اغلاق

بصراحة : أمريكا اولاً.... فهل اسرائيل ثانياً؟

لم تأخذني الدهشة ولم تتملكني الصدمة، وانا أشاهد اقتحام مؤيدي دونالد ترامب بمئاتهم او ربما آلافهم، مبنى الكونغرس الامريكي يهدمون ويخربون ويحطمون، بل ،

 
المحامي زكي كمال

يدوسون على رمز من رموز السلطة والقانون والإدارة والديمقراطية الامريكية التي طالما تغنوا بها، ولم أجد نفسي إزاء هذه المناظر تحت هول المفاجأة، فهي ما كنت قد حذرت منه مؤكداً انني لا استبعد ان يرفض ترامب نتائج الانتخابات وان يرفض الالتزام بقواعد مغادرة البيت الأبيض وهو ما حصل عبر إعلانه انه لن يحضر حفل تنصيب خلفه جو بايدن الديمقراطي وهو خطوة لم يشهدها تاريخ الولايات المتحدة منذ استقلالها عام 1776.
صحيح ان الصور كانت صادمة ومخيفة لكنها لم تكن مفاجئة لي، بل ذكرتني بالشعار الذي رفعه ترامب على رايته منذ أعلن خوض السباق الرئاسي عام 2015، وهو " أمريكا اولاً" بكل ما يعنيه ذلك من انغلاق وتقوقع ورفض للأعراف والتقاليد والاتفاقيات الدولية، لتؤكد الصور وما رافقها من تخوين وتهديد بالقتل والإعدام لكل من تجرأ على قبول الحسم الديمقراطي أي خسارة ترامب، والاعتراف بفوز بايدن، خطورة هذا الشعار المنطلق من الولايات المتحدة وهي التي تصدر للعالم ولبلادنا كل شيء وتعتبر قدوة تحتذى.

" واقع خطير "
"أمريكا اولاً" ...شعار تحول الى واقع خطير مضمونه قمع حريات المعارضة والأقليات والتهديد باستخدام القوة الشرطية والعسكرية ضدها، بل واستخدامها فعلاً لقمعها، لمجرد محاولة المعارضة والأقليات الملونة حقها في حرية التعبير او المطالبة بالمساواة، دون ان يقف ذلك عند هذا الحد بل ليصل حد التخوين واعتبار المطالبين بالمساواة وحرية التعبير " فوضويين تمولهم هيئات اجنبية".
"أمريكا اولاً " ... شعار انتخابي سرعان ما فقد فحواه ليتحول الى " ترامب اولاً واخيراً" متجاهلاً المبدأ الأول الذي قامت عليه أمريكا باعتبار الدولة والدستور القيمة الأعلى التي لا قيمة لا تعلوها، وليس ذلك فحسب بل ان "أمريكا اولاً" تحول الى تأليه للرئيس واعتماد عليه فقط وتجيير كافة الوسائل وشرعنتها لإبقائه واستبدال عبارة" In God We Trust " المنقوشة على الأوراق النقدية الأمريكية بعبارة " Only In Trump We Trust"   ".
" أمريكا اولاً"، شعار غوغائي تناسى ان الدولة  لكافة مواطنيها على اختلاف انتماءاتهم وتوجهاتهم والوانهم وعقائدهم السياسية والدينية والاجتماعية، وجعلها حصراً على العرق الأبيض المتدين المتطرف الذي يحاول اعادتها الى عهود العبودية والتفرقة العرقية واستخدام الجيش وأنظمة الطوارئ لمحاصرة الأقليات وتحديد نشاطاتها وتقليص حرياتها وجعلها مواطنين من الدرجة الثانية .

