اغلاق

مقال - هل نسي نتنياهو إرسال رسالة شكر إلى إيران في أعقاب اتفاق واشنطن؟

مرة تلو المرة نحاول أن نضع الأمور في نصابها الصحيح بما يسمى "اتفاقيّة السلام" بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة، ثمّ البحرين. فنجد أنّ الأفكار والمشاعر


(Photo by SAUL LOEB/AFP via Getty Images)

تتداخل... ، فعلى الرغم من أنّنا عُدنا وكرّرنا على مدار عشرات السنين بأنّ الإمارات ومُجمل دول الخليج، لم تكن مخلصة يوما للقضية الفلسطينية، وأنّ المواقف العلنيّة الداعمة للقضية الفلسطينية لم تكن سوى "ضريبة كلامية" دفعتها دول الخليج رغبة منها في البقاء ضمن الاطار العربي الداعم للقضية الفلسطينية، فإنّ الدعم الماديّ الذي قدّمته دول الخليج لمنظمة التحرير الفلسطينية وبعدئذٍ للسلطة الفلسطينية، كان دعمًا لا يُستهان به ولا حتى بدوره في صمود الشعب الفلسطينيّ.
لا يُخفى على أحد أنّ الدعم الماديّ المذكور لم يكن دائما "من قلب صافٍ"، وعادة كان مرهونا بثمن سياسيّ من قبل الفلسطينيين لمشايخ الخليج، لكن على الرغم من هذا الثمن وعلى الرغم من أنّ دول الخليج قاطبة تعاونت مع إسرائيل الا أنّنا لا نستطيع أن ننكر أنّ هذه الاتفاقيّة خلقت وضعًا جديدًا ومسّت شرا بالقضية  الفلسطينية وأساءت لها كثيرا، وخصوصا أنّها شرّعت عقد اتفاقيات مع دول أخرى وتبيّن أنّ العالم لم "ينهار" بعد هذا الاتفاق، ولم تدفع الإمارات أو البحرين ثمنا لهذا الاتفاق. 

نقاط هامة
 وسأحاول هنا أن أضع أمامكم بعض النقاط الهامة والمسيئة للقضية الفلسطينية حسب رأيي:
أولا، وقبل كل شيء هذه الاتفاقيّة وُقعت مع واحد من أسوأ إنْ لم يكن أسوأ رئيس وزراء إسرائيلي في تعامله مع القيادة الفلسطينية والقضية الفلسطينية، وهو الأكثر يمينية والأكثر تطرفا.
ثانيًا، تأتي هذه الاتفاقية كصفعة قاسية ليس  للفلسطينيين فحسب إنّما أيضا ضربة قاضية للقوى التقدميّة الإسرائيليّة التي تعارض نتنياهو بسبب موقفه من القضيّة الفلسطينيّة، والتي تسوق للجمهور الإسرائيليّ أنّ الطريق للوصول إلى السلام مع العالم العربي، يمر عبر حلّ القضية الفلسطينية فقط. ولكن ما حدث هو أنّ هذه الاتّفاقيّات أعطت دعما لمواقف نتنياهو واليمين برمّته.
ثالثا، هذه الاتفاقيّة نقلت إسرائيل ونتنياهو إلى مركز الحلبة وحولته إلى البطل المنقذ لدول الخليج من الخطر الإيراني.
رابعًا، هذه الاتفاقيّة وضعت الفلسطينيّين بموضع "أقربائنا الفقراء" الذين تخلّى عنهم الخليجيّون وتحوّلوا إلى عبءٍ على الدول العربية (ولا أقول على الشعوب العربية) التي باتت تتوق إلى التقرّب من نتنياهو وإسرائيل.
من السهل شتم أو حرق أعلام الإمارات أو البحرين أو أية دولة عربيّة أخرى تقيم علاقات مع إسرائيل. لكن ما لا شكّ فيه أنّ هذا لن يحلّ أية مشكلة، فإنّه ليس سوى إطفاء نار غضب الجماهير الفلسطينية التي تشعر أنّ الدول العربية تتركها، تُهمِل قضيتها أو حتى تخونها.

"من المهم نبتعد قدر الإمكان عن التعاطي مع الموضوع بشكل عاطفي"
في هذا المجال أعتقد أنّه من المهم نبتعد قدر الإمكان عن التعاطي مع الموضوع بشكل عاطفي، وأن نحاول أن لا نرى الصورة التي أمامنا فحسب، بل نتوقع الأحداث المستقبلية ونحاول التأثير عليها، لعلّه من الممكن تقليل الضرر الناجم من هذا الجرف وراء التحالف مع نتنياهو.
برأيي المتواضع، القيادة الفلسطينيّة لم تقم بالحد الأدنى من الجهد من أجل لجم الاتفاقيّة بين الإمارات وإسرائيل، وحتى أنّها لم تقم بأيّة محاولة لفرض صياغة اتفاقيّة أقل سوءًا للفلسطينيين على الإمارات! فكنت أتوقع من القيادة الفلسطينية أن لا تكتفي باتهام الإمارات بالخيانة وبإصدار البيانات الرنانة والطنانة، بل أن تقوم بكل ما أوتيها من قوّة من أجل تلطيف الواقع.
واسمحوا لي في هذا المضمار أن أذكر أنّه عندما مرّت إسرائيل بحالة مشابه في فترة ما قبل توقيع الاتفاقيّة بين الولايات المتحدة وإيران؛ بقي نتنياهو حتى اللحظة الأخيرة يحارب من أجل ردع قيادة أوباما عن توقيع على الاتفاقيّة مع إيران. وفي ذات الوقت حاول تحسين الاتفاق من وجهة النظر الإسرائيليّة، الّا أنّنا رأينا أنّ الجانب الفلسطينيّ لم يقم بأي جهد بهذا المجال، فدون شكّ جهد دبلوماسيّ حثيث وجاد كان من الممكن أن يلجم، على الأقل، البحرين من الانضمام إلى الاتفاق.
سأحاول في السطور التالية إدراك وتحليل الدوافع لهذا اللهاث وراء بناء العلاقات مع إسرائيل والأهم من ذلك إرضاء إدارة ترامب.
أذكر قبل سنتين شاركت في مؤتمر منظمة العمل الدولية الذي عقد في "مينسك" بصفة المختص في قانون العمل الدولي المرافق للمؤتمر، وكان هذا منصب مهم في المؤتمر وتقريبا معظم المشاركين عرفوني شخصيا، وبينما كنت في "حفل الكوكتيل" الختاميّ للمؤتمر رأيت مندوبا من الجمهورية الإسلامية في إيران (فكل واحد من المشاركين يحمل شارة مسجل عليها اسمه والدولة التي أتى منها)، فتوجّه إليّ وحيّاني، وعندها ابتسمت له ومددت يدي لأسلّم عليه. هذا المندوب كان متفاجأ جدا لأنّني مددت يدي وأشار إلى الشارة التي يحملها والتي تُشير إلى أنّه من إيران بينما أنا من إسرائيل. ولكنّني أصرّيت على  سلامه وقلت له اسمعني، "أنا عربي فلسطينيّ، مواطن دولة إسرائيل، وحل عادل للقضية الفلسطينية مستحوذ على ضميري، لكن اذا كانت دولتك حقا تريد مساعدة القضية الفلسطينية فلتكفّ عن فرض رأيها على الفلسطينيين، ولتحترم رأيهم وقيادتهم، وإذا كنت تعتقد أنّ إيران تخدم القضية الفلسطينية بسياستها، فأنت مخطئ، لأنّ الدعوة للقضاء على إسرائيل لا تخدم سوى إسرائيل وأعداء السلام ونتنياهو. فهُم يطيرون فرحا لسماع تصريحات قادة إيران الطنانة والرنانة لأنها تخدم دعايتهم؛ "أنّ إسرائيل هي الضحيّة وهي التي تحتاج إلى من يدافع عنها..." فيُشغل الرأي العام عن الضحية الحقيقية وهي الشعب الفلسطيني. لا أريد أن أسهب أكثر في ذاك النقاش، لكن ما طرحته فاجأهم جميعا وأحاطني عدد كبير منهم ليستمعوا إلى كلامي.
وعودة إلى الإمارات ودول الخليج عامة، فأعتقد أنّه لا يختلف اثنان على أنّ إيران قد شنّت عداءً ضد دول الخليج أجمع بسياستها ومواقفها، فهي لم تقم بهذا العمل خدمة لمصالح شعوب الخليج، بل كجزء من سياسة ما يسمى ب"تصدير الثورة" الذي رافق الثورة الإيرانية منذ انتصارها عام 1979.
 لا نستطيع أن نتجاهل أن جزء من الفئات الشيعية في الدول العربية تحولت إلى الذراع الطولي لإيران في المنطقة مما أجّج الصراع في كثير من دول الشرق الأوسط، وزعزع أمن وأمان المواطنين.
بهذا الصدد أودّ أن أوضّح أنّ الدول التي كانت بها نشاطات شعبيّة او عسكريّة ضد النظام، كانت عادة دول ذو أنظمة رجعيّة متخلفة معادية للديموقراطيّة وحقوق الإنسان، لذلك كان من السهل على القوى التقدميّة العربيّة مساندتها على الرغم من المعرفة التامّة لضلوع إيران بكل ما تحمل من مبادئ لتصدير ثورة تقوم على أساس دينية متطرفة. فالإغراء بالقضاء على أنظمة مقيتة تتبع للولايات المتحدة وبالتالي تخدم سياسة إسرائيل كان كبيرا إلى درجة التغاضي عن تبعيّات والنتائج المستقبلية لتقوية المد الإيراني.

ما الذي حدا بهذه الدول أن توقّع الآن اتفاقا مع إسرائيل؟

عودة إلى موضوع الإمارات ودول الخليج ومحاولة مني للإجابة على السؤال؛ ما الذي حدا بهذه الدول أن توقّع الآن اتفاقا مع إسرائيل في ظل أسوأ حكومة إسرائيليّة؟ هل هو الدافع الاقتصاديّ؟ أم هو أمر آخر؟.
أعتقد أنّ هناك شِبه إجماع أنّ هذه الاتفاقيّة هي من صنع رئيس الولايات المتحدة الحاليّ السيد دونالد ترامب، الذي كان يحتاج في هذه الأيام إلى إنجاز "عظيم" يطرحه أمام شعبه، آملا بأن يعزّز من شعبيته في الانتخابات القريبة. أما نتنياهو المتورّط حتى النخاع في ملفاته الجنائيّة فهو بحاجة إلى إنجاز حتى يقوّي موقفه الشعبيّ آملًا في تقوية موقفه أمام المحكمة، والصديق الأمريكي يقوم بكل جهد من أجل مساعدة صديقه الإسرائيلي.
ومع هذا يطرح هنا السؤال التالي؛ ما الذي دفع بالإمارات للموافقة على توقيع هذه الاتفاقيّة، هل هي فقط الرغبة بمساعدة رئيس الولايات المتحدة؟
والإجابة الحقيقيّة برأيي هي شعور هذه الدول بأنّ مصيرها واستمرار وجودها منوط بالدعم الأمريكي لها وحمايتها من الإيراني المرعب الذي لا يرتدع لحظة، ولم يتوقف عن التخطيط للإطاحة بهذه الأنظمة. ولعل التهديد الإيراني الأخير للإمارات بأن إيران سترى بها استمرارا لإسرائيل وستقوم بضرب الإمارات بدلا من إسرائيل، الذي هو تعبير عن استهتار إيران بالإمارات وكان "الدفشة" الأخيرة للإمارات قبل توقيع الاتفاقيّة. وهكذا يبقى السؤال ما الذي تغير؟ فهذه الأنظمة كانت دائما بحاجة إلى الحماية الامريكية؟ ولماذا الان؟ والاجابة أنّ التغيير هو في سياسة ترامب الذي بات يطلب ثمنا اكبر لخدماته، إدراكا منه أنّه هو الوحيد الذي يستطيع أن يزوّد الحماية لأنظمة  الخليج وأنّ هذه الأنظمة لا تستطيع أن تُخاطر بأمنها وبوجودها وبذلك لن ترفض له طلبا.
بكلمات أخرى تحوّل التهديد الإيراني إلى ورقة ترامب الرابحة أمام دول الخليج، وسخر بشكل كامل ليس من أجل مصالح الولايات المتحدة فحسب بل من أجل المصالح الشخصية لترامب ونتنياهو. هذا طبعا لا يعني اعفاء هذه الدول من المسؤولية ولا يعني عدم وجود دوافع أخرى لهذه الدول للقيام بهذه الخطوة الدراماتيكية والخطيرة.
أذكر في هذا السياق جملة غير اعتيادية لرئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق رابين بعد عمليات التفجير التي قام بها رسل حماس للأبرياء في إسرائيل، إذ قال "تحوّل الليكود إلى مساعد لحماس" وأستطيع أن أُضيف أيضا  رأيي هنا أنّ "حماس" هو الذي تحوّل إلى مساعد لليكود" وقد تكون هذه الجملة أصدق وأصحّ على الأقل من ناحية الفلسطينيين.
وها نحن نجد أنفسنا مرة أخرى أمام واقع غريب، تتحوّل به إيران التي تزايد على قيادة شعبنا إلى العصا السحرية التي تدمر بها القضيّة الفلسطينيّة.  ولعلّ هذا هو الدليل على أنّ ما تفكر  به "الثورة" الإيرانية هو كيفية خدمة مصالحها، فلا يوجد أي دور لمصلحة القضية الفلسطينية. 

 هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان: 
bassam@panet.co.il .



استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ panet@panet.co.il

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقالات
اغلاق