اغلاق

مقال | بين الترحيب باللقاحات وقبول فقدان الحريات

كالمستجير من الرمضاء، دون ان يدري، بالنار او كمن يحتفل بنجاته من الغرق فور إخراج رأسه من الماء قبل ان يصل شاطئ الأمان وربما دون ان يدري ما إذا كان اصلاً،


المحامي زكي كمال

سيبلغ ذلك الشاطئ، احتفل العالم عامة واسرائيل خاصة، ببدء عمليات التطعيم من الكورونا ناسين او متناسين بفعل اعلام حكومي او اعلام موجه، ان اللقاحات لن تكون مهما ازدادت فاعليتها، نهاية الكورونا.
لا انكر ان اللقاحات هي بصيص تفاؤل وأمل بعد عام من التشاؤم كانت فيه الكورونا " جرس الانذار " او " التذكير" ان البشرية مهما تقدمت تكنولوجياً واقتصادياً فإنها ما زالت عاجزة عن مواجهة الآفات بتأثيراتها المتعددة، والتي بإمكانها صياغة او إعادة صياغة جدول الاهتمام العلمي والسياسي والاقتصادي العالمي خاصة اذا اصابت كما فعلت الكورونا، العالم المتحضر والمتقدم اقتصادياً وتكنولوجيا وعسكرياً،  ولم تبقى حصرا على " الساحة الخلفية الفقيرة ممثلة بأفريقيا كالكوليرا والسارز والملاريا وغيرها، لكن هذه اللقاحات تشكل في أفضل الأحوال علاجاً للجانب الصحي الطبي للآفة دون ان يمتد أثرها الى الجوانب الأخرى التي ستبقى ماثلة امامنا سنوات طويلة او ربما عشرات السنوات والمتعلقة بجوانب سياسية واجتماعية واقتصادية ونفسية وتعليمية ستحدد معالم الأجيال القادمة.


سياسياً، كان العام 2020 عاماً بلغت فيه تدخلات الحكومات المختلفة في الدول الديمقراطية وغيرها، الحد الأقصى، بل انها وصلت مستوى لم يتوقعه  أحد، فقد قبل المواطنون طوعاً وضعاً منحت  الحكومات نفسها بذريعة الكورونا الحق في تحديد حركتهم  وحرياتهم وإمكانية تنقلهم وصاغت حياتهم من جديد  رغم الإشارات المتكررة الى اعتبارات سياسية وشخصية وحزبية طغت على القرارات "الصحية" وسمحوا للحكومات بأن ترسم لهم " هوامش حركتهم" وحددت هوية الأشخاص الذين يلتقونهم او يجتمعون بهم"  شرعاً قانونياً " بل منعتهم حتى من رؤية احفادهم او أولياء امورهم من كبار السن، واذا كان هذا لا يكفي شرعنت الكورونا في إسرائيل امراً كان في حالات أخرى مختلفة سيقيم الدنيا ولا يقعدها، وهو رقابة أجهزة الأمن العام لتحركات المواطنين وتنقلاتهم عبر تتبع هواتفهم الخليوية بهدف الكشف عما اذا كانوا قد اقتربوا من مصاب بالكورونا، وهي شرعنة اقرها المستشار القضائي للحكومة وقبلتها محكمة العدل العليا، فالغاية تبرر الوسيلة.

" التنازل عن الحرية الشخصية "

في هذا السياق يخطئ من يعتقد ان الدولة ستتنازل طوعاً وعن طيب خاطر عن " إنجازات" حققتها وانها ستتورع او تمتنع عن مواصلة استخدام هذه الوسائل لأغراض أخرى امنية وسياسية وغيرها، كما يخطئ من يظن ان مدى تدخل الدولة وأجهزتها في حياة الفرد سيعود بعد الكورونا الى ما كان عليه قبلها.
طوعاً وعن طيب خاطر تنازل المواطنون عن حرياتهم الشخصية وسمحوا للدولة، تحت غطاء الكورونا وبحجة الدفاع عن صحتهم ووقايتهم من الخطر، وسمحوا بتعقبهم والتجسس عليهم وتتبع تحركاتهم، وهو امر سيبقى سراً او علناً بعد زوال الاخطار الصحية للكورونا.

ليس ذلك فحسب فقد عادت الدول الديمقراطية التي قدست الخصخصة والسوق الحرة والتنافس الشخصي وبضمنها إسرائيل،  الى عهد الاشتراكية والدعم المالي متحكمة بذلك بشكل مباشر برفاهية مواطنيها ومستوى معيشتهم، لتكون صاحبة القول الفصل وصاحبة السلطة الوحيدة في ضمان مستوى معيشي لائق للمواطنين او لبعض فئاتهم عبر تكريس الهبات المالية لفئات معينة دون غيرها، وحرمان فئات أخرى من هذه الهبات التي كلفت خزينة الدولة عشرات مليارات الشواقل ، ومنها وعلى سبيل المثال الفنانين والكتاب  والمنتجين والمبدعين والادباء  وصناع السينما والمسرح في البلاد وذلك لأسباب ووفق معايير غير واضحة تفتح الباب امام تأويلات واجتهادات تفوح منها رائحة السياسة .

اجتماعياً اثبتت الكورونا ان الإنسان بطبيعته يميل الى الأجتماع مع الأخر وانه يفعل ذلك من منطلق رغبته في اثبات وجوده وكيانه، وكانه يقول:"  انا اجتمع اذن انا موجود" في بعض الأحيان او من منطلق التصريح علناً، كما كان الحال مع اليهود المتزمتين الحريديم، ان قرارات الدولة التي تغدق عليهم الأموال والميزانيات لا تلزمهم، انهم لا يعترفون بسلطانها بل ان لهم "  منظومة وسلطة قيمية  مستقلة" لا علاقة للدولة بها ولا سيطرة لها عليها، او كما كان الحال عليه في المجتمع العربي من التفاف واضح وصارخ على التعليمات جاء كفرصة سانحة ليقول المواطن العربي فيه للدولة بحكومتها الحالية انه لا يثق بها ولا بمنطلقاتها وقراراتها حتى لو "غلفتها بالحرص على مصلحته وصحته" وهي التي اهملته طيلة عقود قصداً او عفوا، وهو حالة ستتواصل بعد انتهاء الكورونا ولعل استفحال اعمال العنف والتمرد على الشرطة وعدم اعارتها أي احترام او اهتمام هو تعبير عن ذلك.

" سحب الشرعية "

لم يقف تدخل الحكومة في حياة المواطنين واستحواذها على صلاحيات لم تكن لها، عند هذا الحد، بل وصلت حد الغائها السلطة التشريعية ورفضها الرقابة البرلمانية بل حتى محاولة سلب معارضي قرارات الحكومة ورئيسها حق التعبير عن رأيهم ان لم يكن سحب الشرعية عنهم باعتبارهم يعيقون عملها ويمنعونها من انقاذ أرواح الناس ومكافحة الوباء بل ربما المشاركة في نشره، وهو نهج لن تتنازل الدولة او الحكومة عنه، فهل هناك سلطة تتنازل عن سلطتها؟ او تتحرر طوعاً من اسلحتها؟ او تمنح معارضيها حريات كانت سلبتها منهم؟.

قضائياً: خضعت السلطات القضائية في إسرائيل خاصة خلال الكورونا لأهواء السياسة ولم تكد تتدخل في قرارات السلطة التنفيذية وليس ذلك فحسب بل منحت الشرطة حق مراقبة المواطنين والتحقيق معهم لمجرد خروجهم من بيوتهم، ومنحتها سلطة فر ض الغرامات عليهم دون حسيب احياناً ، كما استغلت الشرطة الكورونا لفرض القيود على حرية التظاهر عبر تحديد اعداد المشاركين في المظاهرات ضد رئيس الوزراء واعتقال قادة المظاهرات " بادعاءات صحية كورونية" ودمغتهم بأنهم ليسوا معارضين سياسيين بل " انهم ينشرون المرض بشكل مقصود" او أنهم " خطر صحي دائم وداهم"، وبالتالي يحق نزع الشرعية عن كل من هو منهم او معهم، وهو نهج لن تتنازل عنه السلطة والحزب الحاكم حتى لو انتهت الكورونا وربما سيبرره بتسميات تختلف ولكن بنفس الجوهر.

جاءت الكورونا فغيرت الواقع وحولت العالم من قرية صغيرة واحدة الى دول تتقوقع وتلتف حول ذاتها مغلقة أبوابها امام الغرباء حتى لو كانوا حتى قبل لحظة " اخوة في نفس الاتحاد ونفس المصير" كما كان الأمر عليه بين دول الاتحاد الأوروبي لتتحول شعارات العولمة والحدود المفتوحة والسماء المفتوحة الى شعار" اللهم نفسي" بكل ما رافق ذلك من اغلاق للحدود والصاق للتهم بالصين وكأنها صدّرت عمداً الفيروس الى أوروبا، وما رافقه من تفضيل الدول المنتجة للقاح لمواطنيها على المواطنين الآخرين ، كما هو الحال في الولايات المتحدة، ضاربة عرض الحائط بالشعارات الرنانة حول التكافل الدولي ناهيك عن ان الكورونا كانت من نصيب الدول  والشعوب الفقيرة ايضاً اما اللقاح فلا، فعليها الانتظار.
حتى وان انتهت الكورونا عام 2021، ويقيناً لن يحدث ذلك خاصة وان كافة المعطيات تشير الى ان نحو 5 مليارات من مواطني العالم وبضمنهم معظم الأمريكيين لن يحصلوا على التطعيم ما يكشف عورة نظامهم وفشل منظومتهم الصحية رغم تطورهم التكنولوجي فلديهم الآلة اولاً وليس الإنسان، فإن تبعاتها السياسية والاقتصادية والأخرى ستبقى قائمة سنوات وسنوات ممثلة بمواطنين تنازلوا عن حرياتهم طوعاً وتخوفاُ  بفعل قادة مارسوا الترهيب والتخويف لأهدافهم الذاتية او قادة فضلوا التخوين والتجاهل ونظرية المؤامرة وذلك  خدمة لأهدافهم الشخصية والسياسية والحزبية ايضاً، اما المواطن العادي فإنه سيبقى لسنوات قادمة رهينة لقرارات وحسن نوايا الحكومات في معادلة قاسية سيقبل من خلالها مرات ومرات التنازل عن حرياته الشخصية والاجتماعية والمدنية وربما حريات أخرى سياسية وقانونية اذا كانت صحته وصحة افراد عائلته وامكانيات عيشهم الكريم  وفرص عملهم على الكفة الأخرى من الميزان.


عادت الكورونا بمواطني الدول الديمقراطية الى " المربع الاول من سلم الاحتياجات الذي صاغه ابراهام ماسلو" فاكتفوا لفترة طويلة بسبب الكورونا بدرجة السلم الأولى وهي الأمن الشخصي والغذائي والصحة اي بالبقاء وتنازلوا عن جودة البقاء وباختصار " الإكتفاء بالحياة عوضاً عن البحث عن جودة الحياة" ويقيناً ان الحكومات ستجيد استخدام هذا التوجه كلما ارادت وان تسوغ ذلك باعتبارات الطوارئ كالحرب والأزمات وغيرها.
اللقاحات كفيلة ربما بانهاء الجوانب والتأثيرات الصحية للكورونا لكنها لن تزيح عن كاهل المواطنين رحى القيود ولن تعود حياتهم كما كانت، فمن سلب الحريات مرة واحدة بفعل الكورونا سيجد العذر المناسب لتكرار ذلك اذا ما اقتنع ان ذلك في مصلحته السياسية والشخصية.



صورة للتوضيح فقط - تصوير: (Photo by JACK GUEZ / AFP) (Photo by JACK GUEZ/AFP via Getty Images)


استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ panet@panet.co.il

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقالات
اغلاق