اغلاق

خطابنا وسلوكنا بين اليهودية، الصهيونية، الإسرائيلية والديموقراطية:قراءة أولية لقانون القومية

بعد نقاش طويل بين القوائم الصهيونية الممثلة في الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) صودق على قانون القومية يوم 19 تموز 2018، بعد أن وُضِع على جدول أعمال الكنيست


بروفيسور راسم خمايسي

لنقاشه بشكل منظم منذ تاريخ 29 تموز 2015. خلال هذه النقاشات وضعت صياغات شكلية متعددة لاقتراحات القانون، ولكنها لا تختلف من حيث الماهية التي تسعي إلى الربط بين المكان\ الأرض، الدين، القومية، الوطنية، الدولة والمواطنة وقصر امتلاكها القيمي والجيوسياسي على اليهود، ونفي حق غير اليهود حتى بالمشاركة أو التشارك بالدولة والمواطنة.
هذا النفي والإقصاء الواعي لقادة اليمين الصهيوني، الذي يسيطر على الحكم في دولة إسرائيل، لكل من هو غير يهودي في وطننا الذي يعرف بفلسطين أو ارض إسرائيل حسب الرواية الصهيونية، لم يُولَد البارحة أو مع إقرار القانون، بل موجود في الأدبيات الصهيونية منذ تشكيلها وسعيها لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وترجمت لخطوات عملية منذ وعد بلفور 1917 ولاحقا عملية الهجرة اليهودية إليها والتهجير العربي الفلسطيني منها، وكانت ذروته عام 1948 حيث حصلت النكبة وتم تطهير حيزي وحضري لمدن وقري فلسطينية تجاوز عددها الخمسمائه، ولاحقا تم استبدالها وإحلال مدن وقري يهودية صهيونية محلها او بجانبها.

وثيقة الاستقلال وقانون القومية والواقع..
صيغت وثيقة استقلال دولة إسرائيل التي تشكل أساس لقانون القومية، ولكنها لم تنف كليا وجود غير يهود في الدولة اليهودية الجديدة التي أطلق عليها اسم إسرائيل، بل أشارت إلى التعامل مع غير اليهودي بمنع التميز ومنحه بعض الحقوق المدنية الفردية. رغم هذه الإشارات الشكلية التي كانت مُتأثرة من السياق في تلك الفترة، إلا أن الممارسة العملية للحكومات الإسرائيلية وأذرع الصهيونية المتعددة مارست التمييز المُمَنهج ضد العرب الفلسطينيين الذين بقوا في الوطن وأصبحوا رسميا مواطني الدولة، وخضعوا لحالة مواطنة عملية مشروطة وجزئية.
ان ما جاء به القانون الجديد "قانون القومية" هو شرعنة وقوننة التمييز ونفي حق المواطنة المتساوية في ظل نظام ديمقراطي على أساس الانتماء الديني، مستغلا حالة خاصة يسعون اليهود التَمَيُيز بها عن سائر الشعوب والدول بالربط بين الدين/اليهودية؛ القومية/الصهيونية؛ والمواطنة/الاسرائيلية؛ والأرض-المكان/ ارض إسرائيل-فلسطين. هذا التَمَيُز والخصوصية يعود أصلها إلى الرواية والمعتقدات اليهودية الدينية بأنهم هم شعب الله المختار وانهم موعودون بأرض الميعاد. بالاعتماد على هذين المعتقدين المتعلقين بالإنسان اليهودي والمكان فلسطين، قامت الحركة الصهيونية باستئناف ترجمة المعتقد والانتماء الديني إلى حركة انبعاث قومي تسعى إلى انجاز حق تقرير مصيرها في دولة قومية، كما حدث لمجموعات اثنية/قومية/ ثقافية أعادت تشكيل نفسها فيما عرف لاحقا بالدولة الوطنية القومية التي حددت حدودها الجيوسياسية.
تَمَّيز استئناف تشكيل الحركة الصهيونية هو السعي لتطبيق مشروع الدولة على أسس الحداثة والعلمنة الغربية مستخدمة الموروث الديني كإطار قيميي أخلاقي دافع لاختيار المكان الذي تقام به الدولة، ومستثمرة للدعم والاستحسان الذي لاقته من المجتمعات والدول الغربية التي تؤمن بالمسيحية كإطار جامع، رغم تعدد الطوائف والمواقف. خاصة وان المسيحية لا تلغي اليهودية كدين بل تتكامل معه من حيث الجوهر وتتفرع عنه من حيث الشرائع، السلوكيات والمعتقدات. في كلا الحالتين أُستُغِل الدين كمرجع لممارسة استعمارية. لقد سكن اليهود في فلسطين قبل قيام إسرائيل، وكانوا جزء من النسيج المجتمعي والثقافة المحلية، ومارسوا عقائدهم الدينية ليس فقط في البلدان العربية والإسلامية  كما هو الأمر في الدول الأوروبية ولاحقا في أمريكا، كطائفة دينية اثنية. رغم انتماء اليهود الديني، الاثني، اللغوي والثقافي إلا أنهم كانوا جزء من المجتمع والدولة التي عاشوا بها وعاصروها، كما هو شأنهم حاليا في دول كثيرة. وحاليا اقل من حوالي 45% ممن ينتمون للديانة اليهودية هاجروا أو يسكنون في فلسطين الانتدابية، رغم سياسات وعمليات دعم الهجرة اليهودية إلى بلادنا.
حاليا فان أكثر من 50% من سكان فلسطين الانتدابية هم عرب فلسطينيون (مسلمون، مسيحيون ودروز) منهم 18% هم مواطنون في دولة إسرائيل، هذا العدد يزداد رغم سياسات التهجير، الحصار والتمييز التي تمارسها دولة إسرائيل مستخدمة قوة الدولة ودعم العالم الغربي لها، مُتَذَرِعة برواية الضحية على خلفية محنة "المسالة اليهودية" التي نشأت في أوروبا، بالإضافة إلى التميز العرقي والديني التي عانى منه اليهود، وندفع ثمنها نحن العرب الفلسطينيون بعد أن صدرت المسالة إلينا. كما أن رصد، تتبع ودراسة مواقف وسلوكيات المجتمعات اليهودية، نجد أن بينها هناك تنوع ومدارس متعددة ومختلفة؛ منهم من يؤكد على الانتماء الديني الثقافي، آخرون يركزون على الجانب الصهيوني ومجموعة ثالثة تركز على جانب الإسرائيلية. داخل هذه المجموعات توجد مدارس ومواقف بعضها يُغَّلِب الجانب الديني، آخر يغلب الجانب القومي وثالث يغلب الجانب المدني الديمقراطي. هذا التنوع ظهر في مواقف الأحزاب اليهودية الدينية والقومية الصهيونية تجاه صياغة مضامين قانون القومية ونتائج التصويت عليه حيث صوت 43 عضو كنيست يهودي صهيوني ضد القانون. وان استغلال توفر أغلبية قومية يهودية يمينة صهيونية/قومية ودينية في المشهد السياسي هو الدافع وراء اقتراح وإقرار قانون القومية، وما سبقه من سن قوانين مُميزة ضد العرب مواطني الدولة من جهة، ومن جهة ثانية إعاقة أو منع إجراء تسوية جيوسياسية مع الفلسطينيين على أساس الشرعية الدولية وتطبيق حل الدولتين.

بعض إشكاليات القانون..

إن اللغة والمفاهيم التي تضمنها القانون دمجت بين الديني، القومي والوطني في مكان لم تحدد حدوده، وحصرها على اليهود متجاهلا ونافيا رواية وحضور عربي فلسطيني يزيد عن عدد اليهود في نفس الحيز الجيوسياسي الذي يشير إليه القانون، ومتجاوزا لمواثيق وقرارات دولية وأممية متفق عليها، وضاربا عرض الحائط لاتفاقات تسوية بين دولة إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية. إقرار القانون يعيد اليهود الصهيونيين من حيث الوعي لدى الأحزاب الصهيونية اليمينية إلى فترة ما قبل قيام الدولة وصياغة "الدولة المتخيلة"، من خلال قَوننة وشرعنة الحال القائم للموارد الرمزية المعمول بها، متجاوزة ومعتدية على حقوق واستحقاقات المواطنين غير اليهود بها، ومعتدية على اتفاقات مرحلية وقعتها إسرائيل مع منظمة التحرير الفلسطينية برعاية دولية من اجل خلق تسوية جيوسياسية بين الفلسطينيين والإسرائيليين اليهود، وجاء وقت استحقاق إنجازها، ولكن القانون يسعى لنسفها من طرف واحد بالإعلان عن القدس الكاملة والموحدة عاصمة إسرائيل وعن حق تقرير المصير الحصري للشعب اليهودي في فلسطين (ارض إسرائيل حسب صياغة القانون)، كما جاء في المبادئ دامجا بين الانتماء الديني، الموروث اليهودي واستقلال دولة إسرائيل.
إقرار القانون يسعى لنسف الرواية والواقع الجيوسياسي والموروث العربي الفلسطيني الحاضر في هذه البلاد قبل قدوم الحركة الصهيونية، ويتشابك في صراع دامي معه منذ قرن من الزمان، بالرغم من قبول الفلسطينيين بتسوية الصراع بعد إقرار المجلس الوطني الفلسطيني عام 1988 لحل الدولتين والتشارك مع اليهود الإسرائيليون في الوطن من خلال تقسيمه وتحقيق حق تقرير المصير للفلسطينيين وإقامة الدولة الفلسطينية على مالا يزيد عن 22% من مساحة فلسطين، إلا أن القانون يرد هذا الاستعداد ويعيد حالة الصراع إلى مرحلة ما قبل الحوار الفلسطيني الإسرائيلي برعاية دولية لإيجاد تسوية سياسية لشعبين حاليا يعيشان متشابكين في نفس الوطن، وبوضع ومكانة غير متناظرين من حيث القوة وامتلاك الموارد المادية. 
وضع القانون إشكالية صياغة ورسم الحدود من خلال محوها رسميا بين اليهودية، الصهيونية والإسرائيلية بالمقابل رسم حدود واضحة بين اليهودي (الديني)، الصهيوني (القومي)، والإسرائيلي (المواطن والمقصود هو اليهودي)، حيث لم يجتهد القانون في تعريف الإسرائيلي وأبقاه في حالة ضبابية. رسم وصياغة الحدود تتمثل في إنكار المساواة المستحقة عاموديا بنيويا ووظائفيا بين مجمل المواطنين، لتشكل أساس تأمين حقوقهم المُعَرَّفَة حسب قانون الجنسية (منح المواطنة رسميا) (كأفراد أو جمع اثني طائفي)، مما يخفض سقف المواطنة المشروطة والمنقوصة عمليا لغير اليهودي؛  وأفقيا حيزيا لتشكل أساسا لمنح اليهود أفضلية في الاستيطان اليهودي بصفته " قيمة قومية، وتعمل –الدولة- لأجل تشجيعه ودعم إقامته وتثبيته"، مما يهدد حقوق الملكيات العربية الخاصة، وحدود البلديات الإدارية غير اليهودية، وحدود الدولة الخارجية بما في ذلك مع الدولة الفلسطينية المنشودة، من خلال ضم أراضي؛ بما في ذلك في المنطقة المسماة ج، وإقامة مستوطنات يهودية بها او شرعنة ما هو قائم؛ تشكل قيمة قومية. هكذا يُؤسس القانون لحالة فصل عنصري عرقي عامودي وظائفي وافقي حيزي به تفضيل ممنهج لليهودي الصهيوني.
حتى بعد القانون مازالت الضبابية في تعريف وتحديد الحدود بين اليهودي، الصهيوني والإسرائيلي غير واضحة ومعلقة كما جاء في البند 5 من القانون تحت عنوان "لم الشتات والعودة" حيث قيل: " تكون الدولة مفتوحة أمام قدوم اليهود ولمّ الشتات، وحق العودة لأرض إسرائيل مكفول لكل يهودي يعيش في الشتات". كما أن البند 6 إشارة إلى تجاوز مسؤولية الدولة من حفظ مواطنيها الإسرائيليين وحمايتهم  بنسج علاقة وصاية وحماية على اليهود والصهاينة الذين يعيشون خارجها. حسب هذا القانون يحق لكل من يُعَّرف نفسه أو ينتمي إلى الشعب اليهودي أن "يعود" إلى البلاد، حتى ولو انه لم يكن هو أو أجداده البيولوجيين قد سكنوا فلسطين، ولكن يمنح هذا الحق باسم رواية الإرث التاريخي المصاغ. بينما يحرم المواطن العربي الفلسطيني الذي هُجِّر من بيته قبل حوالي سبعين عاما، بما في ذلك مهجري الداخل الذي مُنحو مكانة المواطنة الإسرائيلية، ولكن سُلبت بيوتهم وأرضهم وما زالوا يرونها بأم عينهم ويمرون بجانبها ولكنهم يحرمون من استخدامها.
كيف يمكن تقديس حق عودة لليهود بادعاء مبني على رواية وأسطورة وموروث، بينما ينكر تقديس حق العودة للفلسطينيين، ويحرم عودة من بينهم الذي ما زال يمتلك مفتاح بيته ولدية وثيقة إثبات ملكية شخصية وأملاكه صودرت منه أو من والدية أو من جده البيولوجي، وليس فقط شعبه الذي ينتمي اليه وجدانيا، ثقافيا وحضاريا، ولكنه خسر المعركة عام 1948 ونُكِبَ وَهُجِر من وطنه. إن القانون الذي يركز على التفضيل العرقي ويحاول تطبيق مبدأ وعقيدة الاختصاص اليهودي، يطرح مشكلة أخلاقية إنسانية تقع مسؤولية وضع قواعد على اليهود والصهاينة للخروج منها ليكونوا متساوين مع باقي البشر مع حفظ حقهم الديني، الاثني والثقافي الفردي والجمعي ولكن ليس على حساب، بل مع العرب الفلسطينيين في حالنا.     

ورطة الصهيونية..
لا شك أن القانون يُدخل المجتمع اليهودي، الصهيوني والإسرائيلي في ورطة وأزمة حالية ومستقبلية باعتماده على التفضيل العرقي الحصري في تقرير المصير الجمعي. هذه الورطة تُصَّدَر لنا نحن المواطنين العرب، وكذلك الشعب العربي الفلسطيني بشكل خاص، والشعب العربي والأمة الإسلامية لارتباطهم الوجداني والديني بفلسطين بصفتها مكان مهبط الديانات الموحدة الثلاثة (اليهودية، النصرانية والإسلامية). وان فرض رواية واحدة سابقه لامتلاك فلسطين وإنكار اللاحق والسابق (العرب الفلسطينيين المسيحيين والمسلمين) المكمل والممارس لاستمرار وجوده على ما يزيد عن 2000 عام هو إجحاف مرفوض. هذا إذا تعاملنا مع الرواية الدينية اليهودية التي تدعي بوجود مملكة يهودية في فلسطين حُكِمت من ملوك حسب الدين اليهودي وأنبياء حسب الدين الإسلامي، وكان مركزها القدس، وعلى هذا الأساس تدعي الصهيونية بالأحقية التاريخية اليهودية على الأرض. ولكن دراسة متأنية لتاريخ وطننا الطويل يظهر انه مرت عليه شعوب كثيرة وأقيمت به دول عديدة أصبحت تشكل طبقة من مورثة وتراثه، مما يضع علامات سؤال جدية حول أحقية اليهود وإنكار حق غيرهم. هذا يعني أن السردية التاريخية لا تشكل بديل عن الحق المادي الحاضر المعاصر، ولو كان الأمر مقبولا لاختلط الحابل بالنابل ونشأت طلبات لشعوب وقوميات متعددة تطالب بحقوق أجدادهم حيث كانوا أو حكموا في حقبة من الزمن مما يهدد السلم والاستقرار القطري والعالمي.
لا شك أننا في حالة معقدة ومركبة زاد من تعقيداتها هذا القانون الكيدي الذي اقر في الكنيست على خلفية التنافس بين متطرفين ينشرون التخويف من المواطن العربي الذي يطالب بحقوق المشاركة واقتسام الخير العام في دولة إسرائيل، ويسعى إلى دعم مسيرة السلام وتحقيق التسوية الجيوسياسية مع الشعب الفلسطيني بإقامة دولة فلسطينية على أسس الشرعية الدولية. لكن مطلب المواطنين العرب الفلسطينيين تحقيق شعار السلام والمساواة، يلاقي رفضا من اليمين اليهودي الصهيوني المتطرف والمسيحياني على حد سواء، ويستغل الحالة السياسة التي آلت إليها البلاد والمناخ الدولي لفرض أجندته السياسة التي تعيق خلق تسوية سياسة معتمده مبدأ تقاسم البلد والمشاركة في الخير العام في دائرة المواطنة داخل الدولة، ومع الدولة الفلسطينية المجاورة التي يجب استكمال إقامتها من خلال تسوية جيوسياسية منصفة تؤمن إحقاق الحق والانصاف لأصحابه للوصول إلى الاستقرار.

القانون يزيد من حالة الاحتقان والعداء..
بعد إقرار القانون ارتفع منسوب عدم الثقة وحتى العداء بين العرب الفلسطينيين واليهود الصهيونيين خاصة بين المتطرفين منهم. مع ذلك، فإنني من الذين يؤمنون بان "اللعبة" ليست بالضرورة قد انتهت، وإننا في طريق اللا-عودة نحو الصدام بعد إقرار القانون. لقد ادخل القانون مفاهيم وقواعد جديدة تفرض علينا إعادة تقييم حالنا وواقعنا مع الدولة ومع مركبات الطيف الأيديولوجي والسياسي اليهودي والصهيوني، وطرح بدائل للخطاب وسلوكنا السياسي يعتمد على التفريق بين طيف أشكال اليهودي، الصهيوني والإسرائيلي لتامين مصالحنا ومنافعنا في وطننا. إن المدرسة الدوغماتية/النمطية الصدامية والسببية لا تفتح لنا فرص مناسبة في الظرفية الحالية محليا، إقليميا ودوليا، بل علينا الاستعداد لتَغَيُر أو تَغيير الواقع وفتح إمكانيات للتأثير على صانعي ومتخذي القرار في إسرائيل باستخدام مركبات قاعدة "قوة الضعيف" غير مفوتين للفرص الناشئة والمُنشأة من خلال إدارة واعية للإمكانيات مُطَبقين القاعدة المتعارف عليها في عالم السياسة وهي "فن إدارة الممكن المتغير". كما أن إسقاطات وتبعات القانون على المجتمع اليهودي وعلى مكانة الصهيونية ودولة إسرائيل ربما تفتح احتمالات للتغيير بما في ذلك تعديل القانون في واقع تشكيله حكومية مختلفة يجب أن نسعى لإيجادها.
رغم انتقادنا للديمقراطية الإسرائيلية من ناحية إجرائية وماهية، ولكنها هي الوسيلة التي نستطيع بها استخدام قوة الضعيف لخلق تغيير في الواقع السياسي في إسرائيل وخلق ائتلافات موضعية على أسس منفعية لتامين المواطنة، المساواة والتشارك في اخذ نصيبنا من الخير والحيز العام. هذا لا يعني أن مشاركتا السياسية وممارسة حق الانتخاب وإدخال أكبر عدد من أعضاء برلمان يمثلون مصالحنا ويحسنون أداء "اللعبة" هو لهدف تبييض الديمقراطية الإسرائيلية، بل من اجل أداء وظيفة التأثير في السياسة الإسرائيلية بالإضافة إلى المجالات، القطاعات والمستويات الأخرى محليا ودوليا.
رغم أن الدولة هي ذات أغلبية يهودية وصهيونية، وحاليا يسيطر عليها أحزاب يمينية حتى متطرفة، لم تنال الحكم نتيجة انقلاب عسكري، بل فازت نتيجة انتخابات شاركنا نحن العرب بشكل جزئي بها، ولو زاد احتمال تمثيلنا وَحَسُن أداء ممثلينا سياسيا لكان ربما بالإمكان منع سن هذا القانون العنصري وقوانين تمييزية سبقته، وفي المستقبل تعديله عند تحقيق غالبية في البرلمان. إنني أتفهم منطلقات وتبريرات الأصوات من أبناء شعبنا التي تنادي بمقاطعة الانتخابات أو الخروج من البرلمان الإسرائيلي لكشف وفضح العجز في الديمقراطية الإسرائيلية. لكن هذا النداء لا يمكن أن يكون نتاج "فشة غل أو رد غاضب"، بل يجب أن يكون مبني على قواعد تحقق رسالتنا وأهدافنا الاستراتيجية. هذا الموضوع لا أريد نقاشه في هذا المقال، وأوجز وجهة نظري في شأن الاستقالة من البرلمان أنني لا أتوافق معها، مع ذلك يجب تحسين أدائنا وزيادة قوتنا وتمثيلنا كمّاً ونوعاً. هذه الزيادة تزيد من فرص التشابك مع الصهيونية والإسرائيلية ونيل حقوقنا المستحقة. هذا لا يعني قبول الصهيونية أو الاسرلة  حسب نموذج نمطي مرسوم، بل قبول المواطنة المتساوية والتعامل معها بوعي وجدية لنيل حقوقنا. احذر من حالة الإقصاء الذاتي من المواطنة والمشاركة، وهو ربما ما سعت وتسعى إليه الصهيونية المتطرفة في إقرارها لقانون القومية. هذا الاقصاء عانينا منه وناضلنا وما زلنا نناضل للخروج منه رغم المعيقات الكثيرة. وان تجربة اليهود في دول العالم تشكل لنا ربما مؤشر نستفيد منه لتأمين المشاركة الفاعلة والفعالة والخروج من "غيتوات" طوعية أو قسرية نحو الحضور والتأثير في بيئتنا، مع الحفاظ على الذات والمنافع الفردية والجمعية.

لست ساذجا ولا مثاليا..

لست ساذجا في قراءتي للمشهد ورصدي للحال الذي نعيشه والماضي الذي عانينا به من سياسات الدولة والحركة الصهيونية ضدنا، وأنني لست مثاليا أسعى لأمور غير قابلة للتحقيق، بل إنسان واقعي أتعامل مع الواقع المُتَغيِّر المركب والمليء بالثنائيات والتناقضات، ومع ذلك أسعى لبناء حاضر ومستقبل أحسن لأهلي على أسس أخلاقية وقيم إنسانية تحفظ للإنسان كرامته في وطنه رافضا للظلم والعدوان وساعيا لتحقيق الإنصاف. من هذا المنطلق ارفض قانون القومية وقوانين أخرى ظالمة وسياسات حكومية تسعى لتطبيق هذه القوانين. وان هذا الرفض لا يكفي بل يجب التشابك والعمل بشتى الوسائل لمواجهته لإبطاله، بما في ذلك بالمشاركة السياسية وتجنب حالات الإقصاء، رغم بعض استحقاقاتها، لأجل إلغاء هذه القوانين والسياسات العنصرية الجائرة.
الصراع مع الحركة الصهيونية لم يبدأ مع إقرار قانون القومية، بل هو مستمر منذ مئة عام، ومحاولات النفي لم تنجح رغم خسارة معارك، ولكن مسالة الصراع ما زالت قائمة وهي بحاجة للتفتيش عن تسويات يمكن التعايش معها وبناء مستقبل لأبنائنا في وطننا. ان إقرار القانون يعيدنا إلى مربع يسعى متطرفو الصهيونية المسيحيانية إلى البقاء به وفرض قواعد لعبة نرفضها. نحن العرب الفلسطينيين تقع علينا مسؤولية التعلم من الماضي ومن تجارب الشعوب والمجتمعات الأخرى لقيادة حاضرنا وبناء مستقبلنا. نعم لسنا مسؤولين عما حدث في الماضي، رغم أننا ننتمي لموروث لا ننكره أو نتنكر له، بل نبني عليه ونوقر آبائنا ونستفيد من تجاربهم وممارساتهم، ولكن التحدي هو كيف نمارس مسؤولياتنا في حاضرنا ونجتهد لخلق فرص مستقبلية تحفظ الحقوق وتمكن الاستدامة لأهلنا في الوطن. إن استمرار وجودنا واستئناف تطورنا، نحن العرب الفلسطينيين، في الوطن المجزأ جيوسياسيا، يعلمنا بان المشاركة والحضور مجدي وله فوائد ومنافع لنا في ظرفيتنا. ان شعارنا الموجه "السلام والمساواة" والذي يسعى القانون إلى نسفه، هو بوصلة توجهنا لحفظ الحقوق الوطنية والمدنية في وطننا. إن محاولات الترنح الصهيوني بين استخدام الموروث اليهودي وخاصته وبناء خطاب قومي صهيوني هجين (هيبريدي) صيغ قبل قيام دولة إسرائيل وبعد قيامها، أضاف إشكالية للخطاب والسلوك اليهودي الصهيوني، وهو خطاب الدولة والمواطنة الإسرائيلية الرسمية.
من وجهة نظر واضعي ومقري القانون فإن اليهودي يساوي الصهيوني ويساوي الإسرائيلي. هذه الفرضية مبنية على خطأ، وإذا تبنيناها نحن العرب فنكون شركاء في الخطأ. هناك من بين اليهود من هم شركاء لنا في الثقافة والمعتقدات، ويطلق عليهم العرب اليهود، يتحدثون اللغة العربية بطلاقه ويرفضون الصهيونية. كما أن داخل اليهود الصهيونيين هناك من يرفض الظلم ويعارض القانون وقوانين جائرة أخرى، ويحاول التفتيش على تسويات وحلول للخروج من ورطة الصراع التي تتسبب بها. هناك من اليهود الصهيونيين الذين يدعون الانتماء للمواطنة، والتركيز على المواطنة الإسرائيلية لتكون الإطار الجامع الصائغ لكل مواطني الدولة. صحيح أن هناك تفاوت بالقوة السياسية لهذه المجموعات، وحاليا الغلبة والسيطرة للأطراف اليهودية الصهيونية الإسرائيلية اليمينية المتطرفة، ولكن هذا لا يعني أن هذا الحال لا يمكن تغييره، فتجارب الماضي أثبتت أن إمكانية واحتمالية التغيير واردة وإن كانت صعبة المنال في المستقبل المنظور، وبمقدورنا نحن المواطنين العرب المساهمة بها، إذا ما تعاملنا مع أنفسنا بجدية وأحسنا أدائنا.

الهروب من المواجهة ليس حلا..
إن الهروب من المواجهة والتشابك غير مقبول ولا يشكل بديلا مناسبا في معركتنا لمواجهة قانون القومية وقوانين وسياسات عنصرية لا تؤمن للمواطن حقوقه وكرامته. إن مسؤوليتا تفرض علينا الحضور والتشارك مع الأصوات اليهودية، الصهيونية والإسرائيلية التي تسعى إلى إلغاء القانون وحفظ حقوق المواطن، كلٍّ حسب دوافعه ومبرراته التي نتلاقى مع بعضها ونتفق عليها أو نختلف معها ونعارضها في سياقها. بالموازاة يجب علينا إعادة تقييم العلاقات الداخلية فيما بيننا، ومع المواطنين اليهود الذين نتشارك معهم في امتلاك الحيز العام، وكذلك علاقتنا مع الدولة، التي نتعامل معها من منطلق وظائفي وليس قيمي.
