اغلاق

مقال - الحارس اليقظان...بقلم: محمّد علي طه

أدهشني تقرير منظّمة اليونيسكو عن مئات اللغات البائدة في القرن العشرين وبخاصّة في النّصف الثّاني منه، والتي كان


محمد علي طه

  مصيرها مثل مصير اللغات الكنعانيّة والآشوريّة والسّريانيّة والفينيقيّة والآراميّة وغيرها التي اندثرت قبل الميلاد أو بعده بعقود معدودة، وانحصر الاهتمام بها في معاهد البحث والدّراسة.
لم يخطر على بالي، من قبل، ما يعنيه زوال لغة ما من الوجود أي فناء حضارة وتراث، أعني اندثار قصائد وملاحم وأسفار وأغانٍ وأمثال وقصص حبّ وكفاح وأحزانٍ وأفراح، ولكنّني كنت وما زلت أتفهّم نضال أقليّة ما في عالمنا للاعتراف بلغتها القوميّة لغة رسميّة في الدّولة التي تحيا فيها، وتماهيت مع مطالبة البربر في المغرب العربيّ بالاعتراف باللغة الأمازيغيّة ومطالبة الكرد بالاعتراف بالكرديّة لغة رسميّة في العراق وسوريا وإيران وتركيا.
يبلغ عدد اللغات في العالم (6500) لغة وقد أخذت منظّمة اليونيسكو على مسؤوليّتها منذ العام 1950 التّحرّي على مصير (2728) لغة تعاني من خطر الزّوال وتبيّن للباحثين في هذه المنظّمة الدّوليّة أنّ (228) لغة زالت تمامًا عن ألسنة النّاس في النّصف الثّاني من القرن العشرين وأنّ (577) لغة على وشك الاحتضار والفناء كما أنّ(537) لغة يهدّدها خطر كبير جدًّا بالزّوال وأنّ (640) لغة في حالة خطر الزّوال وأنّ (592) لغة أخرى معرّضة لخطر الفناء وهذا يعني أنّ (1700) لغة في خطر وجوديّ في هذه الأيّام.
تتلاشى دهشة القارئ لتقرير اليونيسكو من هذا العدد الهائل من اللغات في العالم، ومن المصير المأساويّ للمئات منها، عندما يعلم أنّ (144) لغة معرّضة للزوال في جمهوريّة الصّين الشّعبيّة وحدها وأنّ (24) لغة منها على وشكّ الفناء والانقراض ومنها اللغة المنشوريّة التي كانت سائدة في عصر سلالة القياصرة في بلاد الصّين.
في منظّمة الأمم المتّحدة ست لغات رسميّة فقط هي اللغة الإنجليزيّة واللغة الفرنسيّة واللغة الإسبانيّة واللغة الرّوسيّة واللغة الصّينيّة واللغة العربيّة وهذا الأمر لا يقلّل من أهميّة لغات عالميّة أخرى مثل: اللغة الألمانيّة واللغة الإيطاليّة وغيرهما.
تعرّضت اللغة العربيّة لخطر الإبادة عدّة مرّات في التّاريخ كان أوّلها عندما اجتاح المغول المتخلّفون بغداد عاصمة الخلافة والعلوم والآداب وحرقوا مكتباتها العامرة إلّا أنّ هؤلاء الغزاة وعلى الرّغم من انتصارهم السّاحق صاروا جزءًا من الحضارة العربيّة الإسلاميّة وصار القرآن الكريم كتابهم الأوّل، وثانيها عندما انتهج العثمانيّون سياسة التّتريك والتّجهيل فاصطدموا بحافظ اللغة العربيّة وصائنها الذي أفشل مخطّطاتهم، وثالثها حينما حاولت فرنسا الاستعماريّة فرنسة الجزائر وأخواتها طيلة أربعة عشر عقدًا من السّنين فصان القرآن الكريم لغة أهلنا في المغرب العربيّ مثلما صان عروبتهم.
لا خوف على لغتنا العربيّة من اللغات الأخرى، إنجليزيّة أو فرنسيّة أو إيطاليّة أو إسبانيّة أو تركيّة أو عبريّة، ولا خوف عليها من حملات المغول والفرنجة والاستعمار الغربيّ، ولا خوف عليها من الغزو الفكريّ لأنّها لغة غنيّة وجميلة وقويّة يعشقها مئات الملايين من العرب والأجانب ولأنّن القرآن الكريم يحرسها ويصونها ويحفظها.

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان:
bassam@panet.co.il

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق