اغلاق

أثينا.. مهد الفلسفة والتاريخ العريق

زرت أثينا للمرة الأولى قبل تسعة عشر عاماً وسحرتني بجمالها الطبيعي ومعالمها الأثرية الخالدة وثقافتها. وبعد مرور كل هذه الأعوام، قررت زيارة أثينا مجدداً


صورة للتوضيح فقط - تصوير: Ihor_Tailwind iStock

لأعيد استكشاف تلك المدينة اليونانية العريقة التي تجمع بين الثقافة والفن والمعالم الطبيعية الساحرة. حزمت أمتعتي وسافرت من بيروت إلى أثينا لقضاء ثلاثة أيام في ربوعها...
تعدّ أثينا مركزاً لليونان في الفترة الكلاسيكية، وبالتالي مركزاً للحضارة الغربية، مما يجعلها إحدى أقدم المدن المأهولة في العالم. واللافت أن أكثر التطورات أهميةً في العالم القديم حدثت في أثينا، وتمّ تخليد تلك الأحداث في مبانيها التي تتجذّر في التاريخ. أُعلنت أثينا عاصمة لليونان عام 1834، ومنذ ذلك الحين، أصبحت مدينة حضارية رائعة تنتمي إلى العصر الحديث وتتميّز بسحرها التاريخي الذي لا يقاوم. تقول الأسطورة إن مدينة أثينا مباركة من الآلهة الأولمبيين، وهي في الواقع خير دليل على اللقاء المذهل بين الحضارات القديمة والمجتمعات الحديثة، بحيث نجد في المدينة بقايا اليونان القديمة التي نشأت في وقت مبكر من القرن السادس قبل الميلاد، مثل أغورا، والأكروبوليس، وبوسيدون، ومعابد زيوس وغيرها... كما نجد في أثينا المباني الحديثة والأنيقة التي بُنيت أخيراً ومنها المترو الجديد... ولا تزال أثينا ملتقى الحضارات وخير تجسيد للمدينة الغنية بتاريخها العريق وماضيها المجيد.

الأكروبوليس Acropolis of Athens
فور وصولي إلى أثينا، وبعد وضع حقيبتي في غرفة الفندق، توجّهت إلى أكروبوليس أثينا أو الأكروبول الذي يعتبر الأشهر بين معالمها.
يقع الأكروبوليس في وسط أثينا ويرتفع حوالى 152 متراً عن سطح البحر، وهو عبارة عن جبل صخري شُيّدت على قمته مجموعة من المعابد لآلهة اليونان، ومن أهمها معبد البارثينون الذي يعتبر أيقونة معابد اليونان والعالم القديم على حد سواء.
وصلت إلى بوابة بروبيلين، أي المدخل الرئيس للأكروبوليس، ورحت أتأمل روعة اللوحات الجدارية الضخمة والزخارف والأعمدة العالية. ثم هرعت لمشاهدة مسرح أديون هيروديس أتيكوس، ذاك المسرح الضخم المشتمل على طبقتين من المدرّجات بشكل نصف دائري. عرّجت بعد ذلك على مسرح ديونيسوس الذي يعود الى الفترة الإغريقية ويحوي مدرّجات كبيرة تحيط بساحة للعروض من كل الجهات.
ومن قمة الأكروبوليس، تمتعت بمشاهد بانورامية رائعة للعاصمة أثينا بضواحيها وأزقّتها ومعالمها. وأؤكد لكم أن هذه الإطلالة الرائعة غير متاحة في أي مكان آخر في المدينة.

حي بلاكا التاريخي Plaka
بعد الانتهاء من زيارة الأكروبوليس، نزلت إلى حي البلاكا التاريخي الذي يضم عمارات كلاسيكية والعديد من المتاحف، إضافة إلى الكثير من الأماكن الأثرية القديمة، والمطاعم والمتاجر المخصصة لبيع التحف والهدايا التذكارية المصنوعة يدوياً. لم تغب عن بالي طبعاً زيارة جامع محمد الفاتح الذي تم تشييده عام 1458 والذي قام محمد الفاتح بزيارته.
وبعدما تضوّرتُ جوعاً، كان لا بدّ من تناول وجبة طعام شهية في أحد مطاعم الحي التي تقدم أشهر المأكولات اليونانية.

متحف الأكروبول Acropolis Museum
يقع متحف الأكروبول الجديد في شارع ديونيسوس أريوباغيتو على منحدر جنوب غربي هضبة الأكروبوليس في أثينا، ويعتبر من أشهر الأماكن السياحية في اليونان إذ تعرض فيه أهم الآثار والمنحوتات للمنطقة والحضارة اليونانية القديمة. تم تشييده عام 2007 وهو يشبه في طابقه العلوي معبد البارثينون الشهير.
فور دخولي إلى المتحف، تجوّلت في القسم الرئيس فيه، حيث شاهدت آلاف القطع الأثرية القديمة ذات الأحجام المختلفة والتي تمّ جمعها من جبل الأكروبول والمعابد القديمة. انتقلت من ثم إلى القسم القديم الذي يعرض آثاراً تعود الى القرن السابع قبل الميلاد وصولاً إلى الفترة الفارسية.
بعدها، زرت معرض البارثينون في الطابق الثالث من المعرض، حيث تتوزع قطع أثرية وتماثيل ومنحوتات تم جلبها من معبد البارثينون الشهير في الأكروبول.
يُذكر أن المتحف يضمّ متجرين لبيع الهدايا التذكارية، حيث الكثير من الكتب واللوحات الفنية والتحف والمنحوتات.

أغورا القديمة Ancient Angora
لكل من يرغب في استكشاف الأطلال القديمة والتعرف على التاريخ الثري في اليونان، أوصيه بزيارة أغورا القديمة، لا سيما أنها الموقع الأكثر شهرةً لتلك المغامرة التاريخية. تقع الأغورا القديمة في الشمال الغربي للأكروبوليس، وتحدّها من الشمال التلال المسمّاة أغورايوس كولونوس. كانت الأغورا أساساً المركز السياسي والإداري والاقتصادي والاجتماعي في اليونان القديمة، واشتهرت لكونها السوق الذي أخذ سقراط يطرح على المارّة فيه أسئلة فلسفية. كما أنها المنطقة التي تجرّع فيها سقراط السُّم.
يعتبر رواق أتالوس الإغريقي في أغورا القديمة الصرح الأكثر شهرةً، وقد تم بناؤه في القرن الثاني قبل الميلاد. ثمة متحف أيضاً في الطابق الأرضي من المبنى يحوي كمية كبيرة من الاكتشافات الأثرية التي يرجع تاريخها إلى آلاف السنين، مثل الفخاريات والمنحوتات والتجهيزات التي كانت تستخدم في الحياة اليومية.
يُذكر أن المكان يحتوي اليوم على العديد من الأطلال والتماثيل العملاقة وبقايا من عصور غابرة.

المتحف الأثري الوطني National Archaeological Museum
يعرض المتحف الوطني في أثينا التاريخ اليوناني منذ قديم الزمان، ومن فترة تمتد الى أكثر من 5000 سنة، بحيث يضم آلاف القطع الأثرية المكتشفة في مواقع مختلفة من اليونان. وتشتمل المعروضات في المتحف على المقابر الملكية، والتماثيل، والمجوهرات، والقطع الفخارية، ومن ضمنها زهريات وأوانٍ فخارية.
عند زيارتي هذا المتحف، حرصت على زيارة القسم الذي تعرض فيه مجموعة آثار الحضارات القديمة الخالدة من منطقة بحر إيجه، والتي تعود الى حقبات زمنية مختلفة من الألف السادس قبل الميلاد حتى 1050 سنة قبل الميلاد.
كما أُتيحت لي فرصة مشاهدة المنحوتات الرائعة التي تعرض تطور فن النحت لدى اليونانيين القدامى في الفترة الممتدة من القرن السابع حتى الخامس قبل الميلاد.
ولم تغب عن بالي طبعاً زيارة القسم الذي تعرض فيه الآثار المصرية القديمة وتلك الآتية من الشرق الأدنى والتي يعود تاريخها الى أكثر من 5 آلاف سنة قبل الميلاد وحتى بداية الحروب الرومانية.

تل ليكافيتوس Lykavittos Hill
يوفر تل ليكافيتوس إطلالة رائعة على معالم أثينا التاريخية ويبلغ ارتفاعه حوالى 300 متر. استخدمت شخصياً سكة الحديد المعلّقة للوصول إلى قمة التل، وكانت التجربة ممتعة جداً رغم أنها لم تستغرق إلا دقائق معدودة. لكن يمكن الصعود الى أعلى التل بواسطة السلالم المحيطة به، علماً أنها رحلة شاقة ومضنية.
وصولي إلى أعلى التل تزامن مع غروب الشمس، فكان المنظر ساحراً فعلاً، بحيث تلألأت أنوار أثينا أسفل التل في صورة بالغة الجمال.
زرت أيضاً مسرح ليكافيتوس الذي يستضيف حفلات موسيقية عالمية وتُقام على أرضه العديد من الفعاليات والمهرجانات، ثم أخذت استراحة في أحد المقاهي فشربت القهوة الساخنة وأنا أتأمل أفق المدينة.

معبد بوسيدون The Temple of Poseidon
كم كنت محظوظة عندما أُتيحت لي فرصة زيارة معبد بوسيدون الرائع في أول المساء، وتحديداً وقت غروب الشمس، بحيث تمكنت من التقاط الصور التذكارية المذهلة مع مشهد غروب الشمس الساحر. يقع معبد بوسيدون على بعد 70 كيلومتراً جنوب أثينا، وقد بُني على صخرة عالية ترتفع حوالى 65 متراً عن سطح البحر. تم تشييده عام 444 قبل الميلاد، أي في العام نفسه الذي شيّد فيه معبد البارثينون. تألف المعبد في الأصل من 34 عموداً، لكن 15 عموداً فقط من تلك الأعمدة لا تزال منتصبة اليوم.
في العصور القديمة، كان معبد بوسيدون مبعث ارتياح للبحّارة الذين كانوا يتأكدون بعد رؤيته من أن رحلتهم شارفت على الانتهاء، وباتوا على وشك الوصول الى اليابسة.

معبد البارثينون Parthenon
بُني معبد البارثينون الأغريقي على جبل الأكروبوليس، ويعتبر من أفضل نماذج العمارة الإغريقية القديمة. شيّده الإغريق خلال الفترة الممتدة بين 447 و432 قبل الميلاد. وقد صمّمه المهندسان الإغريقيان أكتينوس وكاليكراتس، وأشرف على أعمال النحت النحّات الإغريقي فيدياس. وبعد استيلاء القوات التركية على مدينة أثينا في منتصف القرن الخامس عشر الميلادي، أضحى المعبد مسجداً. وفي العام 1687، أُصيب معبد البارثينون بأضرار جسيمة عندما حاول سكان مدينة البندقية الإيطالية الاستيلاء على أثينا. فقد كان الأتراك يستخدمون المبنى مخزناً للبارود في ذلك العهد، وأدى انفجار هائل إلى هدم الجزء الأوسط من المبنى. وتم نقل معظم بقايا المنحوتات إلى متحف الأكروبوليس في أثينا والمتحف البريطاني في لندن. ولم يبقَ من المباني غير الأطلال.

الحديقة الوطنية National Garden
يمكنني القول إن الحديقة الوطنية هي من أجمل الأماكن السياحية في أثينا، لا سيما أن مساحاتها الخضراء تمتدّ على مساحة 15,5 هكتار. وهي تقع خلف مبنى البرلمان اليوناني، وفيها آلاف النباتات والكثير من الحيوانات مثل البط والطواويس والسلاحف، والعديد من النُّصب والآثار القديمة مثل اللوحات الفسيفسائية والأعمدة. تجولت في تلك الحديقة لبعض الوقت واستمتعت بروعة الطبيعة والتماثيل والنُّصب التذكارية.

ميدان سينتاغما Syntagma Square
يعدّ هذا الميدان من أهم الأماكن السياحية في أثينا اذ يكون مزدحماً باستمرار نتيجة توافد السكان المحليين والسياح الأجانب. تضم الساحة مبنى البرلمان اليوناني، إضافة إلى عدد من النوافير والجداول المائية المنتشرة في وسط الميدان وعلى أطرافه. استمتعت شخصياً برؤية التماثيل والنُّصب التذكارية الجميلة، ولا سيما تمثال الجندي المجهول، إضافة إلى عرض تبديل الحرس الذي يُقام أمام مبنى البرلمان اليوناني كل ساعة، علماً أن هذه العروض تُقام منذ العام 1821.

إلى اللقاء أثينا...
لا شك في أن قراري بالعودة إلى أثينا اليونانية بعد طول غياب كان من القرارات الصائبة، لا سيما أن رحلتي هذه كانت غنية بالمحطات المهمة، واللحظات الرائعة، والذكريات التي لا تُنسى. قطعت وعداً على نفسي بأن أعود إلى أثينا في القريب العاجل لاستكشاف ما فاتني منها هذه المرة، خصوصاً أن المدينة تزخر بالمعالم التاريخية والأثرية والثقافية، وتحتاج إلى أسبوع كامل أو أكثر حتى أتعرف إليها عن كثب...

 


صورة للتوضيح فقط - تصوير:Starcevic iStock


صورة للتوضيح فقط - تصوير: RobertBreitpaul iStock

لمزيد من صور ومناظر اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق