اغلاق

د. أحمد هيبي : رسالة للمعلم المبتدئ

مقدّمة: عملتُ في التدريس ردحًا من الزمن. وكنتُ أرشد مرّة مجموعة من طلاب الكليّة من الذين سيصبحون مُعلّمين بدورهم، فخطر لي أن أدوّن بعض الملاحظات التي كنا نناقشها في غرفة الصّف. وكانت هذه الملاحظات تدور حول دور المعلم وعلاقته بطلابه، وكيفية إلقائه للدّرس، وغير ذلك من الأمور. وقد وجدتُ أنّ هذه الملاحظات قد تكون مفيدة للمعلّمين المبتدئين، أو لأيّ شخص عنده بعض الإهتمام بالتربية، أو أيّ قاريء. ولا أريد هنا أن أسرد تجربتي في التعليم، ولا أن أؤرّخ لحياتي كمُعلّم. فعلى الرّغم من أني قضيتُ سنينا طويلا في هذه المهنة، إلا أني لم أعتمد التدريس هدفا لحياتي، ولم أجعله نهاية غاياتي. ومع ذلك فلا يجوز الإستهانة بما تجمّع في جُعبتي من التجارب، أو ما انتهت إليه نفسي من الملاحظات ومن الحقائق. حُبُّ التعليم أوّل صفات المعلم الناجح هو أن يحب مهنة التعليم. وغير صحيح أنّ الأذكياء فقط أو الذين يعرفون كمّا هائلا من المعلومات هم المعلّمون الناجحون. وقد لا يكون المبدعون أو المبتكرون مُعلّمين ناجحين .. وعلى الرغم من أني كنت أحبّ التعليم، فقد كنت أكتشف في نفسي بعض الإزدراء لهذا العمل على أساس أنّ ما أقوم بتعليمه هو معلومات قديمة، أو معروفة، وأنّ تدريسي لها ليس فيه زيادة عليها ولا إضافة لما يقوم به غيري من عمل مُشابه. ولكني وجدت بعض المعلّمين الناجحين، هم الذين يأخذون العملية التعليمية مأخذ الجدّ. فنراهم يراقبون طلابهم، ويلاحقونهم بالوظائف والإمتحانات، ويعيشون معهم فترة هضمهم للمادة والمعلومات.

وصّدقوني أنّ هؤلاء كانوا يبدون لي أحيانا سخيفين. ولكني كنت في قرارة نفسي أقر أنهم من المعلّمين الناجحين. وكنت أظنّ أحيانا أنّ الوصفة الحميدة للمعلّم الناجح هي حُبّه للطلاب. ولكني أعرف اليوم أنّ حبّ المعلم غير المشروط للطلاب قد يقوده للتساهُل معهم، والتسامح، وكذلك التراخي في تعليمهم وتزويدهم بالمعلومات. صحيح، يجب على المعلم أنّ يحبّ طلابه، وأن يرأف بهم، ولكن عليه أن يستطيع أن يكون قاسيًا معهم أيضا. فهو قائد لهم. وكقائد يجب أن يُطاع في الأمور التي يُتفق عليها من البداية، أو التي تكون معروفة دون اتفاق. ولأجل ذلك ينبغي أن يُبقي الأستاذ مسافة ما بينه وبين طلابه. فلا ينبغي له أن يكون في مرتبة زميلهم الذي يشاركهم مقعد الدراسة، أو صديقهم الذي يشاركهم نومهم وأكلهم ولعبهم. هذه المسافة ينبغي أن تبقى لمن يحبّ أن يُسمَع وأن يُطاع، وأن تكون له الكلمة المسموعة أمام مجموعة من الناس. والمعلّمون الذين انتهى نزقهم وعدم حذرهم إلى مُصادقة أحد طلابهم في مجموعة يقومون بتدريسها، إنما أساءوا في النهاية إلى هذا المبدأ، وأفسدوا أحيانات العملية التعليمية. وتخيّلوا مثلا مُعلّمًا شابًا يقوم بحبّ طالبة عنده، وتبادله هي الحبّ، كيف يكون موقفه أمام باقي الطلاب والطالبات؟ سيفقد العاشق المولّه صفة القائد، أو صفة المرشد المطاع . وليس هناك مدرّس برأيي ينبغي له التنازل عن هذه الصفات. ومعظم الناس الذين عرفتهم يُحبّون أن يكونوا مدرّسين. وإني أتذكّر الفترات الطويلة في حياتي التي كنت أتحرّق فيها شوقا لأن أكون أستاذا. قليلون هم الأشخاص الذين كان تعليمهم يؤهّلهم أن يصبحوا مدرّسين ثم زهدوا بهذه المهنة. وحُبّ التدريس نابع برأيي من أنّ الإنسان يحبّ أن يعطي غيره المعارف التي حصّلها، ويرغب أن يشارك غيره مُتعة المعرفة، وعلى الأخصّ تحصيلها. أمَا رأيت كيف يرهق الذين نسألهم أن يدلّونا على شارع لا نعرفه أنفسهم في الشرح والتعبير، بحيث نتعب نحن من الإستماع قبل أن يكونوا هم كفّوا عن الشرح والوصف؟ وأعود وأكرّر: إنّ المعلم الناجح ليس هو الإنسان العبقري الذي يحمل كمّا هائلا من المعلومات كما قد يتبادر إلى الأذهان. إنه الإنسان الذي يحبّ أن يشارك غيره متعة المعرفة، ولو كان يملك عددًا قليلا من المعارف التي حصّلها. وأذكر أنّ أحد طلاب صفنا في المدرسة الإبتدائية، وكان من الطلاب الفاشلين، واظب على جمْع مجموعة من الأولاد الأصغر منه سنا في العراء، حيث كان يقوم بتعليمهم أصول القراءة والكتابة، وكنا نحن الذين نراقب هذا المعلّم المواظب، ونتعجّب من الأمر. فابن صفنا ضعيف، وبالكاد هو يعرف ما يقوم بتعليمه، وقد كان الأحرى به أن يقوم بتعليم نفسه لا غيره. ولكن هذا لم يكن يغيّر من الحقيقة شيئا: كان زميلنا يُحبّ التدريس، ويجتهد في أداء مهمته كلّ الإجتهاد. ولا شكّ أنّ تلاميذه المساكين قد استفادوا من دروسه أكثر ممّا استفادوا أحيانا في المدرسة العادية. ويخطيء من يظن أنّ التعليم هو ما يُحصَّل في المدرسة أو في معاهد التعليم. فالناس يتعلّمون الواحد من الآخر، الصغير من الكبير، والابن من الأب. وهكذا نقلت الخبرة والتجربة من جيل إلى جيل. هكذا فعل الصيّادون القدامى والمزارعون منذ فجر التاريخ، وكذلك المحاربون والرُّعاة وبناة البيوت والأطباء المعالجون، نقلوا معارفهم إلى أبنائهم والى الذين كانوا سوف يحلّون محلهم في إنجاز مهامهم. لقد مرّ وقت طويل لم تحسن الإنسانية فيه بناء المدارس، ولم تعتمد الكليات والجامعات في إنشاء الأطباء والمزارعين. بل نقلت المعارف مباشرة من المعلّمين إلى التلاميذ، دون وساطة المدرسة أو الكتاب. فإذا كنتَ ترغب أن تصبح نجارًا، فما كان عليك إلا أن تلتحق بمنجرة، وترافق نجارًا في عمله، فتساعده في عمله، وتتعلّم منه أصول العمل في الميدان. وقد كان الأطباء في العالم القديم يشكّلون عائلات مُغلَقة متسلسلة، فالطبيب الماهر يُعلّم أولاده سرَّ مهنته، بحيث يصبحون أطباء بدورهم دون غيرهم. وفي القرون الوسطى كان الرّجل القدير يستطيع أن يشتري لابنه مهنة محامي مثلا، شرط أن يلتحق ابنه بمكتب محام يأخذ منه أصول المهنة. 

مُتناقضة التعليم:

وعلى الرّغم من أنّ العارفين بين الناس يحبون الإدلاء بمعارفهم - فهذا على الأقل يكسبهم مظهر أصحاب العلم - فإنّ الجاهلين يكونون أقلّ رغبة في اكتساب ما يجهلونه من المعارف. والسبب قد يكون بسيطا .. فالناس لا يعرفون حلاوة أو أهميّة ما يجهلونه. لأنهم ببساطة يجهلونه. والقول المأثور: "الإنسان عدوٌّ لما يجهل" يصيب لُبَّ الحقيقة دائما. وفي المدارس تجد حماسَ المعلّمين لإعطاء ما يعرفونه لا يقابله حماس أخذ المتعلّمين لهذه المعارف. ولذلك فإنك تجد المعلّمين تعبين ساخطين. فحماسهم لا يُقابَل إلا بفتور. ورغبتهم في العطاء لا تقابلها رغبة في الأخذ. ومن أجل ذلك يقوم المعلّمون والمتعلّمون على طرفي نقيض. هذا يريد أن يعطي، وذاك يريد أن يتملّص من هذا العطاء. ومُتناقضة التعليم هي كما أراها، تقع في هذه المنطقة بالذات، فوق هذه الهاوية السّحيقة القائمة بين المعلّم والمتلقي. المعلّم العارف يرى أن ما يعرفه بسيط وواضح، وكلّ واحد يستطيع أن يفهمه، بينما المتعلّم المتلقي يرى في نفسه العجز في تلقي ما يعرضه المعلم، ويرى في هذه المعارف أسرارًا خطيرة ومُعقدة لا يقدر على هضمها. ولذلك يكون غاية مطلبه أن يتركوه بحاله. أنظر إلى معلّم السياقة كيف ينظر إلى تلميذه مُتعلّم السّياقة نظرة استخفاف .. إنه يقول في نفسه كيف لا يعرف هذا السّاذج أن يمسك المقود ويوجّه السيارة إلى مسارها الصحيح، وكيف لا يعرف أن يميّز بين دوّاسة البنزين وبين دوّاسة البريك. وأنظر من ناحية أخرى كيف ينظر متعلّم السّياقة الجديد إلى مُعلّمه نظرة إعجاب وإكبار، ويراه وهو يسوق ويناور في الشارع ،بسيارته بين طوابير السيارات، وكأنه يجترح المعجزات العظيمة. إنه يقول في ذات نفسه، هيهات أن أصبح في مثل هذه البراعة في السياقة، وأن أقوم بجميع هذه الحركات والعمليات في وقت واحد. راقب شخصًا يضرب على آلة العود، أو على آلة الكمان. وحاولْ أن تمسك أنت بهذه الآلة، وتحرّكها كما يُحرّكها صاحبها العازف. إنك ستشفق على نفسك. هل تستطيع أن تكون عازفا؟ إنك لا تعتقد ذلك في قرارة نفسك، وإنْ كنتَ مُستعدًا أن تجرّب. هناك هوّة سحيقة تقوم بينك وبين هذا الشخص المعجزة الذي يلاعب هذه الأداه كما يُلاعب الرّجل كلبَه الأمين. وباختصار يتعجّب المتعلّم من حال غير المتعلم ومن جهله، بينما يتعجّب غيرالمتعلم من حال المتعلّم ومن قدرته على المعرفة والإستيعاب. ومع ذلك فإنّ العملية تتمّ، في نهاية الأمر، وتنتقل المعلومات من المعلّم إلى التلميذ، ومن العارف إلى الجاهل. فيصبح الجاهل عالما، وهو غير مصدّق أنه تبدّل حاله. أنظر إلى الذي يتعلّم كيف يسوق دراجة هوائية، إسأله متى وكيف تعلّم حقيقة ضغط توازنه فوق الدراجة، والسّير فيها في خط مستقيم؟ وكيف اكتسب هذه المهارة بالضبط. فهو بالكاد يستطيع أن يجيبك عن هذه الأسئلة. لقد عرف كيف يسوق ورأى نفسه يحفظ توازنه بعد عشرات المرّات التي سقط بها، وهذا كلّ ما يذكره. حجر الفلاسفة وكنت أزعم أنّ لدي طريقة توفر على المعلّمين وعلى المدارس الجُهد العظيم الذي تبذله في تعليم الأولاد، أو معظم هذا الجهد إلا أقلّه. يكفي أن نجعل الأولاد يحبّون الفيزياء لنجعلهم فيزيائيين. ويكفي أن نجعلهم مُغرَمين بالتكلُّم باللغة الأجنبية التي نريدهم تعلُّمها، من أجل أن يتعلّموها على جناح السرعة. ولكن كيف نجعل الطالب يحبّ الحساب، وكيف نجعل الجاهل يجتهد في تقويض مواضيع جهله، هو ذا الأمر الذي على بساطته لا نعرف كيف نقوم به. ولو امتلكنا هذه الأداة التي تجعل طالب العلم مُحبّا له، لكنا كمن يمتلك حجر الفلاسفة، الذي يُحوّل المعادن البسيطة إلى ذهب، ولاستطعنا بالتالي تحويل الفقراء إلى أغنياء يمتلكون الذهب. إنّ الإنسان عدوٌّ لدود، وحتى