اغلاق

الوقائع العجيبة في زيارة شمشوم الأولى لمانهاتن ! بقلم: د. أليف فرانش

ليس من المتّبع أن يبدأ المتحدّث، في أيّ محفل كان، بتصريح برّاق، قبل أن يعرض الخلفيّات والتداعيات، ويشير إلى المسبّبات، ويستعرض الاحتمالات المتوفّرة؛ لكني سأنتهج هذا المساء


صور من خلود فوراني

نهجًا مغايرًا، قد يبدو صلفًا، وغير معهود، لكنّ الحدث نفسه مغاير؛ وعليه، فلا يناسبه إلّا كسر بعض المسلّمات.
من يتتبّع المسيرة الأدبيّة للعرب الفلسطينيّين المتبقّين هنا على أرضهم فسيجدها قد مرّت بمراحل عدّة، من المرحلة الخجولة ومرحلة الصدمة وصولا إلى شكل واضح ناضج لهذا الأدب، بخطاب يعكس الألم والفقدان والوجع والحنين. كما نقرأ وكما قرأنا في أدبنا الرائع الذي جسّد مسيرة دروب من الألم، وجسّد التاريخ بما فيه، وبما زال منه، وبما تبقّى لنا. وأؤكّد هنا على المكانة الهامّة والخاصّة والسامية لما أنجز من أعمالنا الأدبيّة الفلسطينيّة، لا سيّما هنا، وليس الحديث عن جديدنا مسًّا بقديمنا بأيّ شكل من الأشكال.
لست نبيًّا ولا مؤرّخا، لكن دارسي الأنطولوجيا مستقبلا سيشيرون إلى دخول أدبنا مرحلة جديدة، أو منحة جديدًا تزامنًا مع صدور رواية الوقائع العجيبة في زيارة شمشوم الأولى لمانهاتن... ويمكنكم تسجيل إعلاني هذا في ليلة الإشهار. لا أبالغ إن قلت إنّنا بصدد دخول روايتنا الفلسطينيّة منحى جديد، يعزّزه صدور رواية كاتبنا هشام عبده، وذلك للأسباب التالية:
أ. التوجّه المضمونيّ الجديد المغاير: إنّها رواية تنتمي إلى ما تعاهدنا على تسميته بالأدب الملتزم، ذاك الأدب التوافقيّ الذي يلتزم بالقضايا الجمعيّة، يعرضها أيضًا بشكل توافقيّ يناسب الذائقة والذهنيّة والطقوسيّة الكتابيّة والمقروئيّة، لكنّ هشام عبده يطرح هنا أدبًا ملتزمًا وتوافقيًّا بأساسه فقط، لكنّه يبنيه ويعرضه بتوجّه جديد، توجّه افتراقيّ لا توافقيّ، وهو توجّه مغاير كلّيًّا للتوجّه المعهود في أدبنا الفلسطينيّ. فهو:
1. إنصاف للمرأة ودورها في مجتمع يشكّك في قدراتها، فيفرد بها دورًا محوريًّا، تمارس فيه الحرّيّة الفكريّة، وتؤكّد قيم التحرّر الذهنيّ الجندريّ، وتكسر الطابوهات القديمة. هدير ياسين تمثّل كلّ هذا، وهي من جهة التمسّك بثوابت الماضي، ومن جهة أخرى الانطلاق نحو أفق الغد وما بعده.

2. الانفتاح على العالميّة، ومشارك في المجهود العالميّ: حين فكّرت بعنوان بليق بالرواية، خطر في بالي اسم: رواية نهاية الصدمة. في هذه الرواية يُعلن هشام عبده انتهاء مرحلة الصدمة التي ما زالت تتعاقب فينا، مشوبة بالخوف والخجل والقهر والحذر. العرب، ممثّلين بهدير ياسين، ينهضون من شعور التقوقع والتقنّع، إنّهم هنا لا يحتاجون قناعًا بل قناعة نجاري بها الأحداث العالميّة كجزء من المشهديّة العالميّة، ونؤدّي بها أدوارًا كبيرة، ونبلي بلاء حسنًا.

3. مواكبة للركب الحضاريّ: تعجّ الرواية بالأجواء العلميّة، والمستجدّات التقنيّة، والعولمة باتّساع رقعة تجاذباتها، والعربيّ حاضر فيها ليس كمشاهد بل كمشارك فاعل. إنّها مقولة الوجود، وإشراك العالم في قضايا تهمّه وتهمّنا كجزء منه، في مسيرة من التجديد في مناحٍ عديدة من مناحي تفكيره وحياته. الرواية تكسر حواجز الإقليميّة، والرهبة لتصبح فيينا توأمًا لحيفا.

4.  الإيمان بمبدأ الندّيّة: العربيّ في الرواية واثق بنفسه، غير متلعثم، وليس خجولًا، بل يتّبع مبدأ الندّيّة في التعاطي مع القضايا التي تجمعه بالآخر أو تفرّقه عنه. هو مبادر، مفكّر، مخطّط، مؤثّر، يتّخذ القرارات، يدفع راغبًا في تغيير الواقع غير المتكافئ. تصرخ الرواية رافضة حالة الصدمة، ومنهية خطاب: "أجل، سيّدي". فلا انتظار لإشارة من حاكم، ولا اعتمادَ على أخ ظالم.

5. مجاراة الواقع بوجهة مستقبليّة استشرافيّة، لا أطلاليّة بل إطلاليّة.
العربيّ في الرواية لا ينشغل كثيرًا في البكاء على ما مضى، وإن كان ما حدث في الماضي كارثة وحدثًا جللًا ما زالت أصداؤه وتداعياته تهدر كاسم هدير ياسين، من مجازر وتشريد واغتيال لحلم شعب، لكنّه يختار هنا أن يحمل ألم الماضي لينطلق منه نحو مستقبل أفضل كمتساوٍ في صنعه، وفي الحفاظ على الأرض مكانًا يطيب العيش فيها. إنّه لا ينشغل ببكاء الأطلال بل في الإطلال على العالم الواسع.

6. المشاركة والانفتاح على تقبّل الآخر إنسانيًّا ونضاليًا. العربيّ احترف النضال وهذا ليس جديدًا علينا، وتعاون مع الآخر الذي احترمه وتفهّم قضيّته. لكنّه هنا شريك فاعل مع الآخر في سبيل تحقيق ثلاثة أمنيات:
أ‌. السلام العالميّ من دافع المشاركة الإنسانيّة العالميّة
ب‌. السلام الإقليميّ كدرء للظلم والاسترجال
ت‌. السلام المعيشيّ كمواطن له كلّ الحقّ في الحلم.

ب. التوجّه الأسلوبيّ الجديد، وأعني هنا اختيار هشام للجنس الأدبيّ المعروف عالميًّا بالأدب البوليسيّ، والأدب المخابراتيّ إطارًا مناسبًا للخطاب، لتضمّ الحبكة البوليسيّة، ومن ثمّ المخابراتيّة مجريات الحدث، وليتمكّن كاتبنا من إيصال خطابه من خلالها. هشام يتقيّد بأسس الكتابة البوليسيّة والمخابراتيّة، وهي بيست مألوفة للقارئ العربيّ خاصّة لمعالجة قضيّة ذات أبعاد سياسيّة اجتماعيّة، برواية معدّة للقارئ البالغ، وليس كما عوّدنا محمود سالم ونبيل فاروق وغيرهما من مغامرات للفتيان والأطفال، وفي هذا النوع الأدبيّ نجد عناصر اتّكأت عليها الرواية بتناسب كبير بين الخطاب وقالبه، وبين ما أسماه فلاسفتنا الكبار: التناسب ما بين الموضوع والمحمول؛ فهذا الإطار كان خير حامل للطرح المغاير الذي أراده الكاتب؛ فجاء الطرح مغايرًا بقالب مغاير. يختار هشام عبده الجانر البوليسي، ليس ككليشيه فقط؛ بل ويخوض في تفاصيل الجانر بتقنياته المستندة من الأدب الغربيّ، والتي تذكّرنا بمرحلة الطفولة في ألغاز محمود قاسم، ومغامرات نبيل فاروق، لكنّه ينطلق بجرأة وإصرار بالعمل الى الرواية وفي ذلك زخم وتجديد وطلائعيّة. الرواية البوليسية- المخابراتية بقيت بعيدة عن ذهن القارئ الغربي والمؤلف العربي؛ ونشطت في مضمار الادب غير الرسمي، ووجهت على الاغلب الى فئات عمرية تناسب الفتيان والشبيبة الرواية البوليسية- المخابراتية بقيت بعيدة عن ذهن القارئ الغربي والمؤلف العربي؛ ونشطت في مضمار الادب غير الرسمي، ووجهت على الاغلب الى فئات عمرية تناسب الفتيان والشبيبة.
ويجنّد هذا القالب لخطابه الحداثي الروائي في التعرض للممارسات الإسرائيليّة، ولكن بتوجّه جديد جدًّا منا في الداخل، وهو تخطّي صدمة النكبة والنكسة، والتعامل بالندّيّة التي افقترنا إليها بفعل المعايشات والممارسات والذهنيّة. يأتي عبده بذهنيّة جديدة، تلائم أكثر جيل واي، وهو جيل أبطال الرواية. وتظهر الندّيّة في محاور عدّة في الرواية انطلاقا من الندية في طرح العمل، والقالب، والحبكة.

أمّا العناصر فهي:
1. التمويه: لا يمكن لجريمة أن تُنفّذ دون تمويه، إلّا إذا قصد الفاعل أن يُمسّك به، ولهذا تعتمد الكتابة البوليسيّة في تقنيّاتها عنصر التمويه، إضافة إلى عناصر أخرى مثل: السرّيّة، البحث، التحقيق، ربط الأمور، التحليل، الكشف، العلم. التمويه يأتي في محاولة لطمس الأشياء، أو للتضليل، ووضع الصعوبات على محاولات كشف الحقيقة. هشام عبده يعتمد مبدأ التمويه في العمل لأكثر من هدف:
أ. التمويه العامّ. وهو تمويه في الأسلوب البوليسيّ.
ب. تمويه المقولة، وهو خاصّ يتناسب مع وضعنا في هذه البلاد حيث فيها من يؤمن أنّ المقولة جريمة. وهشام يموّه في الأسماء، والأماكن والبلاد، والأحداث، والأزمنة، والعلاقات. لكنّه يطلب قارئًا عارفًا ليكشف الإحالات، تمامًا كما أراد للجريمة أن تُكشف. الكتابة عند هشام فعل موازٍ للمعنى. (إدراج مثال: ألتنوئيل)
2. التلميح: الرواية مليئة بالتلميحات التي تأخذك بعيدًا، ثمّ تقرّبك، لتعيد أخذك إلى نواحٍ وغياهب جريئة، لتعود فتصدمك بأحداث ومجريات يلمّح لها، لكنّها تحيلك إلى حقائق نعايشها فعليًّا.
3. الموسوعيّة: يشعر القارئ في أماكن عدّة من الرواية، أنّه بحاجة إلى الاستفسار عن اسم أو حدث أو معلومة أوردها المؤلّف في سياق سرده أو في حوار الشخصيّات. هذه الموسوعيّة في المعلومات تعزّز الطابع العلميّ البوليسيّ للرواية، وتُدخل القارئ في أجواء الألغاز والأحاجي الفكريّة، لكنّها قد تشتّت ذهنه، ليجد نفسه أحينًا أمام كتاب تاريخ أو جغرافية، وهنا يمكن التخفيف من جرعة التوجّه التعليميّ.
4. التفصيليّة: بطبيعة النوع الأدبيّ، يحتاج المؤلّف إلى الدخول في تفاصيل كثيرة ليتمكّن من إقناع القارئ بالحبكة، ونحن بصدد حبكة بوليسيّة تقارب عالم المخابرات والصراعات الدوليّة. نجح هشام في تصوير هذه العوالم بدقّة، لكنّها أحيانًا كانت تأخذ القارئ إلى تفاصيل كثيرة قد تشتّت تفكيره عن المحاور الرئيسيّة، وفي ذلك إنجاح للأجواء البوليسيّة والتحقيق، لكنّه قد بكون مرهقًا للذهن أيضًا.
5. اللايقين: ينجح هشام في أخذ القارئ بجولة كأنّه على أرجوحة تهتزّ به، وتدور تدور لتُمحى آثار الطريق التي عليه أن يسلكها. هذا الجوّ من اللايقين المذهل يُدخل القارئ في أجواء الحدث من جرائم عدّة تتكوّن في الرواية: من جريمة القتل، والتعذيب في أقبية المخابرات، والمطاردات، والخوف من الحرب والقتل... وهي حالة تشابه ما نحياه في الواقع المتقلّب كلّ لحظة.
إجمال
لقد اعتدنا أن تتوجّه كتاباتنا نحو الماضي، تقلب الذاكرة معتصرة الألم، وهذا ما جعلنا نتمسّك بالهوية. عبده يفتح النافذة، بل يشرّعها على المستقبل، متمسّكا بثوابت من الماضي، لنكون جزءا تفاضليا منه وفيه. عبده يرفض دور الكومبارس في المشهدية الآنية والمستقبيلة في الدولة والمنطقة والعالم. هذا الخطاب حداثي، جريء، استشرافي، مغاير. 
أنّها رواية طرح الجديد وتحطيم الأيقونات القديمة. وكمن قدّم أطروحته حول الأدب البوليسيّ في العالم العربيّ أرى أنّ هذه الرواية تضع الرواية الفلسطينيّة على خارطة جديدة، وتضع الأدب البوليسيّ على خارطة جديدة، وتضع رؤيتنا لأنفسنا على خارطة جديدة، فنحن لسنا كما يريدوننا أن نكون، بل يمكننا المبادرة والأخذ بزمام الأمور للانطلاق إلى دور فاعل في الحياة العصريّة المستقبليّة.
     د. أليف فرانش
   (ألقيت المداخلة في أمسية إطلاق الكتاب في نادي حيفا الثقافي بتاريخ 14.11.2019)

لمزيد من مقهى بانيت اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اقرا ايضا في هذا السياق:
اغلاق