اغلاق

مقال | سائقو الحافلات العرب في خط المواجهة العنصرية بعد هبة أكتوبر 2000

لسائقي الحافلات الفلسطينيين تاريخ حافل منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وحتى يومنا هذا. مرت فترات ازدهار، حيث كانت الحدود مفتوحة من نابلس الى الحجاز مرورا


د. سهيل دياب

ببغداد وعمان، وعودة الى يافا والقدس والناصرة. وبالمقابل، كانت فترات ضيق واختناق خاصة بعد نكبة 1948.
جميعنا من أجيال النكبة نذكر تلك المعركة الشرسة لشركة الباصات الإسرائيلية " ايغد" لإقصاء وتجفيف شركة الباصات العربية " العفيفي" بعد نكبة 1948 بهدف اغلاقها نهائيا ، واستعملت كل الوسائل الترهيبية والترغيبية لإقناع العمال العرب بالصعود الى الحافلات العبرية، وقاموا بإحضار الحافلات الحديثة ورفع وتيرة الرحلات من الناصرة الى حيفا، وحتى بتخفيض السعر. كل ذلك لتضييق الخناق على الشركة العربية واغلاقها.  والنتيجة كانت لافتة، حيث صمم العمال العرب الصعود الى الحافلات العربية ولو على حساب راحتهم وجيوبهم ، وربحوا بذلك معركة الكرامة والتأثير بسر قوتهم الاقتصادية، وحموا بذلك خطر اغلاق الشركات العربية والتي ما زالت حتى الان تحرز التقدم والتنافس على أعلى المستويات.
ينقسم السائقون العرب لثلاثة مجموعات: السائقون العاملون في الشركات العربية ومركزها بالأساس في مدينة الناصرة، وسائقون يعملون في الشركات اليهودية مثل " ايغد"، والنوع الثالث هم أولئك السائقون العرب من منطقة القدس المحتلة ومنطقتها الواسعة، وهذه المجموعة هي أكثر من عانى وما زال يعاني، خاصة منذ هبة أكتوبر 2000.

السائقون في القدس المحتلة،  بين مطرقة الاحتلال وتصاعد العنصرية!
ان التداخل السكاني بين التجمعات الفلسطينية في محيط القدس مع المستوطنات الاسرائيلية  المتكاثرة، في ظل التوترات السياسية والأمنية شبه اليومية، شكلت معادلة وروشيتة لقنبلة مؤقتة قابلة للانفجار كل يوم لجميع السكان. واذا اضفنا لذلك العدد الكبير نسبيا للسائقين العرب هناك ( حوالي 570 سائقا من أصل 1470 في "ايغد" لوحدها)، والذين يواجهون التماس اليومي مع المستوطنين، وبنفس الوقت غياب الحماية الشخصية من أصحاب العمل والنقابات المهنية، كل ذلك شكل بيئة حاضنة لشراسة العنصرية والعنصريين بالذات ضد سائقي الحافلات.
بعد هبة أكتوبر 2000، طلعت منظمة عنصرية فاشية في القدس باسم " لهافا" بدعوة صريحة لمنع تشغيل سائقين عرب  في منطقة القدس، وطالبت باستبدالهم بسائقين من الجنود اليهود، باعتبار أن السياقة في القدس هي " مهنة أمنية" ! ونشرت هذه المنظمة تحريضا معاديا للعرب ضمن لافتات مطبوعة في عرض الشوارع في القدس تقول: " ليس حسنا أن نترك المقود بيد محمد" !، و- " اننا لا نريد أن يبدأ محمد بالتحرش ببناتنا" !.
الملفت أن إدارة شركة الباصات " ايغد" رفضت تقديم شكوى رسمية للشرطة ضد تنظيم " لهافا" العنصري رغم طلب لجنة السائقين منها ذلك أكثر من مرة.
وبعد كل توتر سياسي أو أمني في منطقة القدس، كان يعاني السائقون العرب من عبارات تحريضية عنصرية يوميا، أقلها :" اذهب الى سوريا يا مخرب....اذهب الى غزة يا إرهابي!!!".واحيانا عديدة وصل الامر الى اعتداءات جسدية اليمة من قبل المستوطنين وما زالت مستمرة حتى يومنا هذا. الكثير من السائقين العرب اضطروا الى الاستقالة الجماعية نتيجة شريعة الغاب السائدة.

في هبة أكتوبر اكتشف الفلسطينيون كبر وزنهم بإيجاع الاقتصاد الإسرائيلي !
شكلت انتفاضة أكتوبر 2000 حالة جديدة من اكتشاف الفلسطيني لمواطن قوته في ايجاع الاقتصاد الإسرائيلي، وجاءت نقاط القوة من رحم الإخفاقات للمؤسسة الصهيونية، أما بالنسبة لنا الجزء الفلسطيني الباقي في وطنه منذ العام 1948، فكانت نقطة تحول جذرية ما زالت ارتداداتها تصدح حتى يومنا هذا، فانتفاضة أيار 1958، كانت تثبيت لمعركة البقاء، حيث رفضنا الأسرلة المتمثلة بالاندماج باحتفالات الدولة بمرور 10 سنوات لإقامتها. وانتفاضة يوم الأرض 1976، استحضرت سلوكنا كشعب موحد متكامل، ا انتفاضة القدس والاقصى 2000،فاكتشفنا مواطن القوة لنا مجتمعين،وكيفية استعمال هذه القوة لإيجاع السياسة الرسمية وفرض التراجع عليها، أو على ألأقل ان تعمل المؤسسة لنا حساب في برامجها المستقبلية، خاصة في الجانب الاقتصادي وليس فقط السياسي.
اكتشفنا في هبة أكتوبر  أن أكثر من 78% من عمال البناء في إسرائيل هم فلسطينيون من طرفي الخط الأخضر, وانه لا بناء في الدولة بدون العرب وشكل هذا مصدر قوة في التأثير على عجلة الاقتصاد في الإضرابات العامة في حينه. هنالك مفاصل وقطاعات اقتصادية لا تتحرك بدون العرب , مثل القطاع السياحي, أو ما يسمونه الصناعة السياحية. فغالبية السياحة الوافدة لإسرائيل هي سياحة دينية ( 72%), وعندما نقول سياحة دينية فإننا نقول القدس والناصرة وبيت لحم , كلها عربية, ناهيك عن أن غالبية الارشاد السياحي والسياقة السياحية هم من العرب. كل ذلك يؤدي للنتيجة الحتمية أن لا اقتصاد سياحي مجدي بدون العرب.
كل هذه العوامل تجمعت في اضراب هبة أكتوبر حيث شعرت إسرائيل أن الاحتلال " مكلف" وموجع , ومنذ ذلك الوقت وهي تخطط لبرامج تغييرات بنيوية في سوق العمل الإسرائيلي باتجاه " تقليل الاضرار" المستقبلية في حلة المشاركة الواسعة في إضرابات قادمة.
لقد وصلت سياسة العقابات الجماعية بعد هبة أكتوبر الى اعلان شركات حكومية وشبه حكومية مثل شركة الكهرباء وشركة الاتصالات بيزك, بعدم تقديم الخدمات للتجمعات العربية لأشهر عديدة بحجة " الخطر الأمني على مستخدميها" ! حتى ان فروع عديدة لبنوك أغلقت أبوابها ناهيك عن الطرد الجماعي للكثير من العمال العرب لأسباب سياسية وعنصرية.
لقد رفعت الطبقة العاملة الفلسطينية  الشارة الحمراء للمؤسسة الحاكمة في أكتوبر 2000 معلنة انه ما كان .....سوف لا يكون !!.

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان: bassam@panet.co.il .

 


استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ panet@panet.co.il

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقالات
اغلاق