اغلاق

الشيخ عبد الله بين قراءة المشهد وتوجيه البوصلة، بقلم: بروفيسور راسم خمايسي

مداخلتي في اليوم الدراسيّ الأوّل الّذي عقد يوم 18 أيّار 2019، بكفر قاسم، بمناسبة الذّكرى الثّانية لوفاة الشّيخ عبدالله نمر درويش رحمه الله


بروفيسور راسم خمايسي

بسم الله الرّحمن الرّحيم والصّلاة والسّلام على الهادي الأمين
أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء مع حفظ الألقاب والمكانة والأدوار،
  السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته 
لسنا في حال رثاء، بل لقاء تفاكر نتناول فيه بعض الدّروس والعبر من فكر وممارسة الشّيخ عبد الله نمر درويش مؤسّس الحركة الإسلاميّة في بلادنا، ولنكن واضحين أكثر، داخل دولة إسرائيل. حيث نسعى ان يُشكّل فكر وممارسة الشيخ لنا نبراسًا يوجّه اكمال مشروعنا في الوطن. وأبدأ بالتّحديد نظرًا لبعض الجوانب الّتي تخصّ وضعنا ومكانتنا والّتي يبدو للبعض منّا بأنّها تتميّز بالتّناقضات والثّنائيّات الّتي يصعب علينا جسرها. مع ذلك، نبّهنا ووجّهنا الشّيخ المؤسّس، الّذي تميّز بالشّجاعة في تحديد السّياق الّذي يعيش به، والظّرفيّة الّتي يسعى إلى استئناف نشر دعوة الله بها، وبناء المجتمع الّذي يواجهه دون لفّ ودوران، متجاوزًا للثّنائيّات، قارئًا للمشهد ومحدّد البوصلة الّتي تمكّننا العيش الكريم في الوطن، والتّجسير بين التّناقضات والثّنائيّات الموجودة دائمًا، رغم تغيير الحال. لأنّ القراءة الحقيقة الواقعيّة للظّرفيّة السّياسيّة والاجتماعيّة والعمل من خلالها أو التّشارك معها، لا يعني إقرارها وشرعنتها، حتّى ولو أنّها نشأت وتطوّرت على مفاهيم وسلوكيّات ظلم الآخر. بل إنّ مواجهة الظّلم والاعتداء لا يكون بتجاهله وبعدم تعريفه، وإنّما بالتّعرُّف عليه والتّشابك معه من أجل تغييره وردّ الظالم المعتدي عن ظلمه وعدوانه، بل يتجاوز الأمر إلى دعوته للهداية وتصويبه، لأنّ الرّسالة الّتي آمن بها الشّيخ، ونحن معه، كما عَرَفها من قرآن الهداية، وسنّة المصطفى والسّلف من بعده، أنّ الدّعوة لا تكون للمؤمنين إلّا من أجل الثّبات، وهي بأصولها وجوهرها مخصّصة لأولئك الحائدون عن درب الحق، والممارسون للظّلم والاعتداء. لذا، عُرِفَ شيخنا بكونه صاحب فكرة مستقاة من الدّين الإسلاميّ، ورسالته أن يدعو للهداية لقيم أخلاقيّة إنسانيّة، مُبتدئًا من أقرب الأقربين جغرافيًّا وبيولوجيًّا، منطلقًا نحو دوائر أوسع حتّى الوصول إلى أوسع دوائر ممكنة لإيصال الفكر وترجمته إلى ممارسة عمليّة من خلال بناء مشروع إنسانيّ تراكميّ تكامليّ حراكيّ قابل للإنجاز، منطلقًا من منظومة قيميّة أخلاقيّة تؤمّن حصانة الفرد والمجتمع. هذا المشروع، كما عرفه الشيخ وإخوة آخرون، لا يتمّ على القمر، بل يمكن أن يقوم به كلّ إنسان واع وصادق يحاول ان يوازن بين انتماءات بينها تقاطع وتكامل.  هكذا كان الشّيخ المؤسّس لحركة دعويّة باعثة لرسالة إنسانيّة تدعو كلّ النّاس للخير. وعندما يمارس أيّ شخص دعوة تعتمد على فكر وموروث عظيم لا يستطيع أن يبقى في حالة نقل هذا الموروث والعيش به في الماضي مُتنكّرًا لواقعه، بل يجب عليه أن يجدّد مفاهيم، مصطلحات وسلوكيّات تتناسب مع البيئة الجديدة المعاصرة النّاشئة والمُنشأ الّذي يسعى إلى العيش به، ومستعدًّا لاستشراف المستقبل والإعداد والاستعداد له.
وأدرك الشّيخ أنّ الموروث الّذي يبني عليه ويقوم بنشره، موروث عظيم وكبير وبوصلة لا بدّ من الاسترشاد بها والاستفادة منها، لأنّها أُسّست بِموجبها حضارة غيّرت وجه الإنسانيّة. لكنّه لم يقف عند ذلك، بل كان واعيًا لحال العالم المُتغيّر. وأنّ سنّة التّغيير هي سنّة لا بدّ من التّعايش معها وتوجيهها إلى نواحي الخير. انطلق من بلدة كفر قاسم الّتي عانت من مجزرة قام بها معتدون. هذه القرية الوادعة، شأنها شأن مدن وقرى عربيّة أخرى في أرض الإسراء والمعراج، عانت من الظّلم لكنّها استطاعت أن تتحدّاه وتنطلق. هذه الانطلاقة يمكن ترجمتها من حالة صراع البقاء إلى الرّباط والبقاء نحو المناعة، التّطوّر، التّمكين والتّنمية المستدامة. وأنّ انطلاقة الدّعوة الإسلامية هي بمثابة بوصلة موجّهة لأبناء شعبنا العربي الفلسطيني الّذين تحوّلوا إلى أقلّيّة مغلوبة في وطنها تمارَس ضدّها سياسات عدوانية تمييزيّة يوميّة. تُرجمت هذه السّياسات إلى مصفوفة ضبط وسيطرة ذكيّة تشمل مركّبات ناعمة وخشنة. هذه السّياسات سعت نحو تشويه بوصلة التّطور والتّمكين في مجتمعنا العربيّ الفلسطينيّ.
كان واقع البحث عن بوصلة منظّمة وموجّهة هو أحد أدوار الشّيخ عبد الله الّذي آمن بأنّ الإسلام هو الحلّ، وهو المرشد والموجّه، أو يمكن القول أنّه أفضل حلّ لواقعنا ومستقبلنا في الوطن، وحتّى في العالم. كانت انطلاقة مشروع الحركة الإسلاميّة، الّذي اعتمد الوسطيّة، الشورى والفكر الإنسانيّ الداعي للخير، من خلال دوائر توسيعيّة من كفر قاسم إلى المثلّث، والجليل والنّقب والمدن الساحليّة. رافق الشّيخ إخوة وأخوات آمنوا بذات الفكر وطريق الممارسة، وانضمّ إليهم لاحقًا ولفكرهم ومشروعهم آخرون، حتى كَبُر هذا المشروع وأصبح له حضور يُحسب له حساب على المستوى المحليّ والقطريّ، وحتّى اعتُبر نموذجًا لحركات إسلاميّة في مواقع أخرى انتقلت بفكرها من العالميّة للوطنيّة المحليّة. وقام مؤسّس المشروع بدفعه نحو إقامة مؤسّسات عاملة تُدار من قبل إخوة وأخوات، يعتمدون على موارد محلية ذاتية، يسعون إلى تحقيق مشروع نهضويّ للعرب الفلسطينيّين في إسرائيل كمجتمع جمعيّ دون إنكار لمشاريع أخرى، بل يعملون من أجل التّكامل والتقاطع معها في بعض الأمور والاختلاف معها بأدب في أخرى دون التّجنّي عليها. هكذا سعى الشيخ الى تأمين التوازن بين وجودنا كعرب داخل دولة يهودية، خلقت معيقات وتحديات جديدة امامنا، وبين المحافظة على القِيَّم والهوية العربية والإسلامية.
 
تميّز الشّيخ في الاستعداد، الرّغبة، القوّة وقدرته على التّشابك مع المختلف والآخر لتقوية مشروعه وحمايته ودفعه إلى الأمام نحو التّوسّع والتّأثير. تمثّل ذلك بالتّشابك والحوار مع المختلف من أصحاب الأفكار ووجهات النّظر المختلفة. علم رحمه الله أنّ الحوار مع الذّات مهمّ جدًّا لكنّه لا يكفي، فواجبنا أيضًا الحوار مع المختلف والتّكامل معه إذا اقتضى الأمر أو مخالفته وفهمه وأخذ الدّروس والعبر من هذا الحوار من أجل بناء مشروعنا ومؤسّساته وحمايته، وهذا أساس كلّ عمل ناجح، خاصّة في بيئة جيوسياسيّة اجتماعيّة واقتصاديّة مركّبة.
هناك من ينتقد الشّيخ على هذه الحوارات واللّقاءات سواء كانت محليّة، قطريّة أو دوليّة. هذا الانتقاد مردّه إلى قصر النّظر الّذي عافى الله منه شيخنا، فابتعد عنه وتجنّبه موقنًا أنّ الحوار أساس كلّ دعوة ونشر كلّ فكرة وترجمة عمليّة لكلّ مشروع، لا سيّما ونحن في عصر الحوارات الحضاريّة لتجنّب الصّدامات الحضاريّة، وأنّ الاستعداد للحوار والمشاركة هو تعبير عن قوّة المشروع وأصحابه، وأنّ إنكار المختلف والتّقوقع على الذّات هي حال الضّعيف الّذي لا يكون حاضرًا لعصره ومنتجًا لواقعه، خائفًا أم متخوّفًا من التّشابك مع الآخر، وهي أمور تجنّب شيخنا سلكها ولم ينصحنا باتّباعها، وبذلك جسّد مفاهيم ديننا الحنيف، دين الهداية للبشريّة، رغم تعدّد شرائعها. 
كان شيخنا على دراية بأنّ كلّ مشروع فكريّ وسياسيّ اجتماعيّ له مراحل ويواجه كثيرًا من المعوّقات والحواجز الّتي تسعى إلى صدّه، ولكنّ الحكمة أن يعرف الإنسان القائد التّمييز بين ما هو أساسيّ وما هو ثانويّ، وأن يدافع عن مشروعه من الوأد والاعتداء متجنّبًا حال المراهقة الجامحة أو رغبة إنجاز مؤقّتة. لقد تعلّم هو نفسه من تجاربه الشّخصيّة أنّه لا يمكن حصد النّتائج وقطف الثّمار قبل أوانها، فعرف كيف يوازن بين الانتماء لعقيدة الإسلام وممارسة حياة الإيمان وبين حفظ القوانين الوضعيّة التي لا تتعارض ولا تمانع عقيدة الإسلام وممارساته اليوميّة، وعلم كيف يحفظ العهد، ويبغُض التّطرّف والمغالاة الّتي تهدم الإنسان والمكان، لذلك وجدناه يطالب بالمحافظة على المواطنة كمركّب مركزيّ من حياة الإنسان في وطنه، وألّا يعتدي المواطن على القوانين التي تسعى الى تنظيم حياة الإنسان في بلده وتساعده في الاستقرار والنّمو. إنّ هذا الفهم الواعي والراشد لواقع مُركّب كان من سمات شيخنا، لذلك نجده يحذّر من الاعتداء على القانون وتجاوزه، لتأمين حقّ المواطنة الكريمة المتساوية والمنصفة. موقفه هذا من القانون ليس لأنّه يشرعنه، أو من موقف الاحتواء والمهادنة في ظلّ المواطنة، حتّى لو كان بها بعض النّقصان، بل بنى موقفه على تفضيل توفّر القانون والمواطنة كحلّ أفضل من الفوضى الّتي تشكّل خطرًا وربّما توصل الإنسان إلى المهلكة خاصّة في حالة عدم تكافئ الأطراف وغياب مشروع آخر فاعل منظّم لمجتمعنا. علم شيخنا أنّه لا يوجد فراغ فإن لم يعمّ الخير، سيتربّص الشّرّ في النّاس وينتشر، وممارسة فقه الأولويّات والمقاصد هو بوصلة ربّما تتلخّص بالقاعدة الفقهيّة، درء المفاسد قبل جلب المنافع.
آمن شيخنا بالتّداول، وهو سنّة محمودة. لذا نجده رغم أنّه المؤسّس والكبير، يعرف مكانة الأكّاديميّين ودورهم الإداريّ والتنظيميّ فيستمع إليهم ويشاورهم ويتعامل معهم بصفتهم إخوة يتشاركون معه في بلورة مشروعه ونشره. وكم هو جميل أن ترى إخوته ورفاقه رؤساء للحركة الإسلاميّة وهم ما زالوا أحياء متحابّين جالسين جنبًا إلى جنب يكملون المسير على الدرب. هذا الاستعداد بالتّداول مردّه إلى فهم عميق بأنّ الفكرة والرّسالة والمشروع أهمّ من الشّيخ والشّخص. هذه المدرسة المحمّديّة صلّى الله عليه وسلّم الّتي مارسها شيخنا تُعدّ من صفاته الحميدة، وانتقاله إلى دور إداريّ آخر لا يقلّل من دوره، بل على العكس، زاده مكانة ومكّنه من التّفرّغ إلى أدوار ومهام أخرى. لقد علم الشّيخ وعلّمنا أنّ الإنسان المعطاء المليء والواسع يستطيع أن يكون له حضور ويملأ فراغًا أو يبادر إلى تعبئة فراغات أو يبادر لإنتاج مهام تخدم الفكرة، الرسالة والمشروع. وكثيرة هي هذه الفراغات الموجودة في حياتنا والّتي ما زالت تبحث عمّن يملأها. إنّ التّنافس على المشهود والمعروف لاقتناص الدّور، وفي بعض الأحيان على أسس انتهازيّة، هي حال أو صفة من صفات ذوي الفكر المحدود فقط. لا شكّ أنّ فكر وممارسة التّداول هي من صفات النّضوج، وأنّ كلّ مؤسّسة ناضجة تستطيع أن تمنح قيادة الإدارة التّنظيميّة لجيل جديد من أجل الاستمرار والنّمو والاستدامة. إنّ التّفكير القاصر الّذي يلخّص بالشّخصنة والأنا، وبالادّعاء "إذا لم أكن أنا فالمؤسّسة والفكرة غير موجودة"، كان بعيدًا عن سلوك الشّيخ وخصاله كما عرفتها. هذا الفكر الّذي لا يبقى عند حدود الذّات، بل ينتقل إلى الموضوع، رغم أهمّيّة الذّات في السّياق المناسب، هو درس نتعلمه للانطلاق نحو المستقبل في بناء مشروع حضاري نهضوي لكافة أبناء مجتمعنا، متحررين من أسر واغلال نضعها على أنفسنا، ليس لها أساس في ديننا الحنيف.
لا شكّ أنّ هناك حاجة لدراسات نقديّة، تقييميّة واقعيّة لفكر وممارسة الشّيخ عبد الله، وهذا أمر محمود ومنشود. ويجب مراجعة نهجنا مستضئين في ممارسة أفكار الشّيخ في سياق حالنا. لأجل ذلك يجب إجراء لقاءات عصف فكريّ، مؤتمرات علميّة وأيّام دراسيّة، نقوم خلالها بإحقاق حقّه. علينا أن ننصف شيخنا بأنّه المؤسّس المجدد لطريق معتمدة على فكر قويم، وأنّه ذو الدّور الرّئيسيّ والرّائد في نشره ودفعه في واقع مركّب. هذا دور المؤسّس والحامي لأبنائه نسأل الله أن يكون في ميزان حسناته وأن يكون جزءًا من صدقة جارية له. تقع علينا نحن المستمرّون على دربه مسؤوليّة مركزيّة تطوير وتمكين هذا المشروع الإنسانيّ الأخلاقيّ. علينا أمانة مركزيّة في تجديد خطابنا، حضور عصرنا، الاستعداد والإعداد لمستقبلنا، والتّوسّع في مشروعنا لأنّنا أصحاب فكر ورسالة، لا يمكن إبقاؤهم في صفحات الكتب أو جنبات/حيطان المساجد، بل يجب ترجمته إلى برنامج حياتيّ وطنيّ إنسانيّ، وهذه مهمّة لا بدّ من إنجازها، لنساهم في أنسنة فكرنا ونشره لمجتمعنا والعالم كافّة.
رحم الله الشّيخ عبد الله، وأسكنه فسيح جنانه، كان قارئًا فطنًا للمشهد بدوائر مختلفة، معتمدًا على منهجيّة تركيبيّة، محدّدًا البوصلة. أبقى لنا إرثًا نبني عليه متجاوزين الماضويّة، طامحين لإنتاج مستقبل أفضل لنا في الوطن. كم نحن بحاجة إلى تطوير وتمكين صياغة مشروعنا العربي الإسلاميّ الوسطيّ في مجتمعنا الّذي يعاني من إشكاليّات متعدّدة، مستنيرين من قراءة الشّيخ للمشهد، محدّدين اتّجاه البوصلة. بناء على هذه القراءة نكون شجعانًا مجتهدين ومجدّدين، غير ناسخين ولا مقلّدين من حال لحال خارج عن سياقنا. أسال الله أن ننتفع من قراءة الشّيخ، نستقي دروسًا وعبرًا منها، ونأخذ الفوائد لتحقيق البوصلة الّتي وضع الشّيخ بعض أسسها وعلينا الاستمرار في التطوير والتجديد، متجنبين الكسل الذهني والسلوكي، مجاهدين في سبيل نشر الحق بحكمة، دون اكراه او مغالاة. وآخر دعوانا أن الحمد لله، والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.   
 

لمزيد من اخبار محلية اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اخبار محلية
اغلاق