اغلاق

‘ جورِيَّة ‘ ، قصة قصيرة بقلم: نداء جبارين

سَقَطَ كوب الشاي من يدي كسقوط أمطار حزيران، قاسيّة، مُفاجِئة، ولا تخطر على البال. ما زالَت قطع الزجاج مُنتشرَة في أرجاءِ الغرفة لم يلمسها أحد


صورة للتوضيح فقط - تصوير Farknot_Architect iStock 

 لتذكرني بذلك السقوط المروّع.
مرَّ خمسة عشرَ يومًا وما زالَ الزجاج مكانه فلم يَحِن الوقت للملمته ورميّهِ خارجًا، فكنتُ مشغولةً بما رَماهُ القدرَ لي، فمُناداته لي اخترقت شباك غرفتي ومسامعي حتى تغلغلت في داخلي حينها، وهو يصرخ ويقول ماتت لقد ماتت أمنا يا جوريّة. لقد ماتت.
صوت أخي عَلِيّ إنّه صوته، يبكي بحرقة وبشدة ويصرخ صراخًا يؤكد أن صوته لن يَعُد كما كان سابقًا. فخلالَ ثَوانٍ مَرَّ شريطٌ من الذكرياتِ لحضنِ أمي وعيون أمي ووشاح أمي وثوب أمي البنيّ وورود الجوري الحمراء الّتي تَملَأ بيتنا وحديقتنا حتى أسميتني أمي بهذا الاسم "جورِيّة" الّذي يَحمل في طياتِهِ أجمل المعاني فهو الوردة الجميلة الّتي تسِر النّاظرين ويدل على الفتيات الجميلات ولعشقها لهذا الورد وشكله ورائحته وجماله فهيّ تؤمن بأن لا مناسبة لإهداء ورود الجوري فهذه الورود ليست للعُشاق فقط وليست باقة ورود لزيارة مريض في داخلها بطاقة شفاء عاجلة، وليست لمصالحة حبيب لحبيبته وليست فقط لتزيين الطاولات وقاعات الأفراح الّتي تضج بالمظاهرِ الكاذبة والّتي لا يلتفت لها أحدًا ولجمالها ولرائحتها.
فكانت تقول لي أمي أسمعي يا جوريّة عندما تكبرين وتُغرمين برجلٍ يجب أن يكون مُغرَم بالورد الجوري وإلا لا تُغرَمين بِهِ. أيُعقَل ذلك يا أمي؟!
نعم يُعقَل فأمنيات الأمهات تصل إلى السّماء. وها أنا كبرت يا أمي ورأيت الورد الّذي تُحبين يُغطي التّراب الّذي تُدفَنين تحته. فلا أعلم أحب الجوري أم أكرهه يا أمي. ولا أدري ما الموقف وما التّجربة وما الحدث الّذي سيجعلنا أن نفكر بأسمائِنا وكم تشبهنا هذه الأسماء وهل نحن على قدرٍ كافٍ من حَملِها بطمأنينة وثبات وهل ستتغير رغبتنا اتجاهها وفقًا لما نمر به؟ فتسميتنا لا تتعلق بنا استقبلناها بدونَ اذنٍ ونحاول التّعايش معها.
لم أكن أحب شرب الشّاي كثيرًا لكن في ذلك اليوم كان لي مزاجًا لتذوقه وتناوله فكل أمر مفاجئ، غريب، وغير اعتيادي حصل يومها كأن القدر يقول لي عيشي يومًا استثنائيًا لم يَسبِق لك أن تعيشيه. فتحتُ الشّباكَ بأيادي مُرتَجِفة يغزوها الخوف ودقات قلبي قويّة لدرجة أنها تُسمَع لو اقتربتَ مني، فإذا بأمي ملقاة على الأرضِ وهي تحملُ باقةً كبيرةً من الجوري لم أرَ بجمالها قط! كانت تريدُ إحضارها لي لتُفاجئني في عيد ميلادي الثّامن عشر لكن لون الجوري الأحمر عكس على جسدها واختلط بدماءٍ، دماءٍ سببها سائق لم يشعر أبدًا باهتمام ما بيده والتزامه بما يفعله ويُقدّم على فعله. فسرعته العاليّة في شارعٍ ضيقٍ بين الأزقة تشير لضيق قلبه وتفكيره فأنا على يقينٍ بأن بعمره ما أُهدِيَّ باقة من الجوري ورودها متفتحة وهنالك من يهتم بسقيها وإبعاد الأشواك من حولِها.
لم أستطع الدخول إلى غرفتي بعد مضي خمسة عشرَ يومًا من حدوث ذلك الكابوس فذلك الشباك يناديني وذلك الزجاج يناجيني وصوت أخي عَلِيّ ما زال يخترق مسامعي وأنا لا أريد الالتفات لأي منهم. ركضتُ سريعًا إلى الممر في بيتنا الّذي يملأه ورد الجوري وبدأت باقتلاعه ورميه أرضًا وضرب القوارير برجليّ ولم أكتفِ بذلك بل نزلتُ الدرجَ مُسرعةً حتى وصلت حديقة بيتنا وبدأت بإكمال ما بدأت به من اقتلاع وتخريب لعلّ اللهيب الّذي بداخلي يخف لأنني على يقين بأنه لن ينطفئ أبدًا ولن يخرج من رماده طائر العنقاء ليعود للحياة من جديد لأننا ليس بزمن الأساطير والخرافات، يا ليت لو كنا لكنني على يقينٍ بأنَ أصحاب القلوب الطيبة والمبسَم الجّميل لا يموتون بل يبقون أحياءً بداخلنا ولا نتذكرهم لأنهم يعيشون بيننا ومعنا فالذكرى للأشخاص الّذين عقدنا معهم عهدة نسيان لكن تخوننا الّذاكرة أحيانًا ونتذكرهم أو نمر من مكان ما أو نسمع أغنية أو نرى صورًا فنتذكرهم. وإذا بغيوم السّماء تتلبّد وتُهطل أمطارها الغزيرة كأنها غاضبة مني، غاضبة ممن أفعله بحق هذا الورد وحزينة لحزن أمي على ما اقترفته بحق ورودها الّتي اهتمت بها كأنها فردًا من أفراد عائلتها، نعم حزينة على الورد الّذي دُمِرَ بدلًا من أن أُكملَ ما بدأت بِهِ بالحفاظ عليّه والاهتمام به فكل زائرٍ كان يأتينا يقول أنا في الجنّةِ! لكن ماذا أفعل يا أمي لا أستطيع رؤية ذلك الجوري فأخر صورة لك وأنت تحملينه وملطخة بالدماء تؤذيني وتُحرِق كل ما بداخلي.
أتعذريني يا أمي؟


لنشر خواطركم، قصائدكم، وكل ما يخطه قلمكم أو ما تودون أن تشركونا به، أرسلوها إلى البريد الالكتروني panet@panet.co.il

لمزيد من مقهى بانيت اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقهى بانيت
اغلاق