اليهوديّ " ، وأنّ " حقّ تقرير المصير في دولة إسرائيل يقتصر على الشّعب اليهوديّ " ، وأنّ "لغة الدّولة هي اللّغة العبريّة".
ويمسّ هذا القانون باللّغة العربيّة ويغيّر مكانتها من لغة رسميّة، وفقًا لقرار عصبة الأمم في فترة الانتداب البريطانيّ، إلى "لغة لها مكانة خاصّة" مع ضمان حقّ النّاطقين بها بالحصول على خدمات الدّولة بلغتهم. ويمكننا اعتبار "قانون القوميّة" حلقة مكمّلة لسلسلة من القوانين السّابقة الّتي سنّتها الحكومة الإسرائيليّة لهدف إعلاء مكانة العبريّة وتضييق الخناق على اللّغة العربيّة.
وتجدر بي الإشارة إلى أنّ الاعتراف السّابق باللّغة العربيّة كلغة رسميّة في إسرائيل لم يضمن المحافظة عليها من الانقراض ومواجهة الدّخيل العبريّ ، وذلك لأنّ الاعتراف بالعربيّة كلغة رسميّة بقي في الحيّز العلنيّ الرّسميّ ولم يُترجَم إلى محاولات لحفظ مكانة العربيّة بشكل فعليّ على أرض الواقع، والآن جاء قانون "القوميّة" ليسلب حتّى رسميّة اللّغة العربيّة في إسرائيل، ضاربًا عرض الحائط كلّ قيم التّعددّيّة والشّراكة والتّعايش والمساواة والدّيموقراطيّة... والّتي تتغنّى بها دولة إسرائيل.  
من هنا تبرز أهميّة الحفاظ على اللّغة العربيّة وتعزيز انتمائنا إليها والعمل جاهدين على تحسين مكانتها ونشر الوعي الكافي بضرورة التّمسّك بها من خلال تكثيف حضورها في الحيّزين العامّ والخاصّ على السّواء، والحفاظ على نقائها من الدّخيل العبريّ، والكفّ عن النّظر إليها نظرة دونيّة مجحفة ناتجة عن التّرهّل الفكريّ والأيديولوجيّ؛ فحفاظنا على اللّغة العربيّة ما هو إلّا حفاظ على ذاتنا وكياننا وعلى حضارتنا وإرثنا الّذي تسعى المؤسّسات الإسرائيليّة إلى طمسه وتغييبه وتهميشه بشتّى الطّرائق والوسائل.

" نقطة تحوّل "
وبإمكاننا الانطلاق من قانون "القوميّة" العنصريّ واستغلاله كنقطة تحوّل نحو تعزيز مكانة العربيّة، ومحفّز لإعادة مجد العربيّة وحضورها. فالمؤسّسة الإسرائيليّة ترفض انخراطنا بهذه الدّولة كمواطنين متساوين مع الأكثريّة اليهوديّة، وهي بذلك تدفعنا، مشكورةً، نحو التّمسّك بإرثنا وثقافتنا ولغتنا وكياننا، والإفادة من تجارب الشّعوب الأخرى الّتي استطاعت الحفاظ على لغتها رغم ما واجهته من تحدّيات، ومن بين هذه التّجارب أذكر تجربة الشّعب اليهوديّ الّذي أعاد العبريّة إلى جميع مجالات الحياة، من ضمنها المجال الأكاديميّ، بعد أن تجمّدت العبريّة لمئات السّنين. كذلك تجربة الثّورة الإيرانيّة الّتي أعادت اللّغة العربيّة والإيرانيّة إلى الحيّز العامّ بعد سيطرة اللّغة الفرنسيّة والإنجليزيّة لسنوات عديدة. 
على الأقليّة العربيّة في البلاد استغلال هذا الحدث لصالحها من خلال استثمار جميع الطّاقات وتكاتف جميع الجهات والأفراد لقيادة التّغيير المنشود والّذي يعيد للغتنا العربيّة مكانتها الخاصّة الّتي تستحقها بعد عقود من الظّلم والتّهميش والإجحاف، ابتداءً من تهميشها في فترة حكم الأتراك، ثمّ الانتداب البريطانيّ ثمّ دولة إسرائيل. ويجب أن يبدأ هذا التّغيير من الأسفل إلى الأعلى، أي من الأفراد إلى المؤسّسات، ومن الحيّز الجماهيريّ إلى النّخبويّ، لنبدأ من أنفسنا ومن الأسرة، ثمّ من المؤسّسة المدرسيّة والأكاديميّة، باعتبارها مسؤولة عن بثّ التّربية والقيم، ثمّ من مؤسّسات المجلس المحلّيّ... فإذا ما تكاتفت جهودنا ووضُحَت أهدافنا نستطيع القيام بهذا التّغيير المنشود، وإلّا رفعنا راية الاستسلام المذلّ والرّضوخ والخنوع للسّياسات العنصريّة.
ولا يعني طرحنا هذا الاقتصار على دراسة العربيّة وحدها، وإهمال دراسة باقي اللّغات، على العكس، فإنّ دراسة العبريّة والإنجليزيّة والتّمكّن منهما مطلب هامّ وضروريّ، إلّا أنّ اتقان اللّغات الأخرى يجب ألّا يكون على حساب إتقان لغة الأمّ، خاصّة وأنّ هنالك العديد من الدّراسات الّتي تشير إلى أنّ إتقان لغة الأمّ يؤثّر على إتقان اللّغات الأخرى، أضف إلى ذلك أنّ تمكّن الطّالب من لغته الأمّ يؤثّر إيجابًا على تمكّنه من باقي المواضيع العلميّة والأدبيّة على السّواء.            
 
هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
نلفت انتباه كتبة المقالات الكرام ، انه ولاسباب مهنية مفهومة فان موقع بانيت لا يسمح لنفسه ان ينشر لكُتاب ، مقالات تظهر في وسائل اعلام محلية ، قبل او بعد النشر في بانيت . هذا على غرار المتبع في صحفنا المحلية . ويستثنى من ذلك أي اتفاق اخر مع الكاتب سلفا بموافقة التحرير.
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان:
panet@panet.co.il .



لمزيد من زاوية مقالات اضغط هنا

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق