فتاوى: ما هو فضل صوم تاسوعاء وعاشوراء ؟

فتاوى المجلس الإسلامي للإفتاء‏
2009-12-23 23:46:05
بسم الله الرحمن الرحيم: ما هو فضل صوم تاسوعاء وعاشوراء؟ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر اللهالمحرم, على الوزن فاعولاء، وقد اتفق الفقهاء على سنية صومه, ونقل ابن عبد البر الإجماععلى ذلك. في الصحيحين عن ابن عباس (رضي الله عنهما) قال: ما رأيت النبي (صلى اللهعليه وسلم) يتحرى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم، يوم عاشوراء, وهذا الشهريعني شهر رمضان.

وروى البخاري عن حميد بن عبد الرحمنانه سمع معاوية بن أبي سفيان (رضي الله عنهما) يوم عاشوراء على المنبر يقول: ياأهل المدينة, أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول:"هذا يومعاشوراء ولم يكتب الله عليكم صيامه, وأنا صائم فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر".

ويعود سبب صوم عاشوراء إلى ما رواهابن عباس (رضي الله عنهما) قال: قدم النبي (صلى الله عليه وسلم) المدينة, فرأىاليهود تصوم يوم عاشوراء, فقال:"ما هذا؟" قالوا: هذا يوم صالح, هذا يومنجى الله بني إسرائيل من عدوهم, فصامه موسى. قال:"فأنا أحق بموسى منكم فصامهوأمر بصيامه" (رواه البخاري).

وفي الحديث  تقدير محذوف, لأن النبي (صلى الله عليه وسلم)قدم المدينة في ربيع الأول, وظاهر الحديث يدل أن قدومه كان في محرم الذي فيهعاشوراء, لأنه سأل عنه عند قدومه. والصحيح الذي يحمل عليه الحديث أن النبي (صلىالله عليه وسلم) قدم المدينة في ربيع الأول واستمر فيها إلى أن جاء عاشوراء, فرأىاليهود تعظمه فسأل عنه, وليس أن النبي قدم المدينة في عاشوراء. أو يمكن القول بأناليهود كانت تعتمد في إثبات عاشوراء على الحساب الشمسي لا الهلالي, فوافق يومعاشوراء قدوم النبي (صلى الله عليه وسلم) في ربيع الأول.

وصيام عاشوراء كان واجبا في بادئالأمر ثم نسخ الوجوب, وبقي الاستحباب والندبية, والذي يدل على انه كان واجبا مارواه البخاري عن سلمة بن الاكوع (رضي الله عنه) قال: أمر النبي (صلى الله عليهوسلم) رجلا من اسلم أن أذن في الناس أن من كان أكل فليصم بقية يومه, ومن لم يكنأكل فليصم فان اليوم يوم عاشوراء". وزاد مسلم في صحيحه: فكنا بعد ذلك نصومهونصوم صبياننا الصغار منهم إن شاء الله, ونذهب إلى المسجد فنجعل لهم اللعبة من العهن(الصوف) فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناها إياه عند الإفطار. وفي رواية:أعطيناهم اللعبة تلهيهم حتى يتموا صومهم.

وروى مسلم عن أبي موسى (رضي اللهعنه) قال: كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء يتخذونه عيدا ويلبسون نساءهم فيه حليهموشارتهم. فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):"فصوموه انتم".

فهذه الروايات  تدل على أن صوم عاشوراء كان واجبا؛ لان ظاهرالأمر هو الوجوب ثم نسخ الوجوب بفرض رمضان, روى البخاري أن عائشة (رضي الله عنها)قالت: كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أمر بصيام يوم عاشوراء, فلما فرض رمضانكان من شاء صام ومن شاء افطر.

قال ابن حجر في الفتح الباري(6/283):"ويؤخذ من مجموع الأحاديث انه كان واجبا لثبوت الأمر بصومه ثم تأكدالأمر بذلك ثم زيادة التأكيد بالنداء العام ثم زيادته بأمر من أكل بالإمساك ثم زيادتهبأمر الأمهات أن لا يرضعن فيه الأطفال. ويقول ابن مسعود الثابت في مسلم :"لمافرض رمضان ترك عاشوراء" مع العلم بأنه ما ترك استحبابه بل هو باق,فدل على أنالمتروك وجوبه. وأما قول بعضهم المتروك تأكد استحبابه والباقي مطلق استحبابه فلايخفى ضعفه, بل تأكد استحبابه باق ولا سيما استمرار الاهتمام به حتى في عام وفاته(صلى الله عليه وسلم) حيث يقول:"لئن عشت لأصومن التاسع والعاشر", لترغيبهفي صومه وأنه يكفر سنة, وأي تأكيد أبلغ من هذا؟.

وصوم يوم عاشوراء يكفر السنةالتي  قبله, فعن أبي قتادة رضي الله عنهقال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):"صيام يوم عرفة احتسب على الله أنيكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده, وصيام يوم عاشوراء احتسب على الله أن يكفرالسنة التي قبله" (رواه مسلم).

وذكر بعض العلماء أن الحكمة في زيادةصوم عرفة في التكفير عن صوم عاشوراء أن عرفة من شريعة نبينا محمد (صلى الله عليهوسلم), وصوم عاشوراء من شريعة كليم الرحمن موسى (عليه السلام), وشريعة محمد (صلىالله عليه وسلم) أفضل كما لا يخفى.

وقوله (صلى الله عليه وسلم):"أحسبعلى الله أن يكفر السنة التي قبله أي يكفر الصغائر من الذنوب لا الكبائر, لانالكبائر تحتاج إلى توبة لتكفيرها. قال النووي في المجموع (6/382):"المذكور فيالأحاديث من غفران الصغائر دون الكبائر هو مذهب أهل السنة, وان الكبائر إنما تكفرهاالتوبة أو رحمة الله تعالى". وقال أيضا:"فان وجد ما يكفره من الصغائركفره, وإن لم يصادف صغيرة ولا كبيرة كتبت به حسنات ورفعت له به درجات, وذلك كصلواتالأنبياء والصالحين والصبيان وصيامهم ووضوئهم وغير ذلك من عباداتهم, وان صادفكبيرة أو كبائر ولم يصادف صغائر رجونا أن تخفف من الكبائر".

ويستحب لمن ينوي صيام عاشوراء أنيصوم اليوم الذي قبله وهو التاسع من محرم مخالفة لليهود, فعن ابن عباس (رضي اللهعنهما) قال: حين صام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يوم عاشوراء وأمر بصيامه,قالوا: يا رسول الله, إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى, فقال رسول الله (صلى اللهعليه وسلم):"فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع. قال: فلميأت العام المقبل حتى توفي رسول الله (صلى الله عليه وسلم)".

وعن ابن عباس أيضا قال: قال (صلىالله عليه وسلم):"صوموا التاسع والعاشر, وخالفوا اليهود" (رواه الترمذيوصححه الألباني). أي أن اليهود يصومون عاشوراء فقط أما انتم أيها المسلمون فصومواالتاسع والعاشر.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"والصحيحانه يستحب لمن صام يوم عاشوراء أن يصوم معه التاسع, لأنه هذا آخر أمر النبي (صلى اللهعليه وسلم)".

وروى احمد في مسنده من حديث ابن عباس(رضي الله عنه) عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:"صوموا يوم عاشوراء,وخالفوا فيه اليهود, وصوموا قبله يوما أو بعده يوما". (قال الهيثمي في مجمعالزوائد (3/188):"رواه أحمد والبزار, وفيه محمد بن أبي ليلى, وفيه كلام".وظاهر كلام ابن حجر انه يحتج به. انظر: الفتح الباري (6/280)). وفي رواية لم أقف علىمدى صحتها:"صوموا قبله يوما وبعده يوما").

وبيّن ابن القيم مراتب صيام عاشوراءفقال:"مراتب الصوم ثلاثة: أكملها أن يصام يوم قبله ويوم بعده فهو الأحوطلإدراك يوم عاشوراء من بينها, وفيه مخالفة لليهود من إفراده, ويليه في الكمال صيامالتاسع والعاشر, وعليه أكثر الأحاديث, ويلي ذلك إفراد العاشر وحده بالصوم".

وقال الخطيب الشربيني في مغنيالمحتاج (5/307):"وحكمة صوم يوم تاسوعاء مع عاشوراء الاحتياط له لاحتمال الغلطفي أول الشهر, ولمخالفة اليهود فإنهم يصومون العاشر, والاحتراز من إفراده بالصومكما في يوم الجمعة, فان لم يصم معه تاسوعاء سن أن يصوم معه الحادي عشر, بل نصالشافعي في "الأم" والإملاء على استحباب صوم الثلاثة".

ويستحب للمرء أن يوسع على نفسه وأهلبيته في يوم عاشوراء لقوله (صلى الله عليه وسلم):"من وسع على نفسه وأهله يومعاشوراء وسع الله عليه سائر سنته" (رجاله كلهم ثقات: انظر : السلسلة الصحيحةللألباني (4/366)).

وكانت قريش تعظم عاشوراء وتصومهوتكسو فيه الكعبة حلة جديدة, روى مسلم ان عائشة (رضي الله عنها) قالت:إن قريشاًكانت تصوم عاشوراء في الجاهلية. وروى البخاري من حديث عائشة أيضا قالت:"كان عاشوراء في الجاهلية يوما تسترفيه الكعبة".

 

والله تعالى أعلم

8/1/2009م

مواد في ذات السياق