اغلاق

خربشات على دفتر الانتخابات ، بقلم: مصطفى عبد الفتاح

ساعة بعد الانتخابات، تكاد ان تكون الصورة واضحة ، نصف المجتمع العربي لم يصوت، تنازل عن حقه في التعبير عن رايه او قال رايه بعدم التصويت، ليطرح السؤال


مصطفى عبد الفتاح - صورة من الكاتب

الكبير حول الجدوى من عدم التصويت، هل نحن كأقلية قومية مقموعة تعاني الامرين من العنصرية والتمييز والاضطهاد نملك رفاهية حق المقاطعة في الانتخابات؟ او اخذ موقف الحياد، والركون الى الحائط دون ان نحرك ساكنا لنقول هذا موقفي او هذا رأيي؟  أليست مفارقة غريبة، ان تكون نسبة التصويت للسلطات المحلية تفوق ال 95%، ويرافقها صراع مرير بين القبائل والحمائل والملل على السلطة، وفي انتخابات الكنيست التي من المفروض ان تكون اهم عشرات المرات، ان تتقاطع الالسن وتنبري الاقلام داعية الى المقاطعة وعدم التصويت باعتباره عملا وطنيا وبطوليا بامتياز؟  وكي لا نضع اوساخنا تحت البساط علينا ان ندخل في نقاش معمق دون تشنج ومواقف متعنتة.

البرلمان هو المكان للنضال
برأيي لن نحرر فلسطين من الكنيست، وليست هي المكان لفعل ذلك. البرلمان هو المكان للنضال من اجل الحقوق المواطنية بالأساس وسن القوانين التي ترعى وتدعم حقوقنا الأساسية كمواطنين، وبعدها الدفاع عن   الحقوق الوطنية، والوجودية لنا كأقلية، مثل قانون القومية الحالي وسبقه العشرات من القوانين العنصرية التي هدفت الى الغائنا البطيء خطوة خطوة، ووقف في وجه هذه القوانين على مر التاريخ هم نوابنا العرب والديمقراطيين اليهود. الكنيست ليست المنبر النضالي من اجل تحرير كامل التراب، ولا المكان للدعوة للنضال المسلح، خاصة بعد أداء يمين الولاء، الوصول اليها يعني اننا وصلنا الى احدى ساحات النضال والمطالبة بالحقوق اليومية والحياتية، وهذا لا يعني اننا سنحقق كل ما نصبو اليه، ونحقق امال وتطلعات شعبنا، عضو الكنيست ليس حاكما بأمره، ولذلك رفقا بهم، لا يجب ان نحملهم أكثر من طاقتهم، ونهاجمهم على أتفه الأمور.
علينا ان نضع النقاط على الحروف ونعمل على فهم الرسالة والموقف الحقيقي والواقعي من خلال خوض الانتخابات او التمثيل في الكنيست الصهيوني والا سيبقى النقاش بيننا بلا طعم وبلا فائدة ترجى. كي نكون دقيقين في توصيفنا للوضع، فمما لا شك فيه ان هناك ازمة قيادة حقيقية يجب بحثها وفحصها واستخلاص العبر منها، هناك ازمة خانقة في الأحزاب السياسية التي توقفت عن الحراك، وتوقفت عن تنظيم نفسها، مما يدل على انها عجزت عن متابعة تطورات العصر، وعجزت عن تجديد نفسها والوصول الى كوادر شابة معطاءة مستعدة لتقديم نفسها من اجل خدمة قضيتها ولكن بأسلوبها وبطريقتها. الأساليب القديمة بليت وشاخت، ذهب زمانها، يجب العمل الفوري على استبدالها او على اقل تقدير تجديدها وتحديثها واعطائها صبغة العصرنة حتى تأخذ دورها وتستطيع العيش بسلام في مجتمع سليم.      

مجتمع عربي مختلف 
 نحن اليوم امام مجتمع عربي مختلف كليا عما كان قبل عشر سنوات مثلا، مجتمع يملك الإمكانيات المادية، هو أقرب الى الطبقة الوسطى، منه الى طبقة العمال والفلاحين، مجتمع متعلم متطور، متعصرن، فيه طبقة مثقفة تبحث عن وجودها وتعاني ازمة ضياعها في تيه التنافس والصراع على السلطة، فلا يسمعها السياسي ولا يأخذ برايها المواطن العادي، فتعيش في حيرة دائمة.  نعيش في مجتمع عربي مواقفه ليست نابعة عن خوف او جبن من السلطة، وانما نابعة من فهم ووعي لواقع يحاول ان يندمج فيه في الحيز العام دون جدوى، لان هناك اليمين المتطرف والعنصري يقف سدا في وجوههم، ومن الناحية الأخرى هناك مجموعة من القياديين المتشنجين، كحكام شعوبنا لا يريدون ان يخلوا الطريق او يفسحوا المجال امام هذه الخامات والطاقات الواعدة ان تنمو وتنتعش داخل مجتمعنا وتحمل راية المستقبل بهمة ونشاط.
لا بد لنا من وقفة مع الذات، بشجاعة، بصدق بأمانه وإخلاص، على الأحزاب السياسية ان تراجع نفسها، وتبحث عن السبل والبدائل للوصول الى قلب وعقل المواطن، تلبية مطالبه والاصغاء الى همومه اليومية والحياتية، وهذه ليست فقط مهمة عضو الكنيست وانما وبالأساس مهمة نشيطي الأحزاب وقياديها في المناطق والفروع، على الأحزاب منذ اللحظة وضع البرامج العينية واليومية والوصول الى كافة شرائح المجتمع على مدار العام، والتفاعل مع المجتمع واحياء الحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية بشكل واع واستنهاض الهمم. على الأحزاب خلق جو من التنافس الديمقراطي الواعي في صفوفها من اجل الوصول الى قيادات ميدانية محلية وقطرية تستطيع ان تقود مجتمع وتستجيب لرغباته وتطلعاته، حتى لا نقع في مطب انعدام القيادة، وان القائد يلتصق بالكرسي يبتغيها لنفسه فقط. 
 من اجل احترام وعينا وفهمنا اجيبونا بصدق الى اين ستأخذون قافلة المقاطعة وماذا بعدها؟ هذا إذا سلمنا جدلا ان نصف الشعب العربي الذي لم يصوت هو تحت قيادتكم وامرتكم، ولكم ان تحملوا راية النضال والكفاح وتسيروا به الى بر الأمان. ام اننا قمنا بواجب المقاطعة والتخريب على الأحزاب السياسية الفاعلة وكفى الله المؤمنين شر القتال؟ ام سيبقى نضالنا ومسيرتنا فيسبوكية تنتهي بانتهاء المعركة الانتخابية لتبدأ غيرها؟ هل لنا من وقفة مع النفس والضمير؟
 فهل سال المقاطعون للانتخابات بغض النظر عن دوافعهم ما الذي كسبوه، غير التنفيس عن النفس في حالة غضب؟
أخبرونا ما هي الخطوة القادمة مع 50% من شعبنا المقاطع للانتخابات؟ الى اين ستأخذكم وتأخذنا طريق المقاطعة؟
لا تقولوا لي برلمان صهيوني، لأني سأطالبكم بالتخلص من كل شيء صهيوني نتعامل معه وهو كثير.
لا تقولوا لي نريد ان نعاقبهم، لان العقاب لا يأتي بطريقة الانتقام وخراب البيت على من فيه، اوترك الميدان لحميدان، فقد تعلمنا ان الحوار والنقاش والتفاعل وابداء الراي والموقف هو الطريق لحل أي اشكال.
 لا تقولوا انهم لا يقومون بدورهم كما يجب، لأنني سأسالكم هل تقومون أنتم بدوركم، هل مستعدون للمشاركة في مظاهرة تجوب الشوارع ويشارك فيها الالاف، او في حمل لافتة كتبت عليها مطالبكم العادلة، في رفع شعار على الدوار، في الحضور الى النادي للاستماع الى محاضرة تثقيفية قيمة، او حتى قول كلمة حق امام حاكم ظالم.
لا تقولوا لي ان أعضاء الكنيست لا يعملون ولا يقومون بدورهم، قد يكون هناك تقصير وقد يكونوا فشلوا في إيصال رسالة مجتمعهم، ولكن هل قرانا شيئا عن نشاطهم، عن دورهم، عما قدموه من عمل، هل قارنا بينهم وبين زملائهم اليهود حتى توصلنا الى هذا الاستنتاج. ام اننا تحولنا الى بوق لأصوات مغرضة تبحث عن ضرب وحدتنا الوطنية.
لا تقولوا لي انهم يقبضون معاشا محترما من الدولة وهم لا يقومون بشيء، لأني سأقول لكم هل أنتم مستعدون للعمل ليل نهار بعيدا عن عائلاتكم دون مقابل؟
  ربما أراد البعض ان يعاقب الأحزاب السياسية، لتقصيرها ولعدم الاخذ بدورها القيادي، ولكن هل هذا هو المكان وهل هذا هو الزمان لذلك؟ وهل هذه هي الطريقة للعقاب. الم نبتعد نحن عن الأحزاب السياسية، وتركها تتخبط، لماذا لا تنضوي هذه الجماهير الى عضوية الأحزاب واخذ دورها وتشكيلها كيفما أراد الشعب، اليست الأحزاب والحركات هي ملك الشعب، إذا لماذا نعاقب أنفسنا بالمقاطعة ونحن نظن اننا نقاطع الأحزاب السياسية، وهل الأحزاب السياسية سقطت الينا من المريخ مثلا!   

صعود اليمين المتطرف  
  هل نصاب بعمى الألوان امام أي معركة نقوم بها ؟ ام اننا نبرر كل شيء ونفلسفه، من اجل قضايا انية ورؤية شخصية ضيقة؟ والا لماذا لا نرى صورة الوضع الان مقلوبا، أي انه كان بإمكاننا ان نغير المعادلة مع سبعة أعضاء كنيست إضافيين وان نقلب المعادلات في هذه الدولة ونفرض أنفسنا وقضايانا واجنداتنا بشكل واضح وجلي للجميع وبهذا نتوقف عن اتهام أعضاء الكنيست، فكفانا بكاء على الاطلال واتهام غيرنا بالتقصير.
   صعود اليمين المتطرف الى الحكم مرة أخرى، اشد قوة، وأكثر شراسة من السابق، الأحزاب العربية تتراجع امام إدارة الظهر لها من قبل الشعب، ورفض التصويت بحجة البحث عن الكرسي في القائمة المشتركة، والمقاطعة المبدئية، واللامبالاة، والحركة النشطة من قبل عشرات المغرضين والمدسوسين من الأحزاب الصهيونية، من اجل تحطيم المشهد السياسي كلية في الوسط العربي. ونحن الان نقف امام مشهد غريب يتنافس التجمع الوطني والحركة الإسلامية على مجرد عبور نسبة الحسم. فما الذي جنيناه وقد كان بالإمكان ان نوصل نفس العدد الذي اوصلناه مضاعفا على اقل تقدير؟
(ملاحظة :هذا المقال كنت قد كتبته بعد نتائج الانتخابات السابقة قبل اشهر ولم انشره في حينه ورايت انه من المفيد نشره اليوم وقبل الانتخابات القادمة ).

 
تصوير موقع بانيت

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق