اغلاق

بيت صفافا في عيون حماة الذاكرة !

يتبارى الفلسطينيون في حفظ ذاكرة وطنهم من مدن وبلدات وقرى ومخيمات في سياق الرد المنهجي والمؤثر على الرواية المختلقة المضادة الهادفة الى محو

 

تصوير : محمد زحايكة

ذاكرة الوطن الفلسطيني السليب.
وبرع الكاتبان المثقفان  المؤرخ الصفافي السبعيني مصطفى عثمان في كتابه الطبعة الثانية المزيدة والمنقحة بعنوان بيت صفافا – طيب المنبت وصفاء القلوب والمثقف رجل العلم والتعليم  الثمانيني عمر عثمان في كتابه وسيرة حياته " بيت صفافا وانا " في رصد وتوثيق بالصورة والكلمة لعالم بيت صفافا الغني بالتمرد والثورة والمقاومة والنهوض بالعلم من ركام التقسيم والهزيمة . ورصد الكاتبان كل بطريقته الخاصة  تاريخ المكان والزمان الذي مر على هذه البلدة الفلسطينية المقدسية الرابضة على الثغر الجنوبي الغربي لمدينة القدس العتيقة .
 
حكاية لها نكهة خاصة
وحكاية بيت صفافا القرية الجميلة الوادعة ، حكاية لها نكهة خاصة في السفر الفلسطيني ، فهي القرية المقدسية الوحيدة التي شطرت الى جزئين على اثر حرب 1948، الى جانب موقعها المتقدم على خطوط المواجهة الامامية مع العصابات الصهيونية ومقاومتها الباسلة رغم قلة العدة والعتاد مقارنة مع الجاهزية والتسليح العصري للعدو المدعوم من كبرى الدول الاستعمارية في العالم  .
ويتصدر بيتان من الشعر الشعبي الصفحة الاولى ، لكتاب المؤرخ مصطفى عثمان جاء فيهما  " .. هاتوا الجريدة تنقراها .. نشوف بلدنا مين تولاها ... يما ، بلدنا انقسمت قسمين ... قسم اردني وقسم اسرائيلي ...؟!  و يتغزل صاحب بيت صفافا - طيب المنبت ، فيقول مشببا  : " انا يا بيت صفافا في هواك متيم ... والعشق في شرح الاحبة قاتل  . 

" أعشق قريتي "
ويعبّر المؤرخ الصفافي عن لواعجه تجاه بلده ، فيقول " منذ صغري وانا اعشق قريتي واحبها ومتعلق بها واتكلم مع  كبار السن  فيها ، واتحدث عن روادها ونواديها واهلها وتاريخها وافراحها واتراحها وعن " الشيك " او السلك  الفاصل فيها ، وكذلك عن التعليم والرياضة واهلها ، فهي الحب ومقلة العين وبهجة القلب " .
ويضيف " لمست ان ابناء قريتي واهل القدس لا يعلمون كثيرا عن تاريخ قريتنا المجيد، ووجدت ان هناك نقصا بالمعلومات في المكتبة الفلسطينية عن بيت صفافا وايمانا باهمية القرية في الماضي والحاضر وجدت من الضروري الاهتمام والدراسة الميدانية والشفوية لان بيت صفافا تستحق ان يكتب تاريخها بماء الذهب "  .
ولم يكتف المؤرخ الصفافي باللقاءات والزيارات المنهجية لابناء قريته بل طاف على المؤسسات الوطنية التي زودته بالوثائق الايوبية والمملوكية والعثمانية التي اشارت الى بيت صافا وتبين له من احدى الوثائق ان حدود بيت صفافا  كانت تصل الى حدود حي الثوري في الشمال الشرقي في العهد الايوبي اي الى ما يقارب 600 عام .

" مراجع تاريخية "
وحرص الباحث على الوصول الى  جل المراجع التاريخية والجغرافية التي تتصل بالموضوع حيث صدرت الطبعة الاولى من الكتاب عام 2005 وكان صدر له كتاب شهداء بيت صفافا في الذاكرة عام 1999 ومعالم قرية بيبت صفافا 2015.
وأثنى الباحث المرموق عباس نمر على كتاب مصطفى عثمان الذي اعتبره مثالا يحتذى وقدوة تحاكى في الحرص على مسقط رأسه بيت صفافا الذي عمل على اعادة طباعة كتابة في نسخة مزيدة ومنقحة وان يستعيد كل ما فاته تسجيله في النسخة السابقة في الطبعة الجديدة لعام 2018 . ووصف الكتاب بانه  ممتع وبستان مثمر وثمين بما احتواه من كنوز لا غنى عنها وان بيت صفافا احدى القرى الحبيبة على كل اهل فلسطين ويكفيها فخرا انها من ضواحي القدس الشريف . واهاب الباحث نمر  بالباحثين والكتاب  الفلسطينيين ان يتداعوا للكتابة حول المدن والقرى الفلسطينية لتعم الفائدة وتنتفع الاجيال القادمة.

الاسكندر  مر من هنا ..
ويرد بين طيات الكتاب ان القائد التاريخي والفاتح العظيم الاسكندر المقدوني مر على حدود بيت صفافا واستقبله الاهالي بالثياب والرايات البيضاء فأعطاهم الامان فحصل الصفاء بين الطرفين . فيما يقال ايضا ان ابنة احد اباطرة الرومان استشفت من داء ومرض اصابها بالمكوث في بيت صفافا وهواها العليل والدليل على ذلك انشاء مستشفى في ثلاثينات القرن الماضي فيها على يد الدكتور محمود الدجاني .
ويتطرق الكتاب الى ابرز اثار ومعالم بيت صفافا كالبرج ومعمل الثلج والطاحونة ومغارة ومقابر القاعة والخمارة وقصر عويس   الروماني وبئر الاستراحة المعروف ب " قاديسمو " .

الفتوة والنجادة ومعارك بيت صفافا
وتطرق الكتاب الى تشكيل فرق النجادة والفتوة التي في ظاهرها حركات كشفية، لكنها عسكرية في جوهرها ودورها في الدفاع عن بيت صفافا حيث هب الرجال من شيوخ وشباب وكذلك النساء والاولاد في الدفاع عن قريتهم واستماتوا في المقاومة وسقط منهم الشهداء والجرحى ورصد الكتاب وصف تفصيلي لمعارك بيت صفافا وما حولها من احياء، وفي  فصل الحياة السكانية أتى على اهم رواد بيت صفافا ورجالاتها  ونسائها الافذاذ في مختلف مناحي الحياة وما حققوه من ريادة في مجالات شتى وخاصة في مجال التعليم.
وتناول في فصل اخر الحياة الاقتصادية والزراعية والتجارية التي تشكل مقومات الحياة في البلدة الناهضة رغم كل اجراءات الحصار ومصادرة النسبة الاكبر من اراضها والاستيلاء عليها ومحاولة خنقها بالاحباء الاستيطانية  والشوارع العريضة كما ورد في قراءة لخبير الاستيطان خليل تفكجي  . وياخذ فصل الحياة الاجتماعية الحيز الاكبر في السرد الممتع الذي يصف كافة تجليات هذه الحياة الجميلة من افراح ومناسبات وتراث عريق يتوارثه الابناء عن الاباء والاجداد من لباس وفنون شعبية وحكايات وأساطير تثبت التاريخ السحيق لشعب فلسطين في وطنه السليب. وهناك فصول عن التعليم والثقافة والجمعيات الخيرية والجوامع  ومعالم البلدة والمؤسسات الرياضية والصحيةفيها ،  و في نهاية الكتاب فصل السجلات والوثائق التاريخية التي تؤشر على العمق الحضاري الاصيل لهذه البلدة المصرّة على الحياة والتقدم والنهوض . وفي مسك الختام يصف د. محمد جادالله الشخصية الوطنية الاعتبارية الكاتب انه مسكون بحب بيت صفافا وسلّم نفسه لحجم دافق من العواطف والافكار التي تجتاحه والتي هي اكبر من ان يحتويها او يستوعبها الكتاب ، كما سلّم نفسه لكل ناقد شغوف بهذا العمل الاصيل وترك نفسه تنطلق الى المدى الاقصى معتمدا على الوثائق والروايات الشفوية لاصحابها " .

سيرة حياة الوجع الفلسطيني ..!
وفي السفر الثاني  " بيت صفافا وانا " تتبدى امام ناظرينا سيرة حياة فوارة ومدهشة للكاتب عمر عثمان، حيث نقتات معه على ادق التفاصيل الحياتية من خلال مزج العام بالخاص، اي  رواية أحداث وطنه وبلدته خصوصا وحياته وتجربته الخاصة المعمدة بالعرق والجوع والكفاح المرير ورفض الاستسلام الى حياة البؤس والشقاء، انما التجلّد والصبر وممارسة الاعمال  المرهقة والصعبة، ثم امتشاق سلاح العلم لهزيمة تلك الظروف البائسة .
ووظّف الكاتب الاحداث العامة ومواسم الحياة كموسم النبي  موسى وصوت صفير قطار سكة الحديد الذي يمر في القرية متجها الى غايته ، في شد انتباه القارئ، ثم قاده برفق وامتاع ودهشة ، ليعيش معه لحظة بلحظة ايام النكبة والمعارك الدائرة في بيت صفافا وحولها من خلال شاهد عيان منغمس في أتونها هو الكاتب بلحمه وشحمه واضطرار العائلة الى النزوح من منزلها الى وسط البلدة ثم الفرار من القصف والمعارك الى منطقة بيت لحم والعمل المضني لتحصيل قوت الحياة ولقمة العيش المر وما يقيم الاود خاصة بعد ان دخل منزل العائلة ضمن اراضي بيت صفافا لعام 1948 وتم فصلها عن باقي اراضي وأحياء البلدة ، فوجد الكاتب وعائلته أنفسهم مقطوعين عن باقي افراد العائلة في الجزء الذي بقي مع الاردن اثر اتفاقيات رودس .

طفل في المغارة ..!
ومن مشاهد السيرة الموثرة وصف الكاتب تجربة  العيش في مغارة وهو طفل في منطقة بيت لحم والعمل مع الجيش المصري واخبار المقاومة والجهاد المقدس بقيادة الشهيد المجاهد عبد القادر الحسيني وبقرات الجد التائهة وسط المعارك الدائرة  واللجوء الى خليل الرحمن وصراع البقاء من اجل لقمة الخبز وزيارة جده  السرية في ظلام الليل في القسم الاردني والصراع المرير من اجل التوفيق بين العمل والدراسة في ظروف من حصار للتعليم العربي في اراضي 1948 والعمل في بيع الاسكيمو وتوزيع اسطوانات الموسيقى والدراسة الثانوية والجامعية وقبل ذلك في المعهد البريطاني وصولا الى التعليم ثم ادارة عدد من المدارس في عين رافة وابو غوش وبيت صفافا من خلال العمل مع جهاز التربية والتعليم ، ثم يخوض الكتاب  في مسارب الحياة الاجتماعية لاهل بيت صفافا في ظل واقع تجزئة القرية وانعكاس ذلك على مجمل  نواحي الحياة من مناسبات افراح واتراح والسلك او " الشيك " الملعون الذي شكل صدمة  حياة  وندبة نفسية في قلوب ونفوس الصفافيين  لم تنتهي الا بزواله اثر كارثة حرب 1967 . ويستمتع القارئ في الفصل الاخير من هذا السفر الشائق بحكايات وقصص شعبية تمثل علامة فارقة في التراث والفولكلور الشفهي الفلسطيني الذي تم تدوينه في العقود الاخيرة  تشير الى وحدة الذاكرة والهوية الحضارية للشعب الفلسطيني في مختلف اماكن تواجده .
ويدّون الكاتب والناقد الاشهر ابراهيم جوهر في النهايات و بمداد قلمه الذهبي هذه السطور عن سفر عمر عثمان ورحلته مع الحياة  " حين قرأت هذه الصفحات بقلم كاتبها كنت اتجول معه في المكان وفي الزمان أتمعن المواقف واراجع الذكريات واستحضر الناس بطبيعتهم وعفويتهم وتوقهم وتحديهم ، ورحت أرسم خريطة للقرية الوادعة التي حاصرتها عيون الذئاب وسطت على جمالها فقسمتها وفرقت اهلها لترسي ثقافة جديدة بعيدة عن خط سير قطار البراءة والاصالة  " .

 

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق