اغلاق

‘ رجال الكوكب الأزرق ‘ ، بقلم : حسن عبادي

"لامرأة تسقي وسادتها كلّ ليلة، لتورق الشمس، كلّ الحب" هو الإهداء في رواية "حيثُ رقصَ اللَّهَبُ" للكاتبة الفلسطينيّة، ابنة غزّة، ليلى حسن(تحوي الرواية 175 صفحة،



صادرة عن المكتبة العربية للنشر والتوزيع المصريّة، تدقيق لغوي: د. سامي قباوة، تصميم الغلاف: محمد علي والإخراج الفنيّ: جمال عبد الرحيم).

تدور أحداث الرواية في أحد مخيّمات اللاجئين في غزة؛ "رائحة الخبز المنبعثة من ضفائر النوافذ الملقاة على أكتاف الجدران في الحارة تشعرني أنّ معدتي تدغدغني. وقت الظهيرة دائمًا عامر بأصوات تحفّز على الجوع، قرقعة أواني الطبخ، صوت التلذّذ، الهمهمة عند التذوّق، والروائح الآتية من كل صوب  في الأزقة الضيّقة تخبرك عن نوع الطبخة في كل بيت. الجدران عتيقة، متلاصقة، تتسرّب من شقوقها الأصوات والروائح بلا خجل". وصفٌ يذكّرني بما حدّثني به صديقي بسام إثر زيارته للمخيّم حين قال بأنّك خلال تجوالك في طرقاته تشمّ رائحة الأكل وتعرف ما طبخته كلّ ربّة بيت، وفي الليل تكشف كلّ أسراره المكشوفة!
للمخيّم وطبيعة مكانه حضور لافت عبر صفحات الرواية: بعض البيوت احتفظت بتجاعيدها الجميلة وبأسطحها المثقوبة التي لا تردّ حاجة قطرات المطر حين تطلب المأوى وأخرى لحقها التطوّر وحقنت بالبوتكس!ّ" وتضيف: "مياه المجاري تتدفّق في الشوارع تغرق برائحتها كلّ مكان كأنّ المطر هو حجّتها الوحيدة للخروج من عتمتها"... ولكن شبكة المجاري لا تشتكي! يا لها من سخرية سوداويّة قاتلة!
تتناول الكاتبة في  الرواية  قضايا وظواهر اجتماعية لأهل المخيّم عامّةُ والمرأة خاصّة، بمنظار بطلتها التي تسكن في بناية  تقع عند أطراف المخيم، تعيش في الحارة منذ ولادتها ولم تغادرها حتى بعد زوجها، وتنتقد ذكوريّة المجتمع المفرطة وتحكّم الشرقيّ بالمرأة ومصيرها، فهي رهينة بين يديه، يحق له ضربها "أول صفعة في حياتي كانت ليلة الدخلة؛ لأنّه لم يفلح في أداء واجبه فكان عليه عقابي على ذلك"(ص.68) وتعنيفها بكلّ الصور ممّا يؤدّي لانتقام وداد من زوجها ورفيق سوءه عماد بحرق البيت عليها وعليهما معًا!
"لا بطلات" الرواية نساء ضعيفات؛ صديقة تنتحر لمنعها من التخصّص كطبيبة، صديقة افتراضيّة  تهرب من استبداد زوجها الشاذّ إلى دبي تاركة ثلاثة أطفال، سعاد تضطرّ أن تتزوج  أخ زوجها بعد أن ترمّلت لتبقى مع أطفالها، عبير السمينة تتزوّج من رجل  تزوّج قبلها ثلاث مرّات، الأم/الحماة التي تظلم كنّتها زهقًا وبهتانًا نصيرة ابنها الظالم، الأم التي ترفض تزويج ابنها من مطلّقة أحبّها، وداد تزوّجت نبيل الذي أحبّته رغمًا عن أهلها، ممّا جلط والدها ومات، وترك أخاها البلاد حسرةً لتكتشف أنّه تاجر مخدّرات! فقرّرت عدم الإنجاب فتُجاور، صدفةً،  ماجدة وأطفالها، فتشعر بالسعادة  والأمل.
  "ذكور" الرواية فاشلون، يمثلّون أنماطًا عاجزة وعنيفة، وشادي هو نقطة الضوء والحب، نصير المرأة المتمرّد على التقاليد والعادات، صاحب الفكر النيّر الذي هجرته بطلتها ماجدة لتتزوّج عماد حسب تقاليد العائلة البالية، تتجنّد لتربية أولادها لأنّ زوجها "هجرها" وسافر إلى البلاد البعيدة، بداية بحثًا عن رزقه خلف البحار، وهناك نسي العائلة والأولاد ليدمن الكحول والقمار والملذّات! وحين عاد فاشلًا صار مهرّب مخدّرات عبر الأنفاق! 
 جاءت النهاية صادمة؛ وداد تحرق البيت، تقتل زوجها نبيل وعماد وتنتحر حرقًا لتُنقذ ماجدة وأولادها! وتُريح المجتمع من مخدّراتهم المستوردة.

برعت الكاتبة بالوصف وتصوير العنف والألم وما بينهما: "صوت السوط، وهو يهوي على جسدها، يُخرج أنينها من بين شقوق الجدار، ويشعرني أنّ كلّ الأشياء من حولي تنكمش باعتذار".
لديها مقولة فلسفيّة واضحة لتبرير كلّ ما يحدث حول "بطلاتها"؛ "لم يكن زوجها ساديًا بل كان يجد أنّ الضرب هو اللغة الأفضل للتعامل مع زوجته" لتصل إلى النتيجة أنّ كلّ النساء اليوم موشومات برذيلة الخيبة، فعماد طيّب، ولكنّه أقلع عن التدخين؛ وهذا يؤثّر على مزاجه فيضربها ويضرب الأولاد إن "أخطأنا"؟!؟
الكاتبة ناقمة على وضع المرأة في غزّة والقيود الملقاة عليها، حين تتزيّن المرأة في غياب زوجها، فهذه شُبهة، نحن في مجتمع يفضّل الخيانة المستورة على الطلاق البائن!

نجحت الكاتبة بتجنيد السخرية السوداء لإيصالها رسالتها الحارقة: "كمن يطحن زبد البحر وينتظر أن يشربه لبنًا"، "أحيانًا علينا ارتداء الأقنعة جيدًا تفاديًا للسقوط"، "لو كنت أرملةً فلن أدفن عمري مع من رحل"، "خسرت كلّ شيء من أجل لا شيء"، "أحيانًا يكون البكاء طريقةً جيّدةً لقتل بعض الذكريات المزعجة"، "الصفعات التي لا تسمع صداها تقتلك من الداخل".
لغتها شاعريّة سلسة دون مجمّلات لفظيّة: "كنت أسرق من العمر لحظات لأقرأ رسائل شادي لأفكّر فيه كرشفة نبيذ تأخذني نحو السماء تثمل روحي الموجوعة بالشوق إليه"، "أنا وأنت فاسقتان ترقصان حافيتان على زجاج مكسور، نبكي لنلعق الملح من فوق أحمر شفاهنا"، "رائحة التبغ المنبعثة من النرجيلة تذكّرني بأبي، إذ كان يجلس هنا، وتسمع ضحكاتهما تجلجل في أركان الحارة. في الشتاء تجد موقد الحطب يتوسّطهم، وأحاديث الذكريات" و"هكذا، نحن النساء، نسقي آلامنا، ثم نرقص فوق عشبها بكل فخر".
تنتقد الكاتبة عالم الفيس بوك الافتراضي حين تجد المرأة أنّ لها شأنًا آخر: "الرجال يقدّسونها ويتعاملون معها بكلّ حرص كأنّهم من كوكب آخر غير الذي نحيا فيه" (ص. 89) وهذا هو أساس "البلى" في عالمنا!! تلمّح الكاتبة لظاهرة سائدة في مجتمعنا؛ فرسان ومشايخ الفيس بوك يغازلون أميراته و"بلعبوا بعقولهن حلاوة" ممّا يسبّب في الكثير من الحالات تفكّك أُسر بكاملها!
 ملاحظات لا بدّ منها؛ أثارني واستفزّني محاولة الكاتبة حين تحوّلت لواعظة تتناول المشكلات الأسرية والعنف الأسري وتأثيرها على سلوك الطفل (ص.151) دون سابق إنذار، مقتحمة لحبكتها الروائيّة.
أزعجتني الأخطاء النحويّة واللغويّة والإملائيّة المجزريّة رغم أنّه جاء في الغلاف الداخليّ اسم مدقّق لغوي؟!؟ إرحمونا وضادنا!!!

ليلى حسن كاتبة واعدة تشقّ طريقها بخطى واثقة في عالم الرواية. 
 
        

لمزيد من مقهى بانيت اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقهى بانيت
اغلاق