اغلاق

الجسم في الحرمين والقلب في الأقصى - بقلم: الشَّيخ حمَّاد أبو دعابس

من المسجد الحرام في مكَّة المكرَّمة، وقبيل الإرتحال إلى المسجد النَّبويُِ الشَّريف في المدينة المنوَّرة، نخطُّ إليكم هذه


 الشَّيخ حمَّاد أبو دعابس - تصوير موقع بانيت وصحيفة بانوراما 

  الكلمات، تعبيراً عن الرَّابط المتين بين المساجد الثَّلاث ، الَّتي يُشدُّ إليها الرِّحال ، وعن تعلُّق قلوبنا بها وإن اختلفت ظروفها . فقد قرن النَّبيُّ الكريم بينها في حديث شدِّ الرِّحال المشهور، وقرن القرآن بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى في آية الإسراء المعروفة، ويقرن واقعنا المعاصر اليوم بينهم في علاقةٍ مميَّزة.
     فبلاد الحرمين شهدت في السبعين عاماً الأخيرة، ازدهاراً وثراءً، ومركزيَّةً في العالم الإسلاميِّ. والحَرَمان الشَّريفان عرفا أعظم توسعةٍ في تاريخهما عبر العصور، ويرتادهما عبر السِّنين مئات ملايين المسلمين في مواسم الحجِّ والعمرة، وفي ذلك تعبيرٌ عن جسد الأُمَّة الَّذي يبدو متعافياً، وكأنَّ كلَّ شيءٍ على ما يرام .
   أمَّا المسجد الأقصى المبارك، فإنَّه بالمقابل، يشهد أسوأ ظروف الإحتلال، والعربدة الإسرائيليَّة. فالإقتحامات للمكان، والإعتداءات على الإنسان، والتَّضييقات على عباد الرَّحمان، وحِرْمان أكثر من مليار مسلم من وصوله والصَّلاة فيه، فإنَّها مجتمعةً تلخِّص ظروف ذِلَّة الأُمَّة وضعفها واستكانتها. ولذلك، فإنَّ عزَّة الحرمين مجروحة، ما دام أخوهما الأقصى مهاناً، وكرامتهما حزينة ما دام شقيقهما الأقصى مغتصَباً مهاناً من قِبَل الإحتلال البغيض. وما يغني الجسدَ إعتلالُ القلب. " ألا وإنَّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلُّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلُّه، ألا وهي القلب ".  والأقصى هو القلب، الَّذي إذا مرض أو حزن أو أهين، ينبغي أن يفقد الجسد كلُّه طعم العافية، ومشاعر العزَّة، وأحاسيس الكرامة، حتَّى يتعافى قلب الأمَّة، وقدس أقداسها، فيعود حرَّاً كريماً معافىً.

   إنَّك حين تنظر إلى مئات آلاف الطَّائفين بالبيت الحرام، أو ملايين الحجَّاج على جبل عرفات في موسم الحجِّ، وتعلم أنَّ ملايين المسلمين، تمنعهم الحواجز الإسرائيليَّة من الوصول إلى المسجد الأقصى المبارك، لتقول في نفسك: إنَّ أمَّتنا العظيمة، لا ينقصها عددٌ ولا إمكانات، ولا تاريخ أو جغرافيا أو حضارة، ولكن تنقصها وحدة الصَّفِّ واجتماع الكلمة، وعودة الهيبة وكرامة الإنتماء إلى حضارة الأمَّة ودينها وتاريخها المجيد. ألا وإنَّ دعاءنا الأصدق، ورجاءنا الأعظم، أن تعود الأُمَّة الإسلاميَّة إلى سابق عهدها، وعظيم مكانتها، وجلال هيبتها. وأن تجتمع كلمة المسلمين وتتوحَّد صفوفهم لتعود مكانتهم بين الأُمم، بعد أن سقطت في متاهات الدُّنيا، فلم يعد أحدٌ يحسب لها حساباً.
خُطَبٌ وخطوب ......... أخطارٌ وأخبار
   خطبة الجمعة، من المفروض أن تكون معبِّرةً عن واقع المجتمعات، والتَّحدِّيات الَّتي تواجههم، وسُبل النُّهوض بهم من غفلاتهم. وعليه فإنَّ خطباء الحرمين الشَّريفين، والمسجد الأقصى، والجامع الأزهر، والأموي والزَّيتونة، وكبار المساجد في العالم الإسلاميِّ، يتحرَّى منهم المسلمون، كلمة الحقِّ والعدل والقوَّة.
نتوقَّع منهم أن يتناولوا قضايا العالم الإسلاميِّ، وشؤونه المصيريَّة، فيوجِّهوا لقادة المسلمين النُّصح، والتَّشجيع على مواقف العدالة والإستقامة. لا أن ينكفئوا وينسحبوا من الميدان، يداهنوا هذا فيقدِّسوه، ويعادوا ذاك فيشيطنوه، فقط للحفاظ على أنفسهم من البطش والظُّلم.
     لكنَّ الحقيقة المُرَّة، هي أنَّ خُطب الجمعة، وأخبار الفضائيَّات والصُّحف في الغالب تأتينا معلَّبةً، لا روح فيها ......... كلماتٌ منمَّقةٌ، وسجعٌ جميل، ولكنَّه يتجاهل هموم الأُمَّة الكبرى. فلا شلَّالات الدَّم في سوريَّا واليمن، ولا ثورات السُّودان والجزائر، ولا صراعات اللِّيبيِّين، ولا صفقات تصفية القضيَّة الفلسطينيَّة، ولا غيرها من الخطوب المدلهمَّة والأخطار الدَّاهمة، تصل إلى درجة الإهتمام المطلوب، والموقف القويِّ، والطَّرح اللَّائق.
    ولعلَّ المسجد الأقصى وخطباؤه، ثمَّ أحداث القدس والأقصى وأخبارها، تظلُّ نبراساً مشعَّاً في سماء أُمَّتنا. فالأقصى نبض الأُمَّة، وعنوان ملحمتها، مع الباطل الأثيم والإحتلال الغاشم، وهو منها كمثل القلب من الجسد. فيا خطيب الأقصى قل كلمة الحقِّ في زمن السُّكوت، ويا أحباب الأقصى إصنعوا الأحداث المشرِّفة، والأخبار المبشِّرة، في زمن الكبت والتَّصفيق وموالاة الظَّالمين.
هبَّة البوَّابات، وهبَّة باب الرَّحمة، ومعسكر القدس أوَّلاً العاشر، وتحدِّي غطرسة المحتلِّ في الإقتحامات، كلُّها أحداثٌ تصنعونها، لتتحدَّث عن عزَّةٍ حتماً ستعود، وغدٍ مشرقٍ لا بدَّ من قدومه.
عيشوا كرماء، وابقوا على العهد أوفياء، ولو كره الخصوم والأعداء.
"والله غالبٌ على أمره ولكن أكثر النَّاس لا يعلمون " .

رئيس الحركة الإسلاميَّة

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان:
bassam@panet.co.il

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق