اغلاق

مقال | الحزب الشيوعي الإسرائيلي إلى أين؟

أذكر جملة لرفيقنا القائد إميل حبيبي بعد النتائج الدراماتيكية لانتخابات عام 1977 التي تنافست بها الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة وحصلت فيها لأول مرة


الدكتور لؤي زريق - تصوير موقع بانيت وصحيفة بانوراما

منذ قيام الدولة على أكثر من 50% من أصوات العرب في إسرائيل، قال حينها " لو كان للعرب هنا دولة لأقمنا نظاما اشتراكيّا".
لا شك أنه في تلك الفترة كانت الشيوعية حيّة في قلوب الجماهير، فكرًا وانتماءً، نمط حياة ورؤية لبناء مستقبل يخلو من استغلال الانسان لأخيه الانسان، لتشييد نظام اشتراكيّ عماده العدل والمساواة والضمان الاجتماعي، مجتمع ودولة أساسهما العلم وليس الغيبيات، الوعي والمنطق،... وكل ذلك دون المسّ بحق الإنسان بأن يؤمن بما يريد شريطة الّا يمس إيمانه هذا بالأخرين.

" مواقف جريئة "
أعضاء، مؤيدو وداعمو الحزب الشيوعي ومركبات الجبهة آنذاك، قبلوا هذا الفكر، التوجه والرؤية، وأحبّوا الشيوعيين الذين كانوا السباقين في كل مكان في الدفاع عن شعبهم، فقدّروا عطاءهم اللامتناهي واستعدادهم للتضحية في كل شيء من أجل تغيير حياة الجماهير نحو الأفضل.
لا شك أنّ أحداث يوم الأرض التي كانت ذكراها لا تزال حية في أذهان الجماهير، برهنت للناس أنّ الشيوعيين صادقون ويستحقون الثقة وأنّ تمسّكهم بالنضال المشترك اليهودي العربي وتجنيد الجماهير اليهودية إلى جانب نضالهم لضمان تحقيق أهدافهم وأماني شعبهم في المساواة والسلام بدى مقبولًا ومحبوبًا على الجمهور.
الشيوعيون لم يحاربوا الدين بل بنظرتهم الثاقبة استطاعوا ان يميزوا بين رجل الدين الوطني المحب لشعبه وصاحب الرؤيا الشمولية والمواقف الجريئة الذي كان يشجع التعليم والوعي والثقافة الإنسانية والوطنية، وبين رجل الدين الذي يخدم المؤسسة الحاكمة ويعطيها الطاعة حتى عندما تضطهد شعبه وتحاول التنكيل به والاستيلاء ظلما على أرضه وكان يدعو للرضوخ أمام الحاكم الظالم، فعلى سبيل المثال لا الحصر، مطران تحول من رجل دين إلى أداة بيد السلطة لتنفيذ مؤامراتها في السيطرة على الأرض العربية غدرا وخداعا.

" فترة ذهبية "
لا أبالغ إنْ قلت أنّ عامة شعبنا رأوا في الرفاق الشيوعيين بوصلة لكل ما يحدث في بلادنا وفي العالم أجمع. وأذكر للمثال كيف كان أهالي عيلبون يتوافدون إلى بيت والدي المرحوم ويطلبون أنْ يسمعوه ويسمعوا باقي رفاقه لمعرفة وفهم ما يحدث، ولسماع الرأي السديد والتحليل لما يحدث في العالم.
لا شكّ أن هذه الحقبة الزمنيّة كانت فترة ذهبية للشيوعيين. وقد كان لي الشرف أنْ أحظى بجزء من هذا التاريخ، الحيّ في ذهني من نعومة أظافري في بداية السبعينات.
وهنا أودّ أنْ أنوّه أنّ شيوعيي تلك الفترة تميّزوا بالثقافة والوعي والشجاعة والاستعداد للتضحية. وإن نسينا فلن ننسى الدور الجبار لجريدة "الاتحاد" التي حررها عظماء رفاقنا، فكانت كما قال المعلم الكبير لينين منظما، مثقفا وباعثا للحماس (محرضا).
لا شك أنّ قوة وعظمة الاتحاد السوفييتي ودول المنظومة الاشتراكية في تلك الفترة عزّزت ثقة الشيوعيين بصدق طريقهم وأفكارهم.
الحزب الشيوعي الإسرائيلي كان حزبًا مميّزًا جدًا، مختلفا حتى عن باقي الأحزاب الشيوعية. ففي ظاهره، هو يضم الشعبين المتحاربين معًا، إلًا أنّ الإيمان العميق للشيوعيين الاسرائيليين، يهودًا وعربا بأن مصالح الشعبين العربي واليهودي غير متناقضة بل متجانسة أمام عدو مشترك الذي هو الثالوث الدنس: الاستعمار، الحركة الصهيونية والرجعية العربية التي وضعت الشعب اليهودي والعربي الفلسطيني في هشيم نار الحرب الواحد مع الاخر وأنّ الشعبين هما اللذانِ سيدفعان ثمن حرب لا طائل منها سوى سفك الدماء. فسعيًا منهم لحقن دماء الشعبين، ...
وافق الشيوعيون اليهود والعرب منذ البداية على اقتراح التقسيم، على الرغم من أنّ الشيوعيين يعتقدون أن مستقبل العالم واحد موحد، في نظام شيوعي، تسوده المساواة، العدالة دون استغلال أو اضطهاد، ودون المس بحق الشعوب في تقرير مصيرها.
إيمان الشيوعيين اليهود والعرب في المستقبل المشترك المشرق أدى بهم إلى التآلف والتكاتف معا، يحمون الواحد الاخر. مجموعة الرفاق اليهود الأمميين الحقيقيين الذين استمروا في الشراكة اليهودية العربية الحقيقية بعد الانقسام عام 1965 برهنوا بأجمل الطرق أنهم مخلصون للقيم والمبادئ التي جمعتهم مع رفاقهم العرب وكانوا نِعْم الرفاق والمناضلين.
بكلمات أخرى وفي عالم "يملؤنا بالتيه وما تهنا" (كما قال شاعرنا الكبير سميح القاسم)، فأممية هذا الحزب لم تكن بالأمر السهل ولا مفهومة ضمنا، فالشيوعي يحب وطنه ويناضل من أجل سعادة شعبه وحقوقه ولكن ليس على حساب كراهية الشعب الذي ينتمي إليه الظالمون. المعادلة ليست سهلة لكنها نُفِّذَتْ. معادلة الحزب الشيوعي الإسرائيلي هي مذهلة بعظمتها، لكن اسمحوا لي أن أقول: "إنّه لا قيمة لشيوعيتنا دون إيماننا المطلق بالأممية والشراكة الحقيقية مع رفاقنا اليهود."

" مبادئ سامية "
اليوم، لا ينتطح عنزان أنّ الحزب الشيوعي الإسرائيلي في الوقت الحالي، يختلف بشكل مذهل عن ذلك الحزب الذي كنا جزءًا منه حتى بداية التسعينيات، إن كان تنظيميا، فكريا أو التزاما بالقيم والمبادئ السّامية التي تجمعنا.
إنّ مجتمعنا بأمسّ الحاجة إلى فكر موجه، عنيد، واضح، لا ينجر، لا لبس فيه، نابع من ثوابت وقيم عليا، لكن الواقع أنّنا وجدنا أنفسنا المرة تلو الأخرى تائهين نهائيا، إلى درجة أنّ قسم كبير من رفاقنا يرى في الشيخ حسن نصر الله ملهمًا له وهذا، اسمحوا لي ان أقول إنّه خطأ جسيم. فلا اعتقد أنني بحاجة لأن أفسّر أنّ التماهي مع حسن نصرالله لا يمكن أن يتماشى مع شيوعيتنا، أمميتنا ومع الشراكة اليهودية العربية في حزبنا، ولا بد أن نذكر هنا أنّ الحزب الشيوعي تعامل مع الإنسان كإنسان، ورفض التمييز بين البشر على أساس انتماءاتهم المختلفة كالدين والقومية والطائفة والعائلة وكل الانتماءات الفئوية وهذه المبادئ السامية العظيمة استقطبت وجذبت إليها كل من هو مثقف وواعٍ وإنساني.
إنني أرى أن أممية هذا الحزب هي من أهم وأغلى إنجازات هذا الحزب. انظروا إلى رفاقنا على مر التاريخ فهم كانوا السباقين في الدفاع عن قضايا شعبنا، وقدموا الغالي والنفيس من أجل هذا، لكن هذا كان نضالا مشتركا مع الرفاق اليهود فأنا أعتز بكل ما أوتيت من قوة بالرفاق اليهود، ابتداء من رفيقنا القائد الرائع ماير فيلنر، وحتى آخر رفيق يهودي والقائمة طويلة ومشرّفة.

" طليعة النضال "
لا بد أن نذكر أنّ الحزب الشيوعي والشيوعيين كانوا في طليعة النضال الطبقي لنصرة الطبقة العاملة والمضطهَدة والانحياز للجماهير العربية التي تم اضطهادها على أساس قومي ومقاومة سياسة حكومات إسرائيل المختلفة العدوانية ضد شعبنا الفلسطيني والشعوب العربية عامة.
تحت هذه المبادئ تجمّع حول الحزب الشيوعي كل من تحلّى بالوعي والشجاعة، كل من سارت في عروقه محبة الوطن والاستعداد للتضحية وبات الشيوعيون الذين دفعوا اغلى الاثمان، بحريتهم وبحياتهم اليومية إلى بوصلة الجماهير. ولا بد أن نذكر هنا أنه في كثير من الأحوال وجود الرفاق اليهود ضمن استمرار النضال إلى جانب الرفاق العرب وحماه.
لا أعتقد ان هناك أجمل وأقوى من تعبير الشاعر الانسان والقائد توفيق زياد حين قال:
فلتسمع كل الدنيا فلتسمع
سنجوع ونعرى قطعا نتقطع
لكن لن نركع
لن يركع منا حتى طفل يرضع
عند صعود الليكود إلى الحكم، حدث تغييرا تكتيكيا في التعامل مع الجماهير العربية، فالدولة أرخت الحبل قليلا للجماهير العربية ولم يعد كل من يعارض سياسة الدولة يجد نفسه مطاردا، معتقلا ويدفع الثمن، بدأت تظهر وتطفو قوى سياسية جديدة، قسم كبير من هؤلاء كان حتى "الأمس" جزءًا من أصدقاء الحزب الشيوعي والجبهة، إلا أنّ هذه القوى لم تؤمن بما فيه الكفاية بالتحالف الأممي اليهودي العربي أو أنّها أبدت عدم رضى من أسلوب المركزية الديمقراطية الذي انتهجه الحزب. وهكذا رأينا في بداية سنوات الثمانين ظهور قوائم جديدة، غير مربوطة بالسلطة، وطنية حقيقية، لكنها وقفت متحدية للحزب والجبهة مما حوّلها إلى الندّ والمنافس الأكبر للجبهة في الوسط العربي. أود ان أقول للتاريخ هنا أنّه نتيجة للتنافس الحاد مع الجبهة استطاعت هذه الأحزاب أن تستقطب قوى كثيرة كانت في السابق تدعم الأحزاب الصهيونية.
لا بد من التأكيد أنّ قيام هذه الأحزاب لم يمس قيد أنملة بقوة الحزب الشيوعي، صلابة مواقفه، حماس رفاقه، والتأييد الجماهيري الذي حصل عليه.

" ضربة شديدة "
على الرغم من أنّ الحزب الشيوعي بنى تاريخه بالنضال العنيد،  بتضحيات رفاقه الجسام،  بصدقهم وبمواقفهم المبدئية التي لم يتنازلوا عنا،  إلا أنّ انهيار الاتحاد السوفياتي سدد ضربة شديدة للحزب، هذه الضربة لم تكن نابعة من فقدان الجماهير ثقتهم بالشيوعيين، الذين عرفوهم وعرفوا من هم  وكم هم صادقين، بل كانت ضربة للرفاق الشيوعيين انفسهم، حيث أنها ضعضعت ثقتهم بالحلم الكبير، حلم الحتمية التاريخية بتغيير العالم، إنهاء الاستغلال، وبناء عالم جديد لا يوجد به فقير أو معوز وأما الثقة العظمى أنّ النصر آت بهدى أكتوبر المجيد انهارت وتحولت إلى صراع وشكوك.
باعتقادي، انهيار الاتحاد السوفياتي لم يسلب شرعية النضال الذي خاضه الشيوعيون في أصقاع الأرض من أجل شعوبهم، وللحزب الشيوعي الإسرائيلي الحظ الأوفر بهذا النضال، فلكل حزب من هذه الأحزاب رصيد مشرف وتاريخ حافل في خدمة شعبه، لكن هذا الانهيار ألقى بظلاله على الإيمان بالعقيدة الشيوعية ككل ولا يمكن أن نتجاهل أنّ الغيبيات تغلغلت داخل هذه الأحزاب والفكر العلماني تلقى ضربة سديدة.
رويدا رويدا وخصوصا بعد اتفاقيات أوسلو انكسر حاجز الخوف عند الجماهير العربية في إسرائيل ولم يعد الشاباك يحاسب كل عربي في هذه الدولة على كل كلمة يتفوه بها.
أقول هذا الكلام لأنه حتى بداية الثمانينيات كان الرعب يملأ قلوب الناس في قول ما يجول في خاطرهم، فكان التماهي مع منظمة التحرير الفلسطينية بأي موقف يعتبر مخالفة جنائية وكانت محبة جمال عبد الناصر، على سبيل المثال، سببا قويا لرفض تعيين أستاذ متميز إلى سلك التعليم، ناهيك عن باقي الوظائف المربوطة بالجهاز الحكومي والتي كانت مشروطة بشروط مذلة جدا.
انكسار حاجز الخوف ولًد تعددية في الأحزاب ففي الوقت الذي كان الشيوعي هو الوحيد الذي يجرؤ أن ينتقد علنا سياسة الحكومة ويستنكر قراراتها وحروبها ويناضل بلا هوادة ضد المس بحقوق الجماهير العربية في إسرائيل وضد قمع الشعب الفلسطيني ورفض الاحتلال ويتظاهر في الشارع، غير آبه بالاعتقال الذي ينتظره فيقوم بتوعية الجماهير، أصبحت هذه المواقف شرعية ولم تعد الدولة والجهاز القضائي تحاكم أحد على مواقفه هذه.

" تغيير جوهري "
في هذه المرحلة حدث تغيير جوهري في الساحة السياسية للجماهير العربية، حيث لم تعد جرأة الشيوعيين أمر مميز، ولم تعد المطالبة بإقامة دولة فلسطينية بطولة، ولم يعد معنًى خاص للطرح أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب العربي الفلسطيني وهكذا انتقلنا إلى مرحلة جديدة.
على الرغم من تغير المناخ السياسي في إسرائيل والمساحة السياسية المتاحة للإنسان العربي في هذه البلاد لكن يخطئ جدا من يعتقد أنه لم يعد هناك فرقا بين الحزب الشيوعي (والجبهة) وبين باقي القوى السياسية الفاعلة، لا بل بالعكس ففي ظل فسح المجال للتعددية تحددت أكثر وأكثر الفروق وتوضّحت الاختلافات بين من هو شيوعي الذي يؤمن بفكر وأيديولوجيا واضحة وبين عشوائية وانتهازية الأحزاب الأخرى التي لا تحدد مواقفها بناء على أسس وقيم واضحة بل ظرفية وآنية.  واسمحوا لي أن أتطرّق إلى الأمور التالية:
1. بداية، أودّ أن أنوّه أنّه على الرغم من أنّه لا يحق لأحد أن يتجاهل التاريخ المشرّف للحزب الشيوعي الاسرائيلي إلا أنّ تميز هذا الحزب وخصوصيته ليست مقتصرة على الفترات القاسية السابقة، فترات البطولة بل إن التميز لا يزال قائما وبشكل أعمق ومن المهم أن نؤكد هذا الامر ونبرزه.
2. الشيوعية هي فكر إنساني، تقدمي رفيع، يرى الإنسان، تقدمه، حياته وحقوقه في رأس سلم أفكاره ونضاله، فالحزب الشيوعي يرى في الانسان بذاته أنّه القيمة العليا بعيدًا عن الدين أو القومية أو أي انتماء آخر. ومن منطلق هذا الفكر يحب الشيوعيون شعبهم أكثر من أي تنظيم سياسي آخر لأنّ هذه المحبة مبنية على رؤية أوسع وإنسانية أعلى.
3.  الحزب الشيوعي الإسرائيلي هو الحزب الوحيد في البلاد الذي يملك أيديولوجيا وعقيدة واضحة مع مرجعية وفكر عظيم له امتداد في كل اصقاع الأرض.
4. الحزب الشيوعي الإسرائيلي هو الحزب الوحيد الذي يتضامن أوتوماتيكيا مع كل الفئات المستضعفة، مع النساء، حرية المرأة، الأقليات، مع المضطهدين دونما قيد أو شرط ويحترم الإنسان كإنسان ويثمّن حياته وحريته حتى لو لم يرق للأخرين.
5. في كثير من الأحوال تماثل موقف الحزب الشيوعي مع مواقف هذا الحزب أو ذاك في البلاد ووجد المشترك معهم، إن كان على أساس الصراع القومي أو الطبقي أو الإنساني إلا أنّ هذا التماثل لا يستطيع طمس الفروق وتميّز الحزب الشيوعي وطروحاته.
6. لقد تميزنا دائما بالرؤية الطبقية العادلة للصراعات، وآمنًا أنّ الشيوعية الحقيقية تحترم انتماء كل انسان قوميا كان أو دينيا أو طائفيا أو أي انتماء آخر، لكن هذا الانتماء، الذي هو في الحقيقة مفروض على الانسان منذ ولادته، لا يرفع من قيمة أي انسان ولا ينزّل منها بل مواقفه وتصرفاته هي التي تحدد الموقف منها.
7. باعتقادي، أحد ركائز وجود هذا الحزب كحزب شيوعي حقيقي هو استمراره كحزب يهودي عربي بشراكة حقيقية ثابتة ومتأصلة.
8. لا أريد أن "أخفي القمامة تحت السجادة" بل سأتحدث بكل صراحة، إذ يكثر الحديث بين رفاق الحزب عن عدد الأصوات التي يأتي بها رفاقنا اليهود وهل عدد الأصوات الذي يأتي من الوسط اليهودي يعطي الشرعية لضمان عضو كنيست يهودي من الجبهة. وهنالك من يأتي باللائمة على رفاقنا اليهود انهم لم يستطيعوا أن يتغلغلوا في الشارع اليهودي. هذا الطرح ليس جديدا ويعاد طرحه في كل انتخابات.
9. هذه هي الفرصة لأنوّه أنّه لم يخطر على بال أحد أن يسأل نفسه لماذا الرفاق اليهود فقط هم المسؤولون عن شعبية الحزب الشيوعي والجبهة في الشارع اليهودي؟! فبرايي أنّ العرب قبل اليهود مسؤولون عن شعبيتنا داخل الجمهور اليهودي، فكل تصريح وكل تعليق لمن هو شيوعي أو جبهوي يصبغ صورتنا في الشارع اليهودي. لا يوجد أي منطق أن نطالب رفاقنا اليهود بأن يجنّدوا لنا الأصوات وأن يتصرف الشيوعيون العرب وكأنّ لا علاقة لهم بهذا.
10. اسمحوا لي أن أقول: " للأسف، لا يوجد للحزب الشيوعي الإسرائيلي اليوم أية خطة لكسب أصوات اليسار اليهودي وليس هذا فقط إنّما لا يوجد أي برنامج كيف نطرح امام المواطن الإسرائيلي البسيط أنّ فكرنا وسياستنا هي التي توصله إلى شط الأمان والسلام والأمن.
11. لا يمكن أن نكون أمميّين حقيقيين إنْ لم نستطع أن نقدم طرحنا وفكرنا ومبادئنا أمام الجمهور اليهودي ودون أن نحظى بتأييد شريحة من الجمهور لقسم من أقوالنا. لأن أمميتنا يجب أن تكون طريقة تفكيرنا التي تؤدي بنا إلى تقديم طرح يبرهن للشارع اليهودي بأن ما نريده هو مصلحة جميع الشعوب، بكلمات اخرى كلنا مسؤولون، وفقا لمواقعنا بدرجات متفاوتة عن هذا الوضع ولا شك ان هذه مهمة ملحة.
12. الحزب الشيوعي الإسرائيلي يحتاج إلى إعادة بناء نفسه، إلى إعادة التنظيم، يحتاج إلى تثقيف أعضائه إلى بناء الشيوعي الحقيقي، فالحزب اليوم اشبه بتنظيم مغلق لا يسعى ولا يطمح لتوسيع صفوفه، لا يسوق أفكاره، لا يقوم بدورات تثقيف ولا حلقات نقاش.
13. الحزب الشيوعي اليوم يسير بقوة الاستمرارية فقط. فحتى نستطيع أن نعود الى ساحة ‏التأثير، علينا أن نجنّد أجيال المستقبل من أجل فكر شيوعيّ خلّاق وقياديّ يعرف كيف يتعامل مع العالم ‏المتجدّد ولذلك فمن المهم أن نسمح لهذا الجيل بالقيادة. وبالإضافة إلى ذلك علينا نشر الفكر الأمميّ بين الشبيبة وأبناء ‏الكادحين مع التشديد على التثقيف مع فتح المجال لتجديد الفكر الشيوعي بواسطة ‏الشباب الذين يغيّرون العالم كل يوم. واقتصار دور الرفاق القدامى على المحافظة على ‏التاريخ والتثقيف.
14. هنالك حاجة ملحة أن يتعرف أعضاء الحزب الذين انضموا إليه في فترة الـ 25 سنة الأخيرة إلى تثقيف أساسي حول ما هي مبادئنا وما هي أهدافنا وإلى أين نريد أن نصل.
15. الشيوعية ليست فقط مبادئ بل الشيوعي يجب أن يتحلى أيضا بالخلق الشيوعي بالصفات التي تعطيه الحق أن يكون في الحزب، أن يكون مثال للخلق الرفيع، للإنسانية، المساواة وحرية المرأة، لاحترام الإنسان وللاستعداد للتضحية والعطاء من أجل أخيه الإنسان ومن أجل المجتمع الذي يعيش فيه أولا وبعدها كل العالم، ولعل قصيدة "لا تسألني عن عنواني لي كل العالم عنوان" هي التعبير الأجمل والأقوى لهذا الانتماء العظيم للبشرية، للفكر الإنساني الذي لا يعرف أيّة حدود، لا سياسية ولا قومية بل انتمائه للبشرية فقط.
16. ومن المهم هنا التوضيح أن الحزب والجبهة ليسا سيان والجبهة لم تأخذ مكان الحزب. أقول هذا دون الانتقاص قيد أنملة من الأهمية العظيمة لتنظيم الجبهة، لكن ضعف التنظيم الحزبي وتحول الحزب من حزب شعبي يشارك في بلورة مواقفه الأعضاء والأصدقاء إلى مجموعة صغيرة غير متجانسة مع القاعدة يلغي عمليا وجود الحزب الشيوعي كحزب جماهيري واسع يقوم رفاقه بالدفاع عن مواقفه. 
17. العضوية في الحزب اليوم غير محددة المعالم وغير واضحة. فللأسف فروع الحزب لا تجتمع ولم تعقد اجتماعات على مدى سنوات طوال. ليس سرا أنّ اجتماعات الكوادر هي المحفز الأساسي تنظيميا، وهي الضمانة لبناء حزب متجانس فكريا وذي رؤية واسعة، فلا يعقل أن لا يعرف الشيوعي ما الذي يميزه؟ ولماذا هو شيوعي وما هو دوره؟
18. أحد الأدلة الدامغة على الوضع المأساوي الموجود به الحزب اليوم هو أنّ هذا الحزب لم يحضن أولئك الذين هم جزء "من لحمه"، ويعتبرون أنفسهم جزء من الحزب، لكن الحزب لا يعتبرهم في صفوفه: فالحفاظ على هؤلاء "أضعف الإيمان"
19. الفكر الشيوعي هو فكر عظيم، فكر قمة الإنسانية، وهذا الفكر يشرّف من يحمله، والفرصة أمامنا الآن سانحة لأن نعيد بناء هذا الحزب، أن نوسّع صفوفه وأن نعطي الفرصة لمن يريد أن يوسّع هذا الفكر، معتزا بالماضي المشرّف وطامحا بالمستقبل المنير.
20. باعتقادي أنّه على الحزب الشيوعي أن يبني استراتيجية تنظيمية، سياسية، فكرية، مع أهداف محدّد تشمل مواقف واضحة أمام الجمهور العربي في إسرائيل، بالإضافة إلى خطة عمل لإقناع الشارع اليهودي بمصداقيتنا في طرحنا الطبقي والاجتماعي ورؤيتنا في كيفية حل القضية الفلسطينية، قضية المساواة، مع طروحات عينيّة، أمّا مواقفنا من المشاكل اليومية التي نعاني منها فهي واضحة ولا تقلّ أهميّة عمّا ذكرت آنفًا ولعل المثل الفضل هو كيف نكسب الشارع اليهودي في قضايانا ومآسينا اليومية؟
21. على الحزب الشيوعي أن يملك خططا مستقبلية واضحة حتى نعود إلى الشارع مع طرح واضح وجريء.
22. انتخابات السلطات المحلية وللأسف الشديد، وضعت العائليّة والطائفيّة في مركز الصدارة وفي رأس حسابات الجبهويين في قرانا وحتى مدننا. 
23. وفي هذه المناسبة أود أن أشدّد على أنه من غير المقبول، عليّ شخصيا، أن نلائم مواقفنا للجو العام، في أية قضية كانت، وأن لا ننجرّ وراء مواقف غيبية، رجعيّة وغير مقبولة علينا لمجرد أنّ لهذه المواقف شعبية بين الجماهير. لا شك أنّه في هذه المواقف يجب مراعاة الأسلوب الحكيم، المنطقي والشجاع الذي يمكن أن يقنع الجمهور بطريقنا ومواقفنا، وأن نمتنع عن خلق صراعات مع الجمهور.
بمناسبة عقد مؤتمر الحزب أتمنى لهذا الحزب الذي أنتمي إليه كل النجاح في عبور الأزمة الأكبر في تاريخه. وأرى أنّ موضوع إعادة بناء الحزب بصورة ديموقراطية، منفتحة على الآراء المختلفة، دون التنازل عن المبادئ هو ضمان النجاح والتغيير الحقيقي.

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان: bassam@panet.co.il
 


استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ panet@panet.co.il

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقالات
اغلاق