اغلاق

مقال: 43 عاما على رحيل ‘العندليب الأسمر‘، بقلم: زياد شليوط

لم تكن ولادة عبد الحليم شبانة، يوم 21 حزيران/ يونيو عام 1929، ولادة عادية، بل رافقها الحزن والشقاء حيث توفيت والدته خلال عملية الولادة، وجرى التفكير في


زياد شليوط - صورة خاصة

كيفية التخلص من الوليد الشقي الذي جلب الموت والحزن للعائلة بولادته. وهكذا تميزت حياة عبد الحليم بالعذاب والشقاء، وكانت عبارة عن رحلة مع المرض والآلام والحرمان، فقد حرم عبد الحليم من السعادة الحقيقة، لم ينعم بالطعام مثل باقي الناس، لم يتزوج مثل أشقائه وأصدقائه، لم يستمتع بطفولته مثل أترابه بعد اصابته بالبلهارسيا، لم يعش الحياة لنفسه بل للآخرين، ولم تطل حياته ليقطف ثمار إنجازاته ونجاحاته، حيث توفي في لندن يوم 30 آذار/ مارس 1977 عن عمر 48 عاما فقط.
لم تكن طفولة حليم عادية، فلا يكفي أن والدته توفت فى نفس يوم ولادته، حتى توفى والده قبل ان يتم العام الأول، وبعد وفاته نقل حليم الى ميتم، ثم أخذه خاله الحاج متولى عماشة ليعيش معه فى بيته. ولهذا السبب لم يحتفل عبد الحليم في يوم ميلاده أبدا في حياته، لأنه صادف يوم وفاة والدته التي حرم من حضنها وتربيتها ومعرفتها. وكأن اليتم لم يكن كافيا فأصيب عبد الحليم بمرض صعب وهو مرض البلهارسيا، بينما كان يلعب مع أولاد عمه فى ترعة القرية، والذي كان سبب دمار حياته، وخضوعه لسلسلة عمليات ونظام حياة خاص يعتمد على تناول الأدوية، والأهم أنه حول ليله نهارا ونهاره ليلا، وتنقل بين المستشفيات، وكانت نهايته على سرير المستشفى.

كيف أخذ لنفسه اسم عبد الحليم حافظ
اشتهر عبد الحليم باسمه الفني "عبد الحليم حافظ"، الذي حمله طوال حياته وبات يعرف به، فمن أين جاء هذا الاسم؟ عبد الحليم شبانة هو اسمه الحقيقي، وكان شقيقه إسماعيل سبقه للغناء في الإذاعة، ويروي حليم في مذكراته التي سجلتها ونشرتها الصحفية ايريس نظمي، أن الاسم أقلقه لأنه مشابه لاسم شقيقه، واستشار صديقه الملحن كمال الطويل في الأمر، وكمال بدوره اقترح عليه أن يتبنى اسم حافظ عبد الوهاب، الذي كان بمثابة الأب الروحي له ودعمه في لجنة الإذاعة، فوافق حليم بلا تردد على اقتراح صديقه ودمج بين اسمه الأول عبد الحليم والاسم الأول لحافظ عبد الوهاب، وبات اسم الشهرة عبد الحليم حافظ.
أما لقب "العندليب" فكان وراءه صحفي وناقد فني لامع فى مجال الصحافة يسمى جليل البنداري، وهو واحد من ألمع الصحفيين وأكثرهم شهرة خاصة في سلاطة لسانه فى ذلك الوقت، كان اللقاء الأول بين جليل البنداري وعبد الحليم حافظ، في مكتب الإعلامي الكبير محمد حسنين هيكل، حتى يتحاشى عبد الحليم شتائم البنداري، وقد أعجب البنداري بذكاء حليم وكان هذا السبب في اطلاقه لقب "العندليب" عليه لشده حبه واعجابه بصوته وذكائه.

مطرب وممثل من الدرجة الأولى
الى جانب الغناء اشتهر عبد الحليم بأفلامه السينمائية التي سجلت نجاحا ملحوظا، ليس بسبب الأغاني، انما للموهبة التمثيلية التي برزت عند عبد الحليم، ولصدقه واحساسه الطبيعي بالتمثيل، خاصة وأن تلك الأفلام، التي بلغ عددها 16 فيلما، لامست حياة عبد الحليم بجزء منها أو في معظمها، مثل "شارع الحب"، "قصة حب" و"الخطايا" الذي اعتبر من أهم أفلامه وأنجحها، والفيلم الأخير "أبي فوق الشجرة" الذي سجل فتحا جديدا في السينما المصرية. وقد لعبت الأدوار الرئيسية أهم الفنانات في عصره ومنه سيدة الشاة العربية، فاتن حمامة ومريم فخر الدين ولبنى عبد العزيز وماجدة وزبيدة ثروت ونادية لطفي التي أطلق عليها حليم لقب "العندليبة الشقراء"، وكذلك المطربة شادية والمطربة صباح. كما شارك عبد الحليم في التمثيل الإذاعي، حيث قدم مسلسل "ارجوك لا تفهمني بسرعة" والى جانبه الفنانة الصاعدة نجلاء فتحي والكوميدي عادل إمام.

حياة عذاب وألم ومرض
أكثر ما يؤلم في حياة عبد الحليم، هي حياته كلها من بدايتها حتى نهايتها، وكم مؤلم أن يتوصل بنفسه الى تلك النتيجة أنه لم يخرج من حياته بأي مكسب، وهو الذي تفانى في خدمة الفن، وسعى الى كسب رضى الجمهور، وقدم كل ما يستطيع، لكنه عاش حياة مأساوية ابتدأت وانتهت بالمرض والآلام والعذاب، وكم هو مؤسف أن يقول في مذكراته " الصحة هي رأس مال الانسان الحقيقي وأنا حرمت منها.. انني أحيانا أفكر وأسأل نفسي: ما الذي أخذته بعد رحلة العذاب والألم الطويلة؟ لا شيء.. لا شيء.."
ويبقى أن نشير إلى جنازة عبد الحليم حافظ، التي لم تضاهيها جنازة من حيث المشاركة الشعبية، إلاّ جنازة الزعيم والقائد جمال عبد الناصر.
واذا كان عبد الحليم لم يحصل على شيء من الحياة، وهو صحيح، إلا أن الجمهور العربي في كل مكان، أخذ من عبد الحليم الشيء الكثير. أخذ صوتا حساسا مبدعا، أخذ فنا رفيعا سواء في الغناء أو السينما أو الإذاعة، أخذ أغاني خالدة ما زالت تعيش معنا ونعيش فيها أكثر من نصف قرن. 

من أقوال عبد الحليم حافظ
وبهذه المناسبة اخترت بعض أقوال عبد الحليم حافظ، التي وردت على لسانه في مقابلات صحفية واذاعية:
• لماذا يطلق بعض الصحفيين قذائف الورق، لماذا كل هذا الإصرار على اطلاق الاشاعات حول هذا الفنان أو ذاك، وهم يعلمون أن هذا غير صحيح أبدا، ومع ذلك يكتبون، ويواصلون كتابة الأكاذيب والاشاعات".
• ان الحب في صمت، وبلا نفخ في البوق، أو دق على الطبل، هو أعلى وأسمى درجات الحب.
• لا يوجد ما هو أصدق من الجمهور، من بسطاء الناس، انهم يحبونك بشكل عفوي، يحبونك ولا يقدمون فاتورة حساب من أجل حبهم لك.
• إنّ الحقد لا يمكن أن يبني مجد أحد، إنه الطريق إلى الهاوية.
• لقد كان الفن بالنسبة لي وما يزال، وسيبقى الحبّ الأول والمنزل الأول.
• إن الشهرة، شجرة بطيئة النمو تماما، وتحتاج إلى شلال من العرق والدم.
• جاءت الفرصة في أعقاب ثورة 23 يوليو1952. إنني أعترف هنا، أن الثورة المصرية، لعبت الدور الأول الكبير في حياتي.

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان:
bassam@panet.co.il.

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقالات
اغلاق