" محاولة مكشوفة وسافرة "
"أمريكا اولاً "، شعار تمت ترجمته الى رفض للحسم الديمقراطي وإقصاء للرأي المضاد وتحجيم للجهاز القضائي ومحاولة مكشوفة وسافرة " لملاءمته لرغبات القائد والزعيم الأوحد الذي ارسله الله لإنقاذ أمريكا " في حالتنا هذه، وهو زعيم موجود في كل دولة كما يبدو ".
 وعلى وقع شعار " أمريكا اولاً " لا بد من التساؤل " من ثانياً او من لاحقاً، ولا بد من مقارنة ما حدث في الولايات المتحدة من استفاقة للأقليات هناك وخاصة الملونين ومحاولة هذه الاقليات تجسيد قوتها وتحويلها الى تأثير سياسي وحزبي وبرلماني وتأثير على مواقع اتخاذ وصنع القرار، بما تشهده دول أخرى ومنها اسرائيل خلال الحملات الانتخابات الأخيرة، التي أكدت التغيير الكبير والبارز على تصرف المواطنين العرب ، والتي اكدت ان المواطنين العرب اليوم أي الجيل الشاب والقيادة السياسية لديه، يختلفون عن " المواطنين العرب في فترة 1948- 1966" أي فترة الحكم العسكري التي شكلت قمعاً لحريات 85% من المواطنين العرب وسلباً لقدرتهم على التحرك والدراسة والعمل والتقدم والنشاط السياسي والاقتصادي، اختلاف انتقل من جيل يريد مجرد العيش الى جيل يريد العيش بمساواة تامة والانخراط في حياة الدولة والتأثير والمنافسة في دولة ديمقراطية ( للعرب كما لليهود وليس لليهود فقط) تضمن قوانينها وممارساتها المساواة التامة لكافة مواطنيها أي دولة ديمقراطية وان كانت يهودية بعد ذلك.
إضافة الى ما سبق لا بد من التساؤل وعلى ضوء ما حدث في الكونغرس الامريكي وخلال الانتخابات الامريكية الأخيرة، ما اذا كانت القيادة السياسية في إسرائيل ستتبنى او تبنت فعلاً شعار " أمريكا اولاً" بصيغته الإسرائيلية لكن بنفس مضمونه الأمريكي أي عبر اقصاء الأقلية العربية وتخوينها ومحاولة نزع الشرعية عنها واعتبارها " شرعية للتصويت وليس للتأثير والمشاركة" واعتبار إسرائيل دولة اليهود وليس دولة يهودية" على وزن اعتبار الولايات المتحد ة" دولة للبيض فقط وليس دولة كافة مواطنيها" ، وقبل كل ذلك وفوق كل ذلك التساؤل خوفاً وقلقاً وترقباً ما اذا كان شعار " أمريكا اولاً " الرافض للحسم الديمقراطي والمعارض لإرادة المواطنين واختياراتهم سيصل إسرائيل، بصيغته النهائية ، أي برفض نتائج الانتخابات ورفض التنازل عن السلطة وليس فقط الاكتفاء بالادعاء  بأنه "  تمت سرقة الانتخابات" وهو ما قاله رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في الانتخابات الأخيرة وقبلها،  او " بان هناك مؤامرة لإنهاء حكم اليمين تشارك فيها المعارضة والمحاكم وقوى أخرى خارجية وحلية  " تماماً كادعاءات حركة Qanon" " الأمريكية ، وهو ما قاله رئيس الوزراء في المؤتمر الصحفي المشهور مع افتتاح جلسات محاكته في آذار 2020 حين اتهم المحاكم والاعلام والمعارضين وجهات خارجية بالتآمر لإنهاء حكم اليمين وازاحته عن رئاسة الحكومة، بينما يقف خلفه وزراء يكتفون بهز رؤوسهم موافقين خانعين ، ومنهم الوزير دافيد امسالم الذي هدد بان" الملايين سيخرجون الى الشوارع  رافضين اذا ما تمت ادانة نتنياهو بالتهم الموجهة اليه في لائحة الاتهام".


" مساواة الأقليات واحتوائها "
أتساءل إزاء احداث الكابيتول وعلى خلفية تصريحات القيادات الإسرائيلية عامة ورئيس الوزراء الحالي خاصة حول " مساواة الأقليات واحتوائها" ما اذا كانت الحكومة اليمينة الحالية ورئيسها قد ادركوا فعلاً أهمية وضرورة دمج المواطنين العرب والاستفادة من قدرات العرب في كافة المرافق القضائية والأكاديمية والطبية وغيرها من مواقع التأثير أم ان هذه التصريحات تجيء لأغراض انتخابية قصيرة المدى تشكل في ملخصها " سخرية سياسية ومسرحية فقط لا غير"، خاصة ون المنطق والتحولات التي يشهدها المجتمع العربي على اختلاف انتماءاته الدينية والاجتماعية ، تعزز توجهات ورغبات استخدام القوة البرلمانية والنشاط الحزبي والعملية الانتخابية للإندماج ووصول مواقع التأثير القطرية والمشاركة في عملية اتخاذ القرار والحسم الوطني، أم ان اليمين يحاول التقرب من العرب باعتبارهم مخزن أصوات ثم سيقصيهم من مواقع وامكانيات التأثير في صنع واتخاذ القرار.
على ضوء أحداث الكابيتول تزداد المخاوف إزاء الأزمة التي تعانيها اسرائيل ويعانيها النظام الديمقراطي في البلاد، وتحديداً التنافر والعداء بين المجموعات والفئات المختلفة رأياً وانتماءً وما يرافقها من تساؤلات حول ما إذا كانت المشاركة في العملية الانتخابية تساهم في تخفيف حدة التنافر او انها تزيده على وزن السؤال حول ما اذا كانت المشاركة في الانتخابات البرلمانية والتصويت لأحزاب، تساهم في تخفيف حدة النعرات العائلية والحمائلية في المجتمع العربي.
اقتحام الكابيتول بتاريخ 6.1.2021 والذي سبقه حدث مشابه عام 1814 احرق خلاله الجيش البريطاني مبنى الكونغرس في العاصمة واشنطن، كان النهاية الحتمية لما فعله ترامب خلال السنوات الأربع الأخيرة والتي كان فيها رئيس الولايات المتحدة وقبلها بعام ونيف خلال الحملة الانتخابية الرئاسية، من إضعاف للجهاز القضائي وخرق لكافة الأنظمة والتعليمات القانونية ومخالفة لكافة القواعد الاساسية للنظام الديمقراطي واستخدام كافة الوسائل لضمان فوزه حتى لو كانت تدخلات روسية في الانتخابات تجاهلها ومنع التحقيق فيها وأقال كل من حاول سبر أغوارها والوصول الى حقيقتها، وشرعن كافة الخطوات ، بما فيها غير الشرعية، للمس بمنافسيه كما حدث في أوكرانيا غيت والاتهامات العارية عن الصحة التي وجهها لجو بايدن وللرئيس الامريكي السابق باراك أوباما وغيرهما، والدعوة الى عدم احترام المحاكم والاشارة دون خجل الى ان قراراتها كلها تنبع  من عدائها له شخصياً ورغبتها في تنحيته وهي ادعاءات كررها وزراؤه ومساعدوه واعنقها مؤيدوه دون تفكير او تدبير ، في حالة تذكرنا بل تتطابق مع ما تشهده الحلبة السياسية في البلاد من اقصاء لفئات ما ورفض للحسم الديمقراطي او اتهامات للجهاز القضائي بانه ينفذ انقلاباً قضائياً وتخوين المعارضين حتى لو كانوا حتى قل حين من المناصرين ( جدعون ساعر مثلاً) كما تم تخوين مايك بينس في أمريكا  وتهديد بالإعدام شنقاً ، لأنه تصرف بشكل أكد ان اخلاصه  الأول والأخير هو للدستور ولأمريكا وليس للزعيم دونالد ترامب، والسؤال هو هل انتفضت الديمقراطية الأمريكية وانقذت نفسها وهل بإمكان الديمقراطية في البلاد ان تنتفض لتنقذ نفسها من مصير مشابه .

" العنوان على الحائط "
هذا الاقتحام هو " العنوان على الحائط " او " الشرارة الأولى التي قد تشعل الحريق " في البلاد كما حذر رئيس الدولة رؤوفين ريفلين، إذا ما أسفرت الانتخابات القادمة عن نتيجة لا تقبلها " الأغلبية اليمينية المتمسكة بالسلطة" او عن ائتلاف حكومي ينهي حكم اليمين ونتنياهو خاصة إذا شمل أحزاباً لا تحظى بقبول "الأغلبية" او " المنافس الخاسر" ومؤيديه الذين دعوا الى " اخراج الملايين الى الشارع" او " اقتحام محكمة العدل العليل بجرافة D9" أو إقصاء المواطنين  العرب واعتبار اصواتهم غير شرعية بل اعتبار أحزابهم داعمة للارهاب، او اعتبار معارضيه والمتظاهرين ضده جماعة من الفوضويين الممولين من دول خارجية عدوة لإسرائيل منها ايران او ناشرين للأمراض.
العنوان على الحائط والتيارات الجرفية تحت الأرضية والخفية في إسرائيل تقود الى ذات المكان خاصة وان إسرائيل مكلومة من ماضٍ ليس ببعيد أدى فيه التخوين والإقصاء الى اغتيال سياسي راح ضحيته رئيس الوزراء اسحق رابين وسبقه تخوين للمتظاهرين ضد رئيس الوزراء مناحيم بيغن ( رئيس الحكومة من الليكود كما اليوم) انتهى الى قتل احدهم هو اميل غرينستفايغ، وبالتالي فإن شعار "أمريكا اولاً " قد يتكرر مرة أخرى على شاكلة " إسرائيل ثانياً" أي ان يرفض" الحاكم حالياً" قبول الحسم الديمقراطي والاعتراف بالخسارة وبالتالي دعوة مؤيديه مباشرة او تلميحاً الى الوقوف في وجه المتآمرين لإنهاء حكمه بصفته ممثلهم والوحيد الذي ارسله الله لحماية الدولة امام اعدائها من الخارج والمتآمرين والفوضويين من الداخل".
جاء شعار "أمريكا اولاً " وما انتهى اليه ليثبت للقاصي والداني الفارق الشاسع بين الشعار والتطبيق في الحياة السياسية في الدول الديمقراطية او التي تدعي الديمقراطية وحقيقة ان هذه الشعارات في غالبيتها إن لم يكن كلها انما هي محاولة لاسترضاء الناخبين واستمالتهم ولن أقول " الضحك عليهم والتغرير بهم " لضمان أصواتهم دون ان تكون لدى الزعماء اية رغبة حقيقية في التنفيذ،  وفوق كل ذلك كشفت الأحداث هشاشة الأنظمة الديمقراطية ، كما اتضح من خلال آداء الإدارة الأمريكية ومواجهتها للكورونا وطريقة عملها في منح مواطنيها اللقاحات في حالة أشبه ما تكون بدول العالم الثالث ،وضعفها امام المتطرفين الذين لا يعترفون بالدستور والقضاء المدني بل يؤمنون بقانون التنظيم او الجماعة او القانون السماوي الديني المتطرف.
ختاماً: جاء السادس من يناير 2021 ليكتب على الحائط في الدول الديمقراطية وفي بلادنا عنواناً بالبنط العريض يقرأه الجميع والسؤال " هل من مجيب؟ ".

 


استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ panet@panet.co.il

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقالات
اغلاق