اغلاق

‘ شيء من بيروت...! ‘ - بقلم : سهيل دياب من الناصرة

تعود علاقتي مع بيروت مذ أن رضعت من حليب امي, فهي لبنانية الأصل من عائلة عزام, ولدت في ضيعة مرج عيون بالجنوب اللبناني,


(Photo by PATRICK BAZ/AFP via Getty Images)

وتنقل والدها سليم للسكن من مكان لآخر في عدة أماكن في لبنان سعيا للرزق, حتى استقر نهائيا في بيروت ( فرن الشباك), حيث أصيب برصاصة طائشة خلال احداث الحرب الاهلية في لبنان والتي أودت بحياته.

واعتادت امي- نايفة -أن تقص علينا منذ الصغر, ذكرياتها عن لبنان وبيروت, وكنت تعبر عن مدى فخرها بانها لبنانية  وتصف لنا  لبنان وبيروت وجمالها , ببحرها وناسها وتتمنى دائما ان تعود لزيارتها بعد ما "تفتح الحدود...", كما اعتادت القول..! والتي أغلقت بعد نكبة 1948. وانخرطت حكايات امي وذكرياتها  عن بيروت ولبنان في رؤوسنا, أنا واخوتي واخواتي التسعة, واصبحنا نستعيدها لاحقا في جلساتنا العائلية في المناسبات العديدة.

جاء جدي سليم من لبنان الى مدينة حيفا في فلسطين في العام 1927, وذلك اثر توتر وشجار مذهبي في جبل لبنان, مما أدى لنزوح جزء من السكان, بمن فيهم جدي, لحماية عائلته, وعمل في ميناء حيفا " عتالا", مهنته التي عمل فيها سابقا في مرفأ بيروت.

وعندما كنا أطفالا نلعب بالحارة في حي السوق ( البلدة القديمة), وتحديدا قرب ساحة المطران, كان الكل يعرف الكل, فكان أهالي الحارة يعرفونني : با "بن نايفة العتال", نسبة الى مهنة جدي, والذي افتخرت به دون أن اعرفه, جزء من هذا الفخر نبع من حكايات امي عنه ومدى اعتزازها به. انتقل جدي عائدا الي بيروت عام 1944, بعد أن هدأت الأوضاع هناك, اماعندنا في فلسطين فقد ارتفعت حرارة الصراع ومعركة البقاء قبيل النكبة.

امي لم تفرح بزيارة لبنان وبيروت, لكنها كم كانت مسرورة بلقاء اختيها سلمى وجميلة , سلمى هاجرت لهولندا, وجميلة الى الولايات المتحدة , واخيها إبراهيم التقت بفترة سابقة, أما اخواتها سليمة وسعاد واخيها جميل فقد تواصلت معهم عبر الهاتف, حيث كانت تكرر والدتي بعد كل لقاء : " لم انجح بالعودة لبيروت...لكنني رأيت بيروت من خلال وجوه اخواتي واخوتي..".

أمس, وعند حصول الانفجار-الكارثة في مرفأ بيروت, استعدت كل هذا الشريط, استرجعت صورة جدي , العتال في مرفأ بيروت, وتخيلت كل جثة تنشل  من تحت الردم وكأنها جثة جدي. وتخيلت كل أم تبكي مفتشة على ابنها وكأنها أمي.

وبنفس الوقت تذكرت الجوانب الأخرى من حكايات أمي: وكم كانت تتباهى بوطنها اللبناني وحبها لبيروت وناسها, لدرجة أنها كانت تعايرنا وتقول :" اللبنانية بحبو الحياة ولو على خازوق.. عندهن عزة نفس , وفش حدا بغلبهن..." . حتى حياتها العادية كانت امي كذلك, فرغم الحالة الاقتصادية المأساوية لعائلة مكونة من 12 نفس, فكانت تشعر كل واحد منا كأنه أمير, فكانت تهتم لكل تفصيل, أحبت الحياة, وكانت أنيقة المظهر ومتباهية بنفسها ولو كما قالت " عخازوق". استقبلت كل من دخل البيت واشعرته باننا بأحسن حال... فلا بأس , فهي "لبنانية...."

كلما كبرنا, كبر حبنا للبنان وبيروت, أحببناها أكثر عندما استقبلت الفلسطينيين, وعشقناها عندما اعادت المقاومة اللبنانية كرامتنا وعزتنا.
أعتز أنني نصف لبناني ونصف فلسطيني, لكنني اعتز أكثر بالرباط المصيري بين شعبي فلسطين ولبنان, فكلاها شعب واحد وقلب واحد وسيرورة واحدة ومصير واحد.

من معرفتي لامي.... أنا واثق من نهوض شعب المعجزات  من محنته منتصرا ومرفوع الرأس !!

لمزيد من مقهى بانيت اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقهى بانيت
اغلاق