اغلاق

عيد بأية حال عدت ...؟! بقلم: غسان حسن

عنوان المقال هو مطلع بيت من قصيدة للشاعر المتنبي الذي يقول فيه: " عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ بمَا مَضَى أمْ بأمْرٍ فيكَ تجْديدُ" ..


تصوير: المربية رانيا شلش
                                      

ولا ندري ان كان التجديد إيجابي أم سلبي وها هو العيد قد أقبل ورمضان قد أدبر ولا أوحش الله منك يا شهر الغفران وقد ولى عنا حاملا معه مغفرة وأجر كل من صلّى وصام تحسبا وايمانا، ولكنه رحل مجروحا وعليه وشحات من أسى وحزن على ضحايا القتل في كل البلاد، رحل متألما على شباب مسلم يجاهر، يشهر ويعلن افطاره في وضح النهار أمام الجميع ويتصرف بسلوكيات لا تليق برمضان.
 والله وعزة الاله الأعلى أقولها أسفا أنك لا تستحق منا هذا يا شهر الخير ومن يدري ربما تنزل الهداية في السنة القادمة على شبابنا وربما تكون هناك صحوة من الجميع ونحيا ورمضان القادم بليال جميلة مشرقة أكثر وايام فضيلة لا نشهد فيها الا الخير والمحبة والتسامح. وان كنا قد شربنا بكأس المر هذا الشهر فهناك ثمة كؤوس عذبة كانت موجودة بيننا ولم ننتبه اليها فنحن وبرغم ما حدث أمة خير لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة" حديث مسند عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والحق الذي نتحدث عنه هنا والذي جعلني والكثيرين أشعر بالأمان والطمأنينة هو الحق المشروع من الله للناس للذين ضاقت عليهم سبل الحياة وذكروا في القرآن -الذي لم يترك شيء الا وتحدث عنه – بالسائلين والمحرومين.
قال الله تعالى في سورة الذاريات: " وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ"(19) صدق الله العظيم.
ما يبشر بالخير ويضفي علينا العزاء والسلوان بعد المآسي التي حصلت أن هؤلاء الأشخاص الذين ذكروا (في أموالهم) أي الذين أغدق الله عليهم المال الوفير والفضل الكبير قد تذكروا من ذكرهم القرآن (بالسائل والمحروم) وانا شاهدتهم وهم يتوجهون الى القائمين على جمع الزكاة وصدقات الفطر ويقدمون ما فرضه الله عليهم بكل سخاء وسماحة، بارك الله فيهم، وهنا حري بنا أن نعرض الى الأشخاص الذين يجمعون هذه الأموال ويوزعونها بشفافية، صدق وامانة الى من هم بعوز وحاجة.
معظم هؤلاء الأشخاص يعملون في إطار اللجان ومكاتب وجمعيات والحقيقة أنها منتشرة في البلاد بغزارة ما يبعث على السرور، وكمثال على هذه الجمعيات: "الجمعية الإسلامية لإغاثة الايتام والمحتاجين " في قرية المشهد بإدارة الدكتور الشيخ والامام محمد سلامة حسن المكنى "بأبي علي". ذات عصر من أيام الشهر الفضيل دخلت الى مكتب هذه الجمعية على حين غرة للسلام وللتواصل بكونه أحد أقاربي الذين أعتز بهم، رأيت العديد من الأشخاص يسلّمون المال للشيخ أبو علي ويقوم بتسجيل المبلغ الذي تبرع به وعلى الفور يضع المبلغ في مغلفات يكتب عليها أسماء الأشخاص الذين ستصل إليهم هذه المبالغ.
الحمد لله اننا ما زلنا بخير ونحس بآلام بعضنا البعض، أفادني الشيخ محمد سلامة ان هذه الجمعية لها فروع عدة في البلاد وتصل الى النقب والى أبعد من ذلك – الى الضفة والقطاع والى جنوب تركيا، شمال سوريا واليمن -لدعم الاخوان المنكوبين وبشّرنا كذلك بان لجنة الجمعيات في الأمم المتحدة منحت هذه الجمعية المحلية صفة الاستشارية لدى الأمم المتحدة بحيث أصبحت من المؤسسات المعترف بها دوليا.             قبل أن أغادر المكان وددت أن أنقل لإخواني القراء بعض المعلومات الدينية القيمة التي تتعلق برمضان منتهزا فرصة وجودي مع الشيخ أبو علي، هذه المعلومات حول: زكاة الفطر (الفطرة) وهي كما قال الشيخ أبو علي أن مقدارها هو خمسة عشر شاقلا عن الفرد والمهم ان تقدم قبل صلاة العيد للأقربين او للمحتاجين. وحول كفارة المريض المزمن والمباح له الإفطار وهي أيضا خمسة عشر شاقلا عن كل يوم للفرد الواحد اما المسافر او الذي ألم به مرض زائل فليس عليه كفارة بل صيام أيام اخر.
وبالمناسبة فان نصاب الزكاة لهذا العام هو اثنا عشر ألف وسبع مئة شاقل.
باسم الجميع ابارك لهذه الجهود وجزاهم الله خيرا.
أمر اخر أفرحني كثيرا وأيضا أنساني الدماء والمشاهد المرعبة ، هذا الأمر هو الأطفال الذين تغرس في نفوسهم العطاء والتفاني وايثار الاخرين عن النفس وهذا يعود الى التربية الحسنة في البيت وفي المدرسة وقد أتى ذلك صدفة بنما كنت بشان ما يتعلق بابني الطالب في مدرسة الشرق الابتدائية في مدينة الناصرة ورأيت الطلاب فرحين مبتهجين وهم يملؤون العبوات الكرتونية بالمواد الغذائية لتصبح طرودا غذائية توَزع الى الجديرين بها، وهذه المدرسة بالطبع هو مثال اذكره هنا اذ ان الكثير من المدارس والمؤسسات والمصانع قامت بذات العمل النافع، أدام الله كل من يمد يده الى الخير وشكرا لمعلمي مدرسة الشرق وللسيدة "سهير عبد الرازق" مديرة المدرسة.
زينة العيد متواضعة تتناسب والأحداث، هذا الشأن لم يفت رئيس بلدية الناصرة " السيد علي سلام" الذي نهنئه بعيد الفطر وننقل منه نيابة التبريكات للجميع. وبالزينة المتواضعة وبزينة القلوب الصافية نسعد بليالي رمضان، نسعد بلقاء الأحبة والتزاور شأن الناصرة شأن جميع المدن والقرى العربية بهذه العادات القيمة وقد سعدنا كذلك بأصوات كثيرة عبر مكبرات الصوت أحيت ليالي رمضان وليلة القدر من هذه الأصوات صوت الامام الشيخ ضياء أبو أحمد الذي داوم طيلة رمضان وكان اماما في صلوات قيام الليل المعروفة (بالتراويح). التقيت بفضيلة الشيخ والحاصل على اللقب الثاني في الشريعة حيث أثنى وأشاد -من خلال حديث معه – بالأطفال والشباب والشيوخ الذين اعتكفوا بالمساجد وقدّم شكره لهم وشدد السيد ضياء أبو احمد على موضوع أهمية المعاملة والتآخي فيما بيننا وقال :" لا يعقل أن نحيي الليلة في المساجد وفي قلوب البعض احقاد وضغينة بل علينا ان نملأ قلوبنا ايمانا وأجسادنا طاعة وان نحافظ على الروح والجسد وتابع قوله :" أصبحنا نرى تهاونا بكليهما وتخطينا خطوطا حمراء وصلت الى التهديد واطلاق النار على بيوت ومحلات تجارية وما هذا من الإسلام بشيء"،  وأخيرا قدّم تهنئته وتبريكاته بمناسبة العيد.
ولطالما صحونا في فترة السحور على صوت المؤذن وسام مروات، والجدير بالذكر أن الشيخ وسام صاحب صوت شجي، دارس للنغمات الموسيقية ويدير فرقة انشاد دينية قد أحيت جزءا من طقوس ليلة القدر في جامع السلام في مدينة الناصرة.
 ولا شك أن القارئ أدرك أن فكرتي من هذا المقال هي إزاحة النظر عن الأحداث المأساوية -التي نأمل ان لا تحدث أكثر وتتوقف – ولفت النظر الى الأمور الإيجابية والمفرحة ولتكن أيامنا كلها أعياد ولتتشابك الايادي من اجل مستقبل أولادنا ونتضرع الى الله أن يكون عيدنا عيد خير، تواصل ومحبة وكل عام والجميع بخير.


تصوير ياسر أبو ربيع


تصوير إبراهيم حسن

 

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق