اغلاق

مقال: القائمة المشتركة والمجتمع العربي - من قام على من ؟

فقدت القائمة المشتركة الكثير من بريقها عند الشارع العربي في غضون شهور. تحالف كلّ القوى الوطنية لعرب الدّاخل كان مطلبا جماهيريا، وجاءت هذه الأحزاب أخيرا - بغض النظر عن الدافع - لتحقّق

 
صورة للتوضيح فقط - تصوير: shironosov iStock 

ما طالبتهم به الجماهير على مدى عقود. وسرعان ما تبيّن كم من الصعب الجمع بين تحالفات سياسية مختلفة، رغم انتمائها لنفس المجتمع واشتراكها في معظم مطالبه الأساسية.
        في هذا المقال سأشرح وأبيّن أنّ الصّدع الرّئيسيّ الّذي يحدث على المستوى السّياسيّ لعرب الدّاخل أبعاده أعمق ممّا يرى البعض، والإشكاليّة ليست إشكاليّة تصويت على قوانين المثليّة الجنسيّة؛ أو التّموضع في الــلّا-يسار من قبل النّائب د. منصور عباس والحركة الإسلاميّة. بل هي عبارة عن بداية شرخ تاريخيّ واضح، بين اليسار-الإشتراكيّ وبين المجتمع العربيّ الفلسطينيّ في الدّاخل.

مراجعة تاريخيّة - أ - فلسطين
بعد قيام إسرائيل، كان التّحالف بين المجتمع العربيّ الفلسطينيّ في الدّاخل وبين الحزب الشيوعي الإسرائيلي تحالفا طبيعيا. مجتمع منهك ومنكوب بعد حرب فقد فيها الكثير من أبنائه سواء كان نتيجة التهجير أو القتل أو الإبعاد، وتحول للعيش في دولة لم يقمها أصلا ولم يكن شريكا في إنشائها، بل قامت على أرضه رغما عنه، وفي غالبه كان - أو ما بقي منه - مجتمعا جلّه من الفلاحين وأصحاب المهن البسيطة والعمال الكادحين. فمن كان أولى من الحزب الشيوعي أو قل الفكر اليساري-الاشتراكي بشكل عام، أن يمثل شعبا ومجتمعا بهذه المواصفات؟ فقد قامت هذه الحركات السياسية على الفكر الذي يدعو لدعم حقوق الكادحين والمطالبة بتحسين ظروفهم لينالوا كرامتهم واحترامهم، وهذا ما حملته على الأقل في برامجها السياسية المعلنة. مع الوقت، وسع الحزب قاعدته الشعبية بإقامة الجبهة، وتحالف مع قوى وزعامات تقليدية. كما وقامت فئات أخرى ليست شيوعية تحمل فكرًا يساريّا-اشتراكيّا، كالحركة التقدميّة، وفيما بعد، التّجمّع.

مراجعة تاريخية - ب - أوروبا
          قام الفكر اليساريّ-الإشتراكيّ في أوروبا واشتدّ عوده في القرن التّاسع عشر. ومن سمات هذا الفكر وأكثر ما يميّزه كفره بكلّ ما هو مألوف أو تقليديّ أو متّبع عادةً عند الشّعوب الأوروبية. ادّعى أصحاب هذا الفكر أنه يجب تحطيم كلّ القيود التي وضعها الدّين والتّقاليد على القيم الأخلاقيّة وحقوق الملكيّة والتّجارة، وزعم وجوب بناء كلّ شيء بشكل وضعيّ من جديد، حتى أحكام التّعامل والأخلاق يجب أن تكون وفقا لقواعد عقلانيّة وعلميّة تجريبيّة (طبعا هذا ما زعموه هم، لكن ما سمّوه ويسمّونه "علميّ" و"عقلانيّ"، سمّاه مفكّرون أوروبيّون آخرون ككارل پوپر وفريدريخ هايك وغيرهم بالعلمويّة، بعدما ناقشوا حججهم وبيّنو تهافتها وأن لا علاقة لها لا بالعلم ولا بالعقلانيّة).
         لكنّ اليسار-الاشتراكيّ ما زال حيًّا إلى اليوم، حتّى في الغرب (الحديث هنا عن أوروبا الغربية وليس عن الدّول التي قامت فيها أنظمة اشتراكيّة شموليّة)، خصوصا بعد أن استوعبت الأنظمة الرّأس ماليّة الكثير من انتقادات اليساريّين-الإشتراكيّين وملاحظاتهم عليها، وأثبتت الرأسماليّة أنّها - إلى اليوم على الأقل - نظام أكثر فاعليّة وقبول عند الناس. فأصبح السّيناريو القائم والمتّبع عادةً في الغرب كالتّالي: أحزاب يساريّة-اشتراكيّة تبحث عن قاعدة دعم جماهيريّة، فتحمل برامج مطالب الطّبقة العمّاليّة الكادحة وتناضل من أجلها في البرلمانات، فيستوعب النّظام الرأسمالي ذلك، فينجح نضالهم وتقوم الأنظمة الرأسمالية حقّا بتحسين ظروف العاملين، فيضعف تأثير اليسار الإشتراكيّ على قاعدته الجماهيريّة لعدم احتياج الجماهير إليه؛ فيعود اليسار الإشتراكيّ للبحث عن قاعدته الجماهيريّة وبنائها من جديد، فيعدل برامجه الإنتخابيّة، وهكذا دواليك، حتى باتت من أهمّ ما تشمله أجندات اليسار الإشتراكيّ الحالية، مناهضة العولمة ودعم حقوق المثليّين.

عودة من الغرب إلى الشرق
       في الشّرق، وعند الأقليّة الفلسطينيّة تحديدا، حقّق اليسار-الإشتراكيّ نجاحًا كبيرًا لأسباب عدّة. أهمّها ما ذكر في المراجعة التاريخيّة -أ-، أضف إلى ذلك قيادات تاريخيّة راسخة الإنتماء إلى الجماهير الّتي مثّلتها، أبرزها المرحوم توفيق زياد (قائد جماهيريّ، ابن لعائلة فلّاحين بسيطة من قلب الجليل).
بنت هذه القيادات أجندتها وسلّم أولويّاتها وفق مطالب الجماهير الّتي مثّلتها، وتجنّبت وقوع صدامات بين الفكر اليساريّ-الإشتراكيّ وبين قناعات هذه الجماهير، فاستمر التّناغم، بين أقليّة محافظة لها قناعات وتقاليد تنتمي لشرقها الإسلاميّ، وبين حركة فكريّة ولدت في الغرب تكفر بكل المسلّمات الأخلاقيّة والتّقاليد والأديان وتدعو لبناء كل شيء من جديد، مرة أخرى، بـ"عقلانية" وبطريقة "علمية".
        لكن مع مرور السّنين، تحوّلت القاعدة الجماهيريّة لهذه الأحزاب إلى طبقة متوسّطة، فيها الموظفّون وأصحاب المهن الحرّة والأطبّاء والمحامون (هذه النّقلة طبعا كانت بدايتها مع فتح أوروبا الشّرقيّة أبوابها أمام طلّاب العلم التّابعين لهذا الفكر، الّذين عادوا ليكملوا مشاريع هذه الفئة السّياسيّة وأحدثوا دفعة نوعيّة قويّة لها).
حتّى أصبح حزب العمّال والكادحين في معظمه بلا عمالٍ وكادحين. لكن أغلبيّة أبناء الأقليّة الفلسطينيّة بقوا كذلك.
اليوم تكاد لا تجد نشطاء داخل هذه الفئة السّياسيّة بالذّات ممّن لم يكن آباؤهم من أتباع هذا الفكر. وأصبح من الصّعب عليهم استقطاب نشطاء جدد. فأضحت هذه الفئة، أشبه بطائفة منها بفئة سياسيّة.

الأزمات
مع غياب القيادة السّياسيّة القديمة، والتّحوّل في نوعيّة القاعدة الجماهيريّة لهذه الفئة، بدأت مشاريع التّناغم بين أجندات اليسار-الإشتراكيّ عند الأقليّة الفلسطينيّة وبين اليسار-الإشتراكيّ في الغرب، ودخلت إلى أجندات هذا اليسار مع الوقت نفس الأجندات الغربيّة، ما أظهر اضطرابا بين اليسار الإشتراكيّ وبين المجتمع الفلسطينيّ المحافظ، في كلّ مرّة يحدث فيها تصويت على قانون لا يتوافق مع طبيعة المجتمع الفلسطينيّ أو مع صدور تصريحات لا تتلاءم مع نظرته المحافظة. بل ذهبت طموح هذا اليسار أكثر وأبعد - بعد أن فقد اليسار-الصّهيونيّ قاعدته، وأضفى من فكر أقام دولة إلى مجرد أحزاب بالكاد تجتاز نسبة الحسم - فأصبح يطمح إلى قيادة اليسار في إسرائيل بشكل عام، الأمر الذي سيعمق بالضرورة الهوة والشرخ بينه وبين المجتمع العربي الفلسطيني داخل إسرائيل.
من عليه أن يختار؟!
تحدث عند بعض قيادات اليسار-الإشتراكيّ بلبلة - عن قصد أو بحسن نيّة - فيتوهّمون أنّ اليسار الإشتراكيّ هو المجتمع الفلسطينيّ، وأنّ المجتمع الفلسطينيّ هو اليسار الإشتراكيّ، وينسون أو يتناسون أنّ كلّ ما في الأمر، هو تحالف بين فكر سياسيّ ومجتمع. والمجتمع ليس فكرًا سياسيًّا، بل هو مجتمع، وهو مجتمع في غالبيّته محافظ، لا يتّفق مع كثير ممّا يطرحه الفكر اليساريّ-الإشتراكيّ. وأنّ التّمثيل في النّهاية هو للمجتمع، فهو القاعدة الشّعبيّة، وهو مصدر الدّعم والقوّة للأحزاب السّياسيّة وليس العكس.

 فمن عليه أن يختار؟ هل المجتمع هو من يتوّجب عليه اختيار الفكر الّذي ينتمي إليه؟ أم أنّ الأحزاب الّتي تبحث عن قاعدة جماهيريّة هي المطالبة بمواءمة أجندتها وفق مطالب المجتمع؟ الحديث يطول هنا أيضا. الأمور تجري على هذا النّحو (الحديث عن الأقليّة الفلسطينية في إسرائيل): المجتمع يبحث عمن يمثله ويحمل مطالبه وتطلّعاته، والفئات السّياسيّة المختلفة، عبارة عن مجموعات وقيادات تدّعي أنّها تحمل البرامج الّتي جاءت لتحقيق تطلّعات هذا المجتمع وتطلب دعمه في الميادين الّتي يمكن من خلالها تحقيق مطالب وأهداف هذا المجتمع، سواء على مستوى البلديّات والمجالس، أو البرلمان وحتّى لجنة المتابعة.
من يعتقد أنّه جاء ببرنامج ليهندس المجتمع وفق نهجه الفكريّ والسّياسيّ ورغباته وتطلّعاته، هذا البرنامج سيقوده حتما إلى الفشل.


هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان:
bassam@panet.co.il .


استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ panet@panet.co.il

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقالات
اغلاق