اغلاق

جزء من تحليل قصة التمرين الأول ليوسف إدريس، بقلم : اسامة مصاروة

إلى معلمي اللغة العربيّة في مدارسنا الثانوية ولخدمة طلابنا المتوجّهين قريبًا لامتحان البجروت في اللغة العربيّة أقدم من حين لآخر جزءًا فقط من كتابي


صورة للتوضيح فقط -تصوير juhide-iStock

الذي يضم تحليلًا شاملًا وكاملًا لأربع القصص المطلوبة هذه السنة في البجروت.

ملاحظات عامة
الراوي هو الكاتب ومن خلال وجهة نظره نرى الأحداث، فنعرف ما يعرفه ونشعر بما يشعر به ونتفاعل مع أوصافه وتعابيره وأسلوبه. لغة القصة هي اللغة الفصحى المطعّمة باللهجة المصرّية العاميّة. اللغة الفصحى المستخدمة في القصّة فخمة متينة حتى تتخلّلها مفردات نادرة وغير مألوفة ليس فقط لطلاب في التاسعة من عمرهم، بل ولكثير من الكبار. الهدف من استخدام اللغة الفصحى المتينة إثارة السخرية لدى القارئ، إذ ليس من المعقول استخدام مثل تلك اللغة لوصف مدرسة ابتدائيّة وطلاب صغار والهيئة التدريسيّة بالإضافة إلى البوّاب، بل وبعض معالمها كالجرس والجدران والساحة والصفوف.
تكمن السخرية بشكل عام في التناقض أو التنافر أو التعارض بين التوقّعات من وضع ما وحقيقته، وينتج ذلك للفرق بين المعنى السطحي لما قيل والمعنى الضمنيّ.
عندما نقرأ أوصاف مدرس الرياضة القديم والمدير والمعلّمين وحتى البواب، كيف لنا ألّا نشعر بالسخرية منهم وحتى الضحك أو على الأقل الابتسام. رغبة الطلاب بمحو المدرسة عن الأرض بطوربيد أو بركان يعطينا فكرة على مدى كراهية الطلاب للمدرسة، قد نشعر معهم ولا نأخذ أمنياتهم محمل الجد.
ثمّ طريقة إيقاظ الطالب من نومه كي يذهب إلى المدرسة "مقروصًا معضوضًا أو مطروحًا أرضًا" بالإضافة إلى الشتائم ألا تثير الضحك أكثر من الغضب. ألا نضحك أيضًا للسخرية الكامنة في تنوع الشتائم التي يوجّهها مدرسو المواضيع المختلفة إلى الطلاب فهناك "شتائم بالفرنسيّة (لمدرس اللغة الفرنسيّة) ويعتبرها الكاتب "رقيقة" ربما لعدم فهم الطلاب لها أو لأنّ اللغة الفرنسيّة فقيرة بالشتائم، وهناك شتائم نحويّة فصحى، أكيد من قبل مدرس اللغة العربيّة، يا ترى ماذا كان يقول في شتيمته؟ وهناك مدرس الكيمياء وشتائمه المركبة أو المخلوطة. كلّ مدرس واختصاصه في الشتائم.
أمّا استخدام تعابير ومفردات من اللهجة المصريّة العاميّة "داهية، فردة شبشب، زعيقهم، يتلمّظ، تهمد، اخرس، بطل كلام، التخت، الفصل" بالإضافة إلى الشتائم والأوامر "نزل إيدك يا ولد، وشّك في الحيط يا أحمق، اطلع برّه يا صعلوك، التفت يا لوح، حلّ المسألة يا أغبى مخاليق الله" وغيرها الكثير، كلّ هذه الأقوال العاميّة إنّما استخدمت لتضفي جوّا من الواقعيّة على قصة تتحدّث عن مدرسة ابتدائيّة ولا تتحدّث عن جامعة.
حتى أن لغة معلم الرياضة العملاق تأتي بالعاميّة فهي أوامر لطلاب صغار وتعبّر عن قسوة طلباته منهم "افتح سدرك. شد وسطك. اخبط الأرض بدماغك. وشّك فوق. عايز الجزمة تطلّع شرار". بعد هكذا درس للرياضة على الطلاب أن يرتاحوا، فهل هي مجرد راحة، لا بل "ترميم لأنفسهم" أي أنّهم كالمباني التي انهارت وتحتاج إلى ترميم (استعارة مكنيّة الطلاب كالمباني المنهارة). ثمّ أنّ المونولوج الذي خاطب به المعلم الجديد الطلاب كان باللغة المحكيّة، وكلام الطلاب مثلًا "أنا ح لعب يا عم"، "أنا تعبت..كفايه بأه" أو الذي لا بدّ أن خطر على بال الطلاب "وإيه يعني؟ نلعب وإذا معجبناش نبطل لعب..." كلّها باللغة المحكيّة حتى تتناسب مع لغة غير رسمية وأسلوب ودود من طرف المعلم الشاب، ومستوى طلاب صف ثالث.
نجد أيضًا جناس غير تام في الكلمتين "رنين وأنين" وفي كلمة أنين هناك استعارة مكنيّه فقد شبّع الكاتب الأنين بالحديد وجاء بصفة من صفاته وهي الصدأ.
كذلك نلاحظ العديد من الاستعارات والتشبيهات في القصّة، فهناك أنسنة للجماد، أي معاملته كإنسان. فعندما يقول "المدرسة تفتح ذراعيها..." فهو يشبه المدرسة بالأمّ التي تفتح ذراعيها لاحتضان أولادها. هنا يوجد استعارة مكنية فالمدرسة تشبه الأمّ، حذف الأمّ وبقيت صفة من صفاتها "ذراعيها وتضمّ " ترمز إليها. وهناك استعارة مكنيّة أخرى في تشبيهه للحصى الذي يغطي ساحة المدرسة بالإنسان أو بالأحرى كالأم التي تستقبل أولادها الصغار وتقبل أقدامهم الصغيرة بشوق وحب كبيرين. وهناك تشبيه كلام المعلّمين بالخبز (استعارة مكنيّة) فيصفه بالطازج على الصبح. وفي "يقشعرّ الصمت" استعارة مكنيّة فالصمت لا يقشعر بل الإنسان إما من البرد أو الخوف. هناك أيضًا استعارة مكنيّة في تشبيهه المقاعد بالعجزة المصابة مفاصلهم بالروماتيزم.
ثمّ هناك تناص في "كالخشب الخائفة المسنّدة" تذكرنا بالآية الكريمة "كأنّهم خشبٌ مسنّدة" (آية 4 سورة المنافقون)
كما أنّ هناك طباق في الكلمات "ينجحون يفشلون، السر والعلن".

 

لمزيد من مقهى بانيت اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقهى بانيت
اغلاق