اغلاق

‘ ليلة خميس ‘ ، بقلم : د. إبراهيم صبيح

كنت صبياً يافعاً يتهجى حروف المراهقة عندما لاحظت جلبة غير عادية في منزل العائلة بالزرقاء ليلة السابع من نيسان عام 1966. كانت والدتي مشغولة

 
د. إبراهيم صبيح  صورة شخصية

منذ الصباح بتنظيف المنزل لاستقبال الضيوف ففي تلك الليلة سوف تغني أم كلثوم، كما تعودت، في أول خميس من كل شهر. اكتمل عقد الضيوف من أقارب وجيران وتحلقنا جميعاً حول المذياع الكبير نستمع إلى قصيدة الأطلال التي أبدع كتابتها الشاعر إبراهيم ناجي وأتقن لحنها رياض السنباطي. جلست أنا أستمع وأراقب، أحاول فك رموز كلمات الأغنية وأكواب الشاي بالنعناع وأطباق الفواكه والحلوى تروح وتجيء بينما والدي يدخن النرجيلة ويستمع باستغراق كامل. دخلت الأطلال إلى قلبي وأصبحت أغنيتي وقصيدتي المفضلة، ورغم استماعي لتسجيلات مختلفة فإن التسجيل الأجمل هو النسخة التي غنتها أم كلثوم في تونس عام 1968 وحضرها الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة وعقيلته.
المعروف أن إبراهيم ناجي تعب وهو يحاول إقناع أم كلثوم بغناء إحدى قصائده وهو حي يرزق ولكنها لم تفعل إذ أنها غنت الأطلال بعد وفاته بثلاثة عشر عاماً. تقع الأطلال في 134 بيتاً مرتبة في مقاطع كل مقطع منها مكون من أربعة أبيات متحدة القافية. اختارت أم كلثوم 22 بيتاً منها تبدأ ب"يا فؤادي رحم الله الهوى" والذي عدلته ضمن تعديلات اخرى، إلى "يا فؤادي لا تسل أين الهوى" ثم أضافت إليها سبعة أبيات من قصيدة أخرى اسمها الوداع وهي الأبيات التي تبدأ ب"هل رأى الحب سكارى".

المؤكد هنا أن إبراهيم ناجي لم يكتب قصيدة الأطلال دفعة واحدة بل كتبها على أجزاء خلال حياته. ورث ناجي عن والده الذي كان يقتني مكتبة ضخمة حب المعرفة والثقافة. بعد تخرجه من المرحلة الثانوية درس في كلية طب القصر العيني بالقاهرة وتخرج منها عام 1922 حيث مارس مهنة الطب في وزارة الصحة المصرية ثم في عيادته الخاصة في ميدان العتبة بالقاهرة وعرفه الناس كطبيب أمراض باطنية ماهر يؤثر مرضاه الفقراء على الأغنياء. رغم ممارسته مهنة الطب إلا أنه ظل وفياً لموهبته فجمع بين الطب والشعر والنقد الأدبي. في البداية قلل طه حسين من تجربة ناجي الشعرية إلا أنه عاد لاحقاً وأثنى على موهبته الأدبية النادرة التي أدت في نهاية الأمر إلى توليه رئاسة رابطة الأدباء في مصر حيث ارتبط اسمه بالشعر الرومانسي. أحب ناجي أيام دراسته الثانوية فتاة تسكن بجوارهم اسمها "عفت" والتي كانت تتحدث الفرنسية ولا تجيد اللغة العربية فتعلم ناجي اللغة الفرنسية خلال ثلاثة شهور فقط حتى يكسب ودها. كان بين العائلتين زيارات متبادلة فتعلق ناجي بالفتاة وأحبها حباً عذرياً بقي نابضاً في قلبه رغم قيام أهل الفتاة بتزويجها من رجل آخر. صادف ناجي ذات ليلة حبيبة قلبه عفت وهي تمشي مع زوجها  بعد مرور اثني عشر عاماً على زواجها. عرفته وعرفها. نظرت إليه نظرة تلومه فيها عن التخلى عن العهد ونظر إليها نظرة العاشق الذي دبت في كيانه حرارة الهيام، فرجع إلى عيادته وكتب:
يـا فُؤَادِي رَحِمَ اللّهُ الهَوَى ............... كَانَ صَرْحاً مِنْ خَيَالٍ فَهَوَى
اِسْقِني واشْرَبْ عَلَى أَطْلاَلِهِ................. وارْوِ عَنِّي طَالَمَا الدَّمْعُ رَوَى
كَيْفَ ذَاكَ الحُبُّ أَمْسَى خَبَراً.................... وَحَدِيْثاً مِنْ أَحَادِيْثِ الجَوَى
وتمضي الملحمة بكل الأحاسيس الطاغية والذوق الرفيع من خلال صور شعرية رومانسية لافتة فيقول ناجي بكل عفوية وصدق وتلقائية:
لَسْتُ أَنْسَاكِ وَقَدْ اَغْرَيْتِني .............. بِفَمٍ عَذْبِ المُنَادَاةِ رَقِيْقْ
وَيَدٍ تَمْتَدُّ نَحْوي كَيَدٍ....................... مِنْ خِلاَلِ المَوْجِ مُدَّتْ لِغَرِيْق
وبريق يظمأ الساري له.................... أين في عينيك ذياك البريق
يصف لنا ناجي محبوبته فيأخذنا معه إلى رحاب الحب الواسعة ومشاعره النبيلة وشجونه العذبة:
أَيْنَ مِنْ عَيْني حَبِيبٌ سَاحِرٌ............... فِيْهِ نُبْلٌ وَجَلاَلٌ وَحَيَاءْ
وَاثِقُ الخُطْوَةِ يَمْشي مَلِكاً........... ظَالِمُ الحُسْنِ شَجيُّ الكِبْرِيَاء
عَبِقُ السِّحْرِ كَأَنْفَاسِ الرُّبَى.........سَاهِمُ الطَّرْفِ كَأَحْلاَمِ المَسَاءْ
يذكر ناجي لقائه مع محبوبته وهي تمشي مع زوجها على شاطئ النيل فيتحدث عن جروح الحب السابقة التي نكأها ذلك اللقاء العابر:
 أيـهـا السـاهـرُ تغـفـو ..............................تذكـرُ العهـدَ وتصـحـو
وإذا مـا الـتـأم جــرحٌ ...............................جــدّ بالتـذكـارِ جُــرح
فتعـلّـم كـيـف تنـسـى .................................وتعـلّـم كـيـفَ تمـحـو
ينتفض ناجي من أحلامه وذكرياته ليتمسك برجولته وكبريائه فيبحث عن حريته وحرية قلبه، فيقول:
أَعْطِني حُرِّيَتي أَطْلِقْ يَدَيَّ................ إِنَّني أَعْطَيْتُ مَا اسْتَبْقَيْتُ شَيَّ
آهِ مِنْ قَيْدِكَ أَدْمَى مِعْصَمي....................... لِمَ اُبْقِيْهِ وَمَا أَبْقَى عَلَيَّ
مَا احْتِفَاظي بِعُهُودٍ لَمْ تَصُنْهَا.................... وَإِلاَمَ الأَسْرُ وَالدُّنْيا لَدَيَّ
 يعود ناجي بعد ذلك للرضوخ لمسلمات القدر فيخاطب محبوبته وهو مؤمن بقضاء الله وقدره:
يَا حَبِيْبي كُلُّ شَيْءٍ بِقَضَاءْ................... مَا بِأَيْدينَا خُلِقْنَا تُعَسَاءْ
رُبَّمَا تَجْمَعُنَا أَقْدَارُنَا........................ ذَاتَ يَوْمٍ بَعْدَمَا عَزَّ الِّلقَاءْ
فإِذا أَنْكَرَ خِلٌّ خِلَّهُ ............................... وَتَلاَقَيْنَا لِقَاءَ الغُرَبَاء
وَمَضَى كُلٌّ إِلَى غَايَتِهِ.................... لاَ تَقُلْ شِئْنَا فَإِنَّ الحَظَّ شَاء
ومع كل ذلك فقد أحب إبراهيم ناجي محبوبة اخرى هي "سامية" التي تزوجها وأنجب منها وعاش معها أجمل قصة حب رومانسية على مدى 25 عاماً حيث كتب فيها أجمل قصائده " إلى سامية". تبقى الأطلال ملحمة عشق عذري طهور اختارتها صحيفة لوموند الفرنسية كواحدة من أحسن مائة عمل فني تم تقديمه في القرن العشرين ليثبت ذلك أنه ليس بوسع ألف قصيدة رديئة ولا ألف أغنية شبابية تافهة أن تطغى على نصٍ شعريٍ بديع سيبقى براقاً على مر السنين.

                                                 


استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ panet@panet.co.il

لمزيد من مقهى بانيت اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقهى بانيت
اغلاق