كجزء من عملية التقييم لا بد من إعادة إنتاج خطابنا وسلوكنا وتحسين أدائنا بالابتعاد عن الشخصنة، والتركيز على الأداء والوظيفية تمهيدا لتشكيل صوت جمعي يتجاوز حدود الحزبية، الجهوية، المناطقية والطائفية. يجب أن نركز على المصلحة العليا وهي المصلحة المدنية والوطنية الجامعة، مع احترام التعددية الدينية والثقافية. ان تامين حقوق المواطنة، المساواة، الديمقراطية والتشارك، هي دوائر الحركة التي نسعى إلى تأمينها في حالنا.
ان إحقاق الحقوق لا يتم بالتمني بل بخلق، تطوير وممارسة ثقافة مقاومة مدنية هادفة بمشاركة عربية يهودية وفي دائرة القانون. علينا أن نتذكر أنه رغم مساوئ قانون القومية، فان كتاب القوانين مازال يشمل قوانين كثيرة تحفظ للمواطن الفرد حق الممانعة، الرفض، التظاهر، الاحتجاج، طرح البدائل الشرعية المحققة للأهداف. كل هذه الأعمال يمكن تحقيقها بعمل ونضال سلمي وفعال جاد ومثابر ودائم ومتراكم.
نعى جيدا جدلية العلاقة بين القومي، الوطني والمدني في حالنا، ومع ذلك فان دورنا المدني في إلغاء أو تعديل القانون يشكل نقطة الانطلاق والتحول، ربما يوقف مسار سن القوانين التي تغلب يهودية وصهيونية الدولة على ديمقراطيتها. وان التحدي هو في تفكيك منظومة خطابنا وسلوكنا تجاه من يسعى إلى توحيد ودمج اليهودية مع الصهيونية والإسرائيلية لدافع ربما تحويل الصراع من صراع حقوق وجيوسياسي إلى صراع ديني. أرى بالتكامل القيمي بين الأديان السماوية السمحة والهادية، وارفض استخدامها كأساس للتفضيل والفوقية بين بني الإنسان ومواطني البلد الواحد. وبناء على ذلك فنحن نؤمن باليهودية السمحة الهادية، ونرفض الصهيونية المعتدية، ونشارك ونتشارك بالمواطنة في اسرائيل ونسعى إلى تامين قيم المواطنة الحقة والمستحقة على أسس المساواة الكاملة بين جميع المواطنين في ظل نظام ديمقراطي تشاركي يحترم الخصوصيات الثقافية لكل مجموعة في ظل قانون جامع غير مجحف. هذه الأسس اقترحها لتكون أساسا لخطابنا وأدائنا في المرحلة المقبلة، بالإضافة إلى رسم برنامج عمل ميداني يتم تنفيذه تدريجيا، تكامليا وتصاعديا، عاملين في ثلاثة دوائر: مع بعضنا-المواطنين العرب؛ مع المواطنين اليهود ومع الدائرة الأممية؛ املا في ان نحقق الغلبة والنصر على هذا القانون خصوصا، وعلى سياسات التمييز العنصري والقهر المدني والقومي التي تمارسها إسرائيل منذ قيامها وحتى الان ضدنا.

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
نلفت انتباه كتبة المقالات الكرام ، انه ولاسباب مهنية مفهومة فان موقع بانيت لا يسمح لنفسه ان ينشر لكُتاب ، مقالات تظهر في وسائل اعلام محلية ، قبل او بعد النشر في بانيت . هذا على غرار المتبع في صحفنا المحلية . ويستثنى من ذلك أي اتفاق اخر مع الكاتب سلفا بموافقة التحرير.
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان:
panet@panet.co.il .

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق