اغلاق

غريب في مدينته الغريبة...بقلم: عبد الهادي بويرات

صمت غريب يخيم ويكتنف أرجاء المدينة وشوارعها, غمرت خفاياه المرعبة جوانب الحارات المرتبكة, ثم تدفقت هذه

         
صورة للتوضيح فقط - تصوير cherrybeans-iStock

... الملامح النتنة أروقة شقتي, فأمسيت لا أعي ما يحدث...وهل طال غيابي عن هذه المدينة؟؟...كم سنة أو كم يوما أو كم ساعة؟؟ وهل خانتني نسائم أحداث المدينة لتستفرد بها؟؟وكيف استحوذ "الشياطين" عليها بهذه السرعة المهيبة فأنسَتها ماضيها الاصيل ورونَقها الغابر؟؟وما هو نمط التوالي الحسابي لهذا التغيير المقلق؟؟ أمصلحة من وراء هذا الانقلاب؟؟ ومن وراء هذا التشييع الجائر؟؟
لم ألبث ان عهدتها نبراسا لرونق المدن, فلم تنفك بعد في مخيلتي... نموذجا للأصالة الطاهرة, فقبل هنيات كانت تبلسم الفضاءات بأخلاقها وعراقتها, ترامت في اذهاني متناقضات لا بصيص لكنهها...تعيد لذاكرتي بعضا عن أحوال اصحاب الكهف...
هل نمت حقا؟؟ وفي جبال البنجلوس؟؟ ولماذا...؟؟  وكيف...؟؟...
ومع كل ذلك اخذت ألملم بقايا نفسي... مع شعور صاخب بالغربة المقيتة..... الغربة التي انصهر لونها الداكن المشؤوم بويلات هذه المدينة الموبوءة... المرعوبة... تغلغلت هذه التحاليل المسمومة كالصداع الحاقد المنتقم الى ثنايا أرواحي ثم الى تضاريس أنفاسي, تجتاح مخيخي وتلف أبداني...
أنظر إلى ساعتي...ما الساعة الآن ؟؟ انها متوقفة...
لا زمان ولا مكان؟؟
أنا بعلم يا ترى ام بحلم؟؟
هنالك شيء خطأ ...هنالك أمر غريب...غير طبيعي...رائحته غريبة تتسرب مع الهواء, تخترق الجدران وتتسرب الى أعماق أنفاسي, سحابة من الغابات المفترسة,  لا تلبث أن تعلن سيطرتها ليس على الفضاءات فحسب بل على جوارحي وأرواحي.
انظر من النافذة نحو الجبل البعيد...خلف المدينة, حيث تعودت ان أرقب مغيب الشمس هناك, لكن السماء بلونها الرمادي, أضفت على مشاعري مزيدا من الاغتراب, فتيقنت أن الزمن قد أضحى هو الآخر غريب عن هذه الديار الغريبة, يأبى التعارف والمصادقة ويرفض الانتماء والمحاباة .
...اغسل وجهي وأتحسس ثناياه...فقد أمست غريبة عليَّ هي الأخرى, ولم تهدأ أحاسيس غربتي إلاّ بعد ان لمحت صحيفة الأمس مبعثرة على طاولتي...فتأكدت عندها أن هذه هي الحقيقة الجائرة, وأن هذا هو الواقع المؤلم لهذه المدينة- افسوس العاتية- انها الحقيقة المؤلمة...التي لم اتوقعها ابدا ولم تكن لا بالحسبان, لا ولا بالخيال... ألا وهي... أن الغاب قد افترس المدينة...وأن قانونه قد أصبح دستورا لها...وأضحينا غنائما وفرائسا شهية لهذا الغاب الضروس, غاب حبكنا اطرافه بحنكتنا الضحلة, وغزلناه بعقولنا الجافة, وساندناه بنوايانا المغرضة...
وهكذا... تحققت من موت العدالة... ولمحت تآكل الأمان, آنست قتل الطمأنينة والهناء, وأبصرت الأباطيل تنهش لحم الحق, وأصغيت لاستغاثة المرعوبين, وتيقنت من ان حماقة الواقع وملامح الترهيب وفضاءات الرعب قد أمست سيدة المكان والزمان... تذوقت من قريب ومن بعيد... طعم أنفاس غياهب الظلم الرهيب, أنفاس آذتني وصعَقَت أحلامي ومَحَت تأملاتي الى أن اندثرت هذه الأحلام وتحطمت اشلاء اشلاء...
تكدس يأس المشاعر بين جوارحي, وتراكم احباط الأحاسيس بين انفاسي... الى أن هرولَت هذه الاحاسيس منسحبة مستسلمة مع صاحبها "يمليخا"...بلا حول له ولا قوة أمام غابات الغرائز, وأنه من العبث حتى...التفكير في معالجة هذا الواقع الرهيب وحقائقه المؤلمة... لا ولا بالأحلام والتأملات.
لا أصلح أن أكون "يمليخا" يوما...وراودني الشك أنني لا أقدر ان أصلح أهل مدينة الغابات, التي أضحت نفوس سكانها جشعة كجشع "دقنيوس" المجرم...
انسحبت مسرعا... الى ما وراء المدينة...ألملم أذيال هزيمتي تارة, وأستجيب لتمرد الخير في شراييني تارة اخرى...ألبي طلبات الخنوع هنية, وأستجيب لهيجان الاصلاح في صمامات قلبي هنيات, أساوم الاستسلام مرة, وأساند التحدي والانتصار مرات عداد...
 لن استسلم...ولن أيأس ...فما إيماني الّا من العناصر الفولاذية وما عزيمتي الّا من بهيج الانتصار وما تصميمي الّا من سؤدد الرفعة والمجد.... 
تيقنت أن هذا هو خياري...وهذا هو ما أصبو اليه...من أجل أهلي ومدينتي الحبيبة... لأن تمرد الخير لم ينفك يسري في شراييني...ولأن ثورة الاصلاح تتأجج في صمامات قلبي...ولأن التحدي والانتصار اضحيان أربي الوحيد...
هاجت النفس وتمردت على جوارحي... أرواح النصر أخذت تتأجج بين ضلوعي... حتى أصبح التحدي بين اعضائي رائدا للنفوس والأرواح, يؤلف بين صمامات قلبي وخلايا عقلي ومخيخي... يداعب انتصاري على قانون الغاب...ويؤازر توفيقي في احلال السلام في مدينتي...ويدعم نجاحي في امتحان عزيمة الاصرار...ويعزز انتصار حقي وحق اهل مدينتي على الباطل الجائر...
وما أكد ثباتي الاّ قول العزيز القدير: "الذين قال لهم الناسُ ان الناسَ قد جَمَعوا لكم فاخشَوْهم فزادَهم ايمانا وقالوا حسبُنا الله ونعم الوكيل" صدق الله العظيم. 
آمن قلبي برسالته المقدسة, تيقن عقلي من صحيح دربه, غارت جوارحي على مصلحة أهلي وأحبابي في مدينتي الحبيبة...
تحققت أمنياتي لا محالة...ودون أدنى شك...حل الأمان والاطمئنان في ربوع بلدتي...الطيبة.
وما الثواب الاّ على الكريم المعين, الذي قال: "تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا, والعاقبة للمتقين "صدق الله العظيم.

عبد الهادي بويرات  - البيار, ام الفحم
مدير المدرسة الثانوية التكنولوجية سخنين للبنين - في ام الفحم 

 بإمكان متصفحي موقع بانيت إرسال أخبار وصور لنشرها في موقع بانيت مجانا على البريد الالكتروني :panet@panet.co.il

لمزيد من مقهى بانيت اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق