اغلاق

قصة ولادة مستعصية...بقلم: اسماء الياس - البعنة

هند شابة جميلة.. دعوني أسرد عليكم قصتها... سوف يرويها لكم.. حبيبها وهو أيضاً من سكن قلبها وتربع به... أول مرة

 
صورة للتوضيح فقط - تصوير iStock-Mikumi

أراها هذا اليوم أتذكره جيداً... لن أنساه ما حييت.. كانت بطريقها لدكان العم فريد هو بقال... ولديه دكان صغير يعش منه هو وعائلته المكونة من زوجته سميرة... والابن فؤاد والابنة سناء.. فؤاد انهى سنة ثالثة طب.. أما الابنة فهي تدرس محاماة..
في هذا اليوم أتذكره جيداً كانت هند ترتدي فستان يجمع من الورود الأجمل.. الوان متداخلة بشكل محبب للنفس.. صادفتها عند مدخل العمارة التي بها الدكان... سلمت عليها وسألتها عن حالها وحال الأهل.. ردت بأدب وأكملت سيرها... نظرت نحوها... لكن هي لم تلتفت كأني لم أعيرها أي اهتمام.. وهي بفراستها تعلم بأن نظراتي لها تعبر عن محبة لو وجهت نحو صخر لكان ذاب.. لكنها فتاة قوية.. احتمال كبير أن يكون لديها علماً بما أكنه لها من مشاعر... لكنها تتصرف كمن لا يفقه بلغة المشاعر... وبقيت أنتظرها حتى خرجت من الدكان.. عندها قررت بيني وبين نفسي أن لا أتزحزح مهما كانت الأسباب.. حتى أكلمها وأعبر لها عن مكنون مشاعري نحوها... وهكذا كان... خرجت من الدكان وهي تحمل عدة أكياس من البقالة... ذهبت نحوها قاصداً مساعدتها.. لكنها رفضت بلباقة لم أعهدها بأي صبية... قالت لا أحمل حمل ثقيل أشكرك استاذ عارف... بتلك اللحظة لم أعرف ماذا أقول لها... غير سلم من رباكِ...
وتوالت الأيام وفي إحدى الأيام ذهبت لزيارة عمتي التي تسكن في البلدة المجاورة... وقد كانت عمتي قد أصيبت بحادث سير... وقد مكثت بالمشفى اسبوعين عادت بعدها للبيت بعد أن شفيت تماماً... بهذا اليوم ذهبت حتى أزورها وأطمئن على سلامتها... بينما كنت أقطع الطريق لمحت هند بالجهة المقابلة للشارع... ناديت عليها بلهفة مشتاق... التفت نحوي وابتسمت... كنت بتلك اللحظة كمن وجد شيئاً ثميناً قد أضاعه... وبحث عنه مطولاً حتى وجده... لم يكن لدي شك بأن ابتسامتها تلك تعبر عن سعادة لدى رؤيتها لي... ذهبت نحوها مسرعاً لم أعبأ لحركة السير الذي ازدحم بها الشارع... عندما وصلت سلمت عليها بحرارة... فقد كنت بشوق كبير لها غير ذلك لم يكن لدي أدنى شك بانها تبادلني نفس الشعور... فقد لمحت في عيونها لمعة جميلة تجعلك تشعر بسهام الحب قد اخترق القلب...
عاتبتها على اختفائها المفاجئ... الذي جعلني كالمجنون أبحث عنها... لكنها قالت لي بلطف ورقة لقد سافرت عند خالها الذي يعيش في المانيا... فقد أصيب بحادث عمل... وكان لا بد أن أذهب للاطمئنان عليه... وخاصة بعد موت زوجته لم يتزوج وهو يعيش لوحده... أولاده كل واحد منهم بمكان وأشغالهم الكثيرة تمنع منهم مساعدة الوالد بشكل مستمر ودائم... قضيت هناك حوالي الشهر قبل يومين عدت...
وقد خطرت في بالي لكن لم يكن لدي رقم هاتفك حتى أخبرك أين انا... لذلك أطلب منك السماح...
لقد كانت هند تتكلم مع جمال بتأثر بالغ... وخاصة عندما أخبرها بانه كان قلق جداً لغيابها الغير مفهوم... كل يوم كنت أنتظرك أمام البقالة ربما المح طيفك هناك... لكن كان الفراغ والوحشة بذلك المكان...
وبهذا اليوم الذي سجله جمال بدفتر مذكراته كانت بداية لشيء جميل...
جمال كان من الأشخاص الذين يعملون المستحيل لإرضاء من يحبون... لذلك كان كل يوم يذهب حتى يسأل عن حبيبته هند التي هي أيضاً أصبحت تتفقده... وتبحث عن أي مصدر حتى تعرف أخباره... هذا الحب الذي بدأت بذوره تنمو في أرض صالحة... سرعان ما تطورت العلاقة حتى علم بها الأهل... لأن كلا العائلتين كانت امنيتهم الوحيدة أن يجد كل منهم الشريك المناسب...
لذلك عندما لاح لهم بارقة أمل بدأت تلوح في الأفق... تشجعوا وبدأوا بتحضيرات الحفل المرتقب... كان جمال وهند قد لاحظوا تغيرات في محيط عائلة كل منهم... لكنهم لم يتطرقوا لذلك الموضوع... وظلوا على ما هم عليه... يتنزهون بالبراري... يتسلقون الجبال... يقطفون الزعتر والميرمية... يلهون بالطبيعة... فقد كانت بشائر الربيع قد بدأت تلوح... والربيع قد انتشر بالجبال والسهول... والشمس أصبحت تعطيك شعوراً بالانتعاش بالحيوية...
اعتادت هند في مثل هذا الوقت من السنة أن تقضيه في أحضان الطبيعة... فقد كان غرامها الربيع كيف لا وهي من مواليد شهر نيسان... شهر تفتح الأزاهير... لذلك عندما تعرفت على جمال أول شيء لفت نظرها به... شخصيته الغير تقليدية... التي توحي لك بأن أمام شخصية منفتحة على العالم... غير معقد لا يعترف بقوانين البشر... لأن له قانونه الخاص الذي يسير حسبه....
والذي جعله مختلفاً... كونه تربى أن يكون مستقلاً بذاته... فقد كان والده إنسان واعي مثقف... ربى أولاده على تحمل المسؤولية منذ الصغر... مما جعله يعتمد على نفسه... رغم كل ما صادف في حياته من مطبات... كان يخرج منها بأقل خسائر... فكان جمال شاب طموح يهوى العزف على الأرغول... ويهوى السهر السفر... البحث عن المجهول... لذلك كانت محبته لهند يعتبرها الغوص بأعماق المجهول... فقد كانت صعبة المنال... لذلك حاول بكل ما فيه حتى يكسب قلبها... وتحقق ذلك عندما طلب ودها تقرب منها... أعجب بها... وهي بادلته الاعجاب بإعجاب...
أما هند فقد كانت فتاة تعتبر نفسها أكثر الفتيات حظاً... منذ ولادتها التي جاءت بعد ثلاث شباب... لذلك وجدت نفسها طفلة مدللة... وشابة تطلب يلبى طلبها بالحال... تربت في كنف عائلة لا تفرق بين ولد وبنت كلهم سواسية بكامل الحقوق والواجبات... وهذا الشيء أثر على شخصيتها على تعاملها مع الغير... فكانت الفتاة المحبوبة لدى كل من عرفها وتعامل معها...
وجاء اليوم الذي به اتفق جمال وهند على مفاتحة الأهل بأن زواجهم أصبح شيئاً مفروغ منه... ويجب الاعداد له على احسن وجه... فقد كان حلم كل من جمال وهند أن يكون زواجهم غير تقليدي... حتى يكسروا تلك العادات والتقاليد التي ينضح بها مجتمعنا... حتى اصبح أغلبية الناس تشكوا من تكاليف الأفراح... وغير ذلك الضجيج والتعب الذي يكون من نصيب أهل العرس...
فكانت الفكرة أن يكون فرحهم مقتصر على الأهل والأصحاب والأقارب المقربين جداً... وهكذا تم ما أراد لهم وكان زواجهم حديث الناس لفترة لا بأس بها...
وقد أثمر زواجهم على ولادة توأم... وكانت تلك الولادة مستعصية... مما جعل ادارة المستشفى أن تطلب من طبيب كان في اجازة أن يقطع اجازته حتى ينقد حياة هند والتوائم.... فكان الطبيب أن لبى النداء... وكانت حياة التوائم والأم مرتبطة بين يداي هذا الطبيب الذي عمل المستحيل حتى انقد حياة الأم وأولادها...
ما أجمل الحياة عندما تعطيك ما تريد... أحبو بعضكم بعضاَ... كما قال السيد المسيح.....

 هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان:
bassam@panet.co.il

لمزيد من مقالات اضغط هنا

لمزيد من مقهى بانيت اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق