اغلاق

شابة من القدس تعيش حياة ‘صفر نفايات‘ وتكتب عن تجربتها

سلط تقرير أخير لمجلة آفاق البيئة والتنمية / مركز معا الضوء على مبادرة ملهمة لشابة من القدس تعيش حياة " صفر نفايات " رغم الكم الكبير من الاستهلاك،


الصور من  ربى عنبتاوي - مركز معا

الذي غزا البيوت والعقول، حيث تنتهج منذ عامين نمط حياة بأقل ضرر ممكن على البيئة، ويشاركها ذلك كل أفراد عائلتها، فلا نفايات منزلية إلا ما تعذّر تدويره، ولا استهلاك إلا عند الضرورة.
تتحدث نجلة عبد اللطيف للصحفية ربى عنبتاوي، أثناء استراحة في مطبخها المليء بالأواني الزجاجية والمطلّ على حديقة متنوعة الأشجار، عن نمط حياتها الصحي والقريب من التقشف. فهي تصنع طعامها بنفسها ولا تعتمد نهائياً على الطعام المصنّع أو الوجبات السريعة.
ضيافة نجلة ليست كعكاً محلى أو شكولاتة كمعظم البيوت، بل كعكاً صنعته من التمر ودقيق جوز الهند وزيته مع البيض، وخبز من ذات المكونات السابقة باستثناء التمر.

" سماد عضوي "
على رخامة المطبخ، "دلو ألمنيوم" تضع فيه نجلة مخلفات الخضار والفواكه وبقايا القهوة، وحين يمتلئ؛ تدفنه في تراب حديقتها ليتحول بشكل طبيعي إلى سماد عضوي، وتسعى جاهدةً لعدم إلقاء أي بقايا طعام، فتطحن قشور جوز الهند وتحولها إلى ترابٍ تزرع فيه بذور الريحان والنعنع. وإذا أحبت أن تتناول أكلة شعبية كالحمص أو الفول فتأخذ وعاءها معها إلى المطعم. وإذا رغبت في شرب قهوة سريعة من مقهى؛ فدائما نجد في حقيبتها فنجاناً فخارياً "مج".
حصلت نجلة على البكالوريوس من جامعة "لند" السويدية تخصص إدارة أعمال، وخلال دراستها بدأ اهتمامها بالبيئة حيث ترأست منظمة طلابية، تروج إلى الاستدامة بالاقتصاد وإدارة الأعمال لدى الشركات وحتى في مناهج الجامعة، وبدأت تهتم بالبيئة. وقبل عامين؛ رجعت لفلسطين وبدأت الكتابة من خلال مدونة " صفر نفايات".

ما هي فلسفة "صفر نفايات" ؟
فلسفة "صفر نفايات" ليست ابتكاراً من نجلة، بل هي ثقافة يرجّح البعض أن جذورها تعود للرسام والمخترع الإيطالي الشهير "ليوناردو دافنشي" في كتاب ينسب له منذ ستة قرون مضت تحت عنوان: "لا يوجد شيء اسمه نفايات"،  والذي جاء كاستجابة لمراقبة العالم الطبيعي، وكون أي منتج ثانوي في صناعة ما؛ يجب أن يكون مُدْخَلا لمنتج آخر، ما ينسجم مع مفهومي الاستهلاك والإنتاج المستدامين في العصر الحديث. وفي السنوات الأخيرة؛ برز هذا المفهوم مع انطلاق "التحالف الدولي صفر نفايات"  (ZWIA) الذي تأسس عام 2002.
 تتُشجع فلسفة صفر نفايات- كما تعرّف وفق  (ZWIA)- على الحفاظ على جميع الموارد عن طريق الإنتاج والاستهلاك، وإعادة الاستخدام، واستعادة جميع المنتجات والمواد دون حرقها، ودون تصريفها إلى الأرض أو الماء أو الهواء الذي يهدّد البيئة وصحة الإنسان.
يوضح رسم بياني حول  فكرة "صفر نفايات" والحديث هنا عن النفايات غير الخطرة (مواد عضوية، ورقية، قماشية، خشبية، بلاستيكية، أجهزة كهربائية...الخ)،  وكما نلاحظ في أعلى الهرم المقلوب نزولاً للأسفل، فهو يهدف أولاً إلى: القضاء على النفايات من خلال عدم شرائها، ثانياً: تقليلها، ثالثاً: إعادة استخدامها، رابعاً: تحويلها إلى سماد (العضوي منها)، خامساً: إعادة تدويرها كمواد مفيدة، وسادساً وهو أضيق مساحة في الهرم المقلوب "التخلص منها" إن تعذر عملِ كل ما سبق ذكره.

نماذج عالمية
هناك نماذج عالمية تجسد فلسفة "صفر نفايات" منها على مستوى "المجتمع المدني" مبادرة المنظمة غير الربحية "أـكاديمية صفر نفايات" في محافظة توكوشيما اليابانية التي تأسست عام 2003، والتي استطاعت مع السنوات وتحديداً في بلدة "كاميكاتسو" تحقيق 81% من إعادة التدوير عام 2016، حيث يقوم جميع سكان البلدة بفرز النفايات إلى 13 مادة و45 صنفا، وما يمكن إعادة استخدامه يتم عرضه في متجر بالبلدة.
وعلى المستوى الرسمي سعت تركيا، بتوجهها نحو إعادة التدوير والإدارة الفعالة للنفايات، إلى إنهاء مدافن النفايات التي انخفضت أعدادها بشكل كبير في السنوات الأخيرة. وقد تمكنت من إعادة تدوير أكثر من نصف العبوات البلاستيكية المطروحة في الأسواق منذ عام 2017. كما انضمت أكثر من 18 ألف مؤسسة عامة إلى مشروع "صفر نفايات" الذي أطلقته وزارة البيئة والتطوير العمراني التركية في حزيران من عام 2019، بحيث يتم فصل النفايات في مصدرها، ما ساهم في إعادة تدوير 126 طناً من الورق والكرتون، ومنع قطع 2,142 شجرة، وإعادة تدوير 49 طناً من النفايات البلاستيكية، وإنتاج وقود الديزل الحيوي من نفايات الزيوت النباتية، وإنتاج الزيوت المعدنية من نفايات زيوت المحركات، وكذلك المواد الخام من تدوير النفايات الإلكترونية، ما ساهم في خفض انبعاثات الغازات السامة في تركيا بنسب مرتفعة.
هذه الإدارة المستدامة للنفايات الآخذة بالتزايد على مستوى الأفراد والمؤسسات، تساهم وفق منظمة الأمم المتحدة في خفض انبعاث غازات الاحتباس الحراري بنسبة 15-20% حول العالم.

العودة من السويد وبدء التغيير
تقول نجلة المناصرة للبيئة والتي شاركت في مؤتمر الأطراف الخاص بالمناخ في مدريد كوب 25: "اعتدت  في السويد على أجواء النظافة سواء في الشوارع أو المناطق الطبيعية أو الأسواق، وكنت محاطة بوعي كبير في قضايا التدوير، وحين عدت لبلدي؛ لم أستطع تقبل كمّ النفايات الملقى على جوانب الطرق، الأماكن الطبيعية وفي كل مكان، والذي يعكس ثقافة استهلاكية بحتة... فقلت سأبدأ من نفسي".
ورق الحمام الشيء الوحيد الذي لا تستطيع نجلة تدويره وكذلك أوراق الفواتير، عكس دول العالم الغربي، حيث عبّارات المياه العادمة (قنوات تصريف المياه) تكون بقطر كبير جداً ما يسهل التخلص من "المناديل الورقية" مباشرة عبر إلقائها بالمرحاض ومن ثم تحللها بالمياه.

الكتابة والإفادة
ولميلها للطبيعة والعمل الحرّ؛ تركت الشابة التي تنحدر من أب فلسطيني وأم سويدية، عملها العام الماضي في إحدى شركات رام الله، لأنها تفضل الوظيفة "خارج المكاتب" وفي الميدان، فبدأت ترّكز على مبادرتها "صفر نفايات" عبر تقليل نفاياتها إلى الحد الأقصى والكتابة عن تجربتها.
المتصفح لمدونتها "Zero waste" التي تزودها بمقالات بشكل دوري يجدها غنية بسلوكيات صديقة للبيئة تعزز ثقافة الإنتاج من خلال وصفاتٍ صناعة مزيل عرق ومعجون أسنان وأطعمة من مواد صحية وعضوية، وهناك مواد أخرى تشرح تفاصيل الحياة اليومية بدون بلاستيك ونصائح في التدوير. مدونة نجلة باللغة الإنجليزية مبدئياً، لكنها تؤمن أن مخاطبة مجتمعها يجب أن تكون بلغته، لذلك تنوي ترجمتها للعربية.
"قبل عام 2017 كانت نفاياتي كثيرة، قررت منذ ذلك الوقت التوقف عن كم الاستهلاك الكبير في حياتي، والتفكير في كل شيء اشتريه؛ "ما هو مصيره بعد أن أتخلص منه؟ والى أين سيذهب؟" تقول نجلة التي تعيد تدوير كل ما يمكن، حتى قشور البيض والبرتقال عبر تحويلهم لأصص زراعية.

تفاصيل صغيرة بقيم عظيمة
تعيش الشابة بتصالح تام مع نمط حياتها الجديد، فتفضل ركوب المواصلات العامة لتقليل حجم التلوث من المركبات الخاصة الكثيرة، وإذا كانت المسافة معقولة فتفضل السير على الأقدام. وترتدي ثياباً من والدتها بدلاً من شراء ملابس جديدة لا تحتاجها، وذلك لتخفيف الأثر البيئي، كما تصنع الحليب من الشوفان أو جوز الهند بنفسها، ولا تستخدم الشامبوهات المليئة بالكيماويات والتي تباع بالأسواق بل الصابون التقليدي "النابلسي"، كما تَحفظُ الطعام في أوانٍ زجاجية، وتتسوق بأكياس قماشية.
"في البداية كان الأمر متعباً خاصة أن من ينتهج هذا النمط من الحياة قلّة في المجتمع الفلسطيني عموماً، ولكن اعتدتُ الأمر ووجدت انه بسيط ويقلّل من تكاليفي". تتجنب نجلة التي شاركت في ورشة مطوّلة في مزرعة أم سليمان تعلمت منها الكثير حول الزراعة المجتمعية العضوية، شراء أي منتج معبأ أو مغلف من الخارج، وهي بالعادة تقصد محال العضوي وتلك التي تبيع بدائلَ للقمح والحليب، وتقلل من زيارتها للمحال التجارية الكبيرة " السوبرماركت".
لم تلق نجلة أي ردود محبطة من أصحاب محال الخضار أو الدكاكين بسبب رفضها استخدام أكياس وعبوات البلاستيك، فبعضهم يضحك مستغرباً، والبعض الآخر يتفهم نظراً لوجود خلفية لديه بأضرار البلاستيك.

المستوى الفلسطيني
"أطمح أن تعمم تجربتي على اكبر نطاق واسع، وأجد في كل بيت فلسطيني هذا الوعي بمشكلة النفايات وتأثيرها على البيئة، ويكون لسان حالنا قبل شراء أي سلعة من السوق: هل أنا بحاجة إليه وما مصيره بعد الانتهاء من استخدامه". تقول نجلة التي تخطط مستقبلاً لتنظيم إرشاد بيئي في المدارس، كما تبحث عن تمويل لتنفيذ مشروع يشجع الزراعة على الأسطح لتحقيق نوع من الاكتفاء الذاتي للأسر.
مبادرة نجلة واحدة من عشرات المبادرات التي أخذت بالتزايد على المستوى الفلسطيني بالتوازي مع تنامي الوعي بقضايا البيئة، لكنها تبقى حالات فردية أو مبادرات مؤسساتية تنفّذ على نطاق ضيق وليس رسمي. ورغم تضمّن الخطة الإستراتيجية للنفايات الفلسطينية (17-2022) لأهداف طموحة جدا تصل إلى 30% من تدويرٍ للنفايات، لكن، تغيب أي بوادر على أرض الواقع؛ فلا أنظمة فصل للنفايات ولا مصانع لإعادة تدوير المخلفات، وتبقى مئات الأطنان من النفايات جاثمة على الأرض الفلسطينية وملوثةً للبيئة لمئات السنوات القادمة. 

لمزيد من اخبار فلسطينية اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اخبار فلسطينية
اغلاق