اغلاق

البدوي الأخير - بقلم: يوسف أبو جعفر

عندما شوهد في المرات القليلة الأخيرة تعددت الروايات، ذكر أحدهم أنه رآه يتوغل في الصحراء وقد إلتثم منديلًا لا تكاد ترى عينيه في القائلة حين تكون الشمس


يوسف أبو جعفر - صورة شخصية

في كبد السماء، قالوا أنه كان يسير على قدميه وأخرون ذكروا أنه كان يمتطي الحصان، عندما تحقق البعض من الرواية كان جليًا أنه كلما أوغل في الصحراء أرهقه الأعياء وحصانه، ولذلك من المرجح أنه ترجل، إما الرواية قبل الأخيرة فتشير أن بعض أصحاب سيارات الدفع الرباعي لاحظوه في منطقة وعرة تمتلئ بالذئاب البرية وعندما عرض عليه أحدهم الماء أبى أن يشرب ونظر إلى اللاند كروز باشمئزاز وقال دمرتم الأطراف وتبحثون الآن عن العمق، ثم سار متجهًا نحو الجرف.

بعد ذلك تختلف الروايات من شبهة أنه سقط من الجرف عندما كان ينظر إلى السماء، ومن رواية تقول أن أحدهم استهزاء به ودفع به من أعلى الجرف، ما يؤكد الأخيرة مقطعٌ تداولته وسائل الإعلام على " التكتوك " يظهر فيه مجموعة من الشبان وهم يتحلقون حوله بسيارات مركبة من حديد ومحرك، ليس لها سقف، وقد ظهروا وهم يثيرون الغبار حول رجل بدا يشبهه سوى أن معالم وجهه لا تظهر جليًا في الصورة، رجح الكثيرون أنه الرجل فتلك قامته وبنية جسده سوى إنحناء بسيط في الظهر، قد يكون من جراء الإرهاق أو الشوق لمعانقة الأرض، البعض يقول أنه دُفع من أعلى الجرف والبعض يروى أن الموضوع كان خطأ فالفتية أصحاب مركبات الحديد كان همهم المزاح مع الرجل وتصوير مقطع لحصد اللايكات  سوى أن الرجل أشاح بوجهه عنهم يقول ماذا بكم، ماذا بقي لكم؟ فيم أنتم لقد تركتكم وسأمتكم فماذا تريدون؟ ثم انصرف نحو الجرف، وخيم الصمت سوى من ضحكة  تتوقف عند أخر مشهد، البعض مصرٌ على أنه قُتل الراوية الرسمية لم تُبحث، لم يذهب أحد ليتفقد الجرف، فالمنطقة من الوعورة وكثرة إبن أوى والذئاب.

ما الذي جعله يهرب؟ قالوا أنه كان يسكن مكان وسط المدينة، عزيز في قومه، بل ذكروا أنه كان له مجلسًا عامرًا يقصده عابر السبيل ليرتاح أو ليأكل ويشرب، قالوا أنه كان بيت كرم، بل وأكثر فمن لجأ إليه أغاثه، كان يقول ويردد ما دامت البداوة فينا، نحن أصحاب حق نقف مع الحق، كان يحب حصانه لا يسمح لأحد أن يمتطيه وكان الحصان كذلك، لا يقبل أحدًا غيره فارسًا، قالوا عندما جاءت المدينة  جاء معها من يحاول إقناعه ببناء بيت كان مترددًا وهو يقول أخشى أنكم لا تعرفون عبد الرحمن،  فيسألونه من عبد الرحمن؟  فلا يجيب وتنتهي المحادثة بصمت، شاهد كيف بدأت البيوت تعلو وترتفع وكيف تصبح الخيول زينة وشاهد اللاند كروز، والنيسان باترول يتحولان إلى جياد الصحراء، سوى أن شيئًا واحدا أثار حفيظته، لقد انسلخوا من قيم البداوة ليس مظهرًا بل جوهرًا، عندما إعتدى إبن جاره على جيرانهم وسرق حلي المرأة، عندما منع الناس من السكن سوى على العرق والقبيلة، عندما ظهر الطمع فاصبح الطفل مقدمًا على الشيخ، وعندما جاء لمشاركة جيرانه في عرسهم لاحظ أن سيارات المرسيدس كانت تغطي الأفق وضجيج الموسيقى يعلو ويتراقص عليه الشيب والشبان ويدعون أن هذا السامر.

ذكروا أنه بقي في فراشه أسبوعًا كاملًا عندما علم أن الحقوق وإغاثة الملهوف أصبحت في أيدي العابثين، عندما أصبح هناك من يحكم بين الناس بالظلم، من يأكل حقوق الناس، عندما أصبحت القبيلة الأكبر تستحوذ على كل شيءٍ دون حق، وعندما  شاهد في المرة الأخيرة كيف يشتري الأبناء السلاح، ويطلقون النار لهوًا مرة وترويعًا أخرى، وعندما  قُتل أبن جاره برصاصات أطلق على أثر خلاف  صبياني، يومها أدرك أن البدواة ولت، تلك التي تربى عليها، تلك التي كانت كلها قيَّمٌ، عدل ومحبة وإنصاف وقبل كل شيء تقاسم رغيف الخبز، قال مرة آه يا عبد الرحمن لو تدري أن خبز الصاج يخبزه الآن رجال لا يجيدون العربية، واستبدل جيرانه الصاج بالتورتيه، عندما سأله البائع من عبد الرحمن؟ أبى أن يجيب كعادته، سكن أطراف المدينة ردهًا من الزمن ثم إرتحل نحو العمق، كان يزوره بعضهم حتى انقطعت أخباره وأصبح لا يُرى إلا نادرًا في أطراف المدينة في بعض الأحيان.

 قالوا أنه رحل وما زالوا يبحثون عن إجابة من هذا عبد الرحمن؟ فقد كان يردد "صادق يا عبد الرحمن" عندك يا عبد الرحمن كان صاحب اللحية الحمراء، أما عندنا فهم حليقي اللحى، جاءوا يا عبد الرحمن، ولن يبقوا شيئًا جميلًا، حطموا كل القيم الجميلة يا عبد الرحمن، أفسدوا كل شيء يا عبد الرحمن، لن يبقى هنا البدوي، سيغادر يا عبد الرحمن سيرحل نحو الصحراء.
وما زال البحث جاريًا من بعض هواة سيارات الدفع الرباعي للوصول إلى موقع تصوير الڤيديو في التيكتوك لربما يجد أحدهم جسده وفيه قصاصة الآجابة ، فما زالوا يبحثون عن عبد الرحمن.

 


استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ panet@panet.co.il

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقالات
اغلاق