اغلاق

ما هي الحجج المتبعة لرفض المخططات التي يقدمها المواطنون العرب؟!

يقدم المواطنون العرب بشكل مستمرّ مخططات هيكلية تفصيلية لتخصيص أراضيهم للسكن او التجارة او للصناعة وغيرها من الحوائج الناقصة في البلدات العربية، ولكنّ


المحامي قيس ناصر - صورة وصلتنا من المحامي

اللجان اللوائية للتنظيم والبناء، وهي الجهة المختصة حسب القانون، ترفض هذه الخرائط بحجج ومسوّغات تمنع الاستمرار بهذه الخرائط وتجهضها منذ بدايتها. أورد بايجاز خمس حجج شائعة كهذه، وهي في الواقع جزءٌ بسيطٌ من الحجج والشروط التعجيزية التي توضع كأحجار عثرة في طريق تنظيم الاراضي الخاصّة في البلدات العربية، وعلى نحو يمسّ قدرة المواطنين العرب على تسيير أمور أملاكهم وعقاراتهم بانفسهم وبشكل سليم وقانونيّ.
أولا، تعليق التخطيط حتى إتمام الخارطة الهيكلية الشاملة للبلدة. في اكثر من مرة قدم المواطنون العرب مخططات هيكليّة تقصيليّة عينية للبناء على قسائمهم الخاصة ولتطويرها، ولكنّ اللجان اللوائيّة رفضت البت في هذه الخرائط قبل اتمام الخارطة الهيكلية الشاملة للبلدة. تعلّل اللجان اللوائية هذه السياسة بحاجتها الى رؤية تخطيطية شاملة للبلدة، وعندها فقط يكون بإمكانها الحكم على الخارطة العينية المطروحة أمامها. يعني هذا الشرط من منظار المواطن أن ينتظر أعوامًا طويلة ويجمّد استغلال وتطوير قسيمته الى أجلٍ غير مسمى، وحتى تنتهي اجراءات المصادقة على الخارطة الهيكلية الشاملة للبلد "في يوم من الأيام"!
ثانيا، ربط التخطيط بمسألة منطقة نفوذ السلطة المحلية. تعاني مجموعة كبيرة من البلدات العربية مشكلةً في تسوية نطاق نفوذها، ولا تزال مساحات واسعة من الاراضي التي يملكها المواطنون العرب في مناطق لا نفوذ لها أو أنها في نطاق نفوذ سلطة محلية يهودية. وفي اكثر من حالة لم تقبل اللجنة اللوائية أن  تناقش مخططًا على ارض من هذا القبيل قبل أن يتمّ ضم الأرض التي يشلمها المخطط في نفوذ السلطة المحلية المعنية أو قبل أن تحسم مسألة نفوذ السلطة المحلية. تعلّل اللجنة اللوائية سياستها هذه بانها لا تريد أن تسير في مخطط عمرانيّ قبل أن تعرف السلطة المحلية التي ستكون الجهة المسؤولة عن تنفيذه من حيث شق الشوارع والانارة والبنى التحتية وغيرها. ولكنّنا في نهاية المطاف نتعامل مع شرط خارج عن قدرة ومسؤولية المواطن بل هو متعلق بالحكم المركزي،  وبإجراءات مضنية كلجنة بحث الحدود وقرار وزير الداخلية النهائي في المسألة، وهي اجراءات قد تطول أعواما كثيرة.
ثالثا، اشتراط مناقشة المخطط بتحضير برنامج تخطيطي. في كثير من الخرائط التي قُدّمت لتحويل قسائم أرض للسكن أو لغايات اخرى، طلبت اللجان اللوائية من مقدم المخطط أن يسلمها برنامجًا او مسحًا اجتماعيًا (باللغة العبرية "פרוגראמה") يبرر تقديم الخارطة وضرورة تصديقها. يهدف هذا المسح الى إقناع اللجنة اللوائية بأنّ هناك نقصًا في أمر ما يخص البلدة كالسكن او التجارة او المباني العامة، وأنّ الخارطة تهدف الى سد هذا النقص. تكمن المشكلة في أنّ تأمين مسح كهذا ليس بمقدور المواطن العادي لأنه مُكلِف جدًا كما ان إعداده يستغرق زمنًا طويلًا من عمل المختصين في جمع المعلومات والفحوص واستخلاص العبر.
رابعا، اشتراط مناقشة المخطط بتحضير مسح بدائل لموقع المشروع. حتى وإن اثبت مقدم الخارطة أنّ الخارطة تلبي حاجة حقيقية في البلدة، تطلب اللجنة اللوائية في كثير من الأحيان أن يقدم صاحب الخارطة مستندًا يبيّن مواقع بديلة للمشروع ويثبت أن موقع المشروع المقترح هو الموقع الانسب والافضل. يعني هذا الشرط من الناحية العمليّة أن يحضّر المبادر للمشروع مسحًا شاملًا للوضع التخطيطي في القرية والمواقع الممكنة للمشروع من حيث تخصيص الارض ومواصفاتها. هذه مَهمّة شاقة ومكلفة وطويلة جدًا. إلّا أنّ المشكلة ليست في الجانب المادي والتنفيذي للمسح فحسب، بل إنّ اللجنة اللوائية لا تعطي قيمة كبيرة لرأي السلطة المحلية، بل تشكك في مصداقيته ومهنيته، وهذا يعني انه حتى لو دعمت السلطة المحلية المشروع، وأكدت أنّ موقع المشروع هو الانسب في نظرها من بين المواقع الممكنة، لا تكترث اللجنة اللوائية لهذا الموقف، بل تصرّ على الحصول على مستند مسح البدائل والمعطيات كشرط لمناقشة الخارطة.
خامسا، طلب توسيع حدود المخطط. في حالات كثيرة يُقدّم صاحب الارض خارطة هيكلية تخصّ أرضه او بيته، ولكنّ اللجنة اللوائية ترفض مناقشة المخطط إلّا اذا تم تعديل حدود المخطط وتوسيع رقعته. على سبيل المثال، في إحدى الحالات رفضت اللجنة اللوائية المصادقة على خارطة هيكلية لترخيص بيت، وفرضت على مقدم الخارطة أن يعدّلها حتى تشمل كل البيوت القريبة من بيته وهي كثيرة. وفي حالة اخرى، رفضت اللجنة اللوائية السير في مخطط يشتمل في داخله على مقطع شارع، إلّا أن قدّم لها صاحب الخارطة تخطيطًا شاملًا لكلّ مسار الشارع، وليس للمقطع الذي يمرّ في القسيمة فحسب. وحتى وإن فرضنا أنّ اللجنة اللوائية تتوخى من هذا الشرط ان تحصل على رؤية شاملة لمنطقة المخطط، يعتبر هذا الشرط في حالات كثيرة تعجيزيًّا لأنّه ليس بمقدور المواطن العادي أن يحضّر تخطيطًا شاملًا لمنطقة الخارطة التي قدمها أو أن يخطط كل بيوت الحي أو الشارع كله لأنه امر معقدٌ ومكلفٌ جدا وفي كثير من الحالات لا يكون مقبولا على كل اصحاب الشأن والجهات المعنية.
يمكن طبعا أن نبرر الحجج التي تستعملها اللجان اللوائية للتنظيم والبناء كشرط لمناقشة الخرائط الهيكلية التي يقدّمها المواطنون العرب، وأن نفكر في ضرورتها فعلًا من أجل المصادقة على الخرائط. مع ذلك، من الصعب أن تنكر اللجان اللوائية الحقيقية الواضحة أن مثل هذا الحجج تمنع تنظيم الاراضي الخاصة في البلدات العربية، وتعوّق استغلالها بشكل قانونيّ. تكمن الخطورة في أن هذه السياسة هي نفسها ما يدفع المواطنون العرب في أكثر الحالات الى البناء دون رخصة، مضطرين أو من قبيل اليأس من الشروط التعجيزية التي توضع امامهم حتى يبنوا في أراضيهم بشكل سليم وقانونيّ. المحكمة المركزية في القدس نوّهت بهذا الخطر سابقًا في إحدى القضايا يوم قضت بأنه على مؤسسات التنظيم والبناء أن تزوّد المواطن بالتخطيط خلال وقت سريع ومعقول، وأنّ تقاعس المؤسسات في تنفيذ ذلك، يساهم في ظاهرة البناء غير المرخص لأنّ المواطن الذي يرى أنّه ستمر سنوات طويلة جدًا حتى تلبي لجان التخطيط حاجته سيقرر مضطرًا أن لا ينتظر ويبني بشكل مخالف للقانون. يؤسفني أن أجد أنّ هذه الرسالة الصارخة للمحكمة المركزية لم تلقَ آذانًا صاغية حتى اليوم، ولا زالت لجان التخطيط تتعامل باساليب تعوّق التخطيط، بدل أن تدعم المبادرات الذاتية للمواطنين، وبدل أن تفتش عن حلول مهنية تمكنها من المصادقة على خرائط المواطنين بشكل سليم وفي وقت مقبول!
 
 * مرشح للقب الدكتوراة في القانون من جامعة تل ابيب.

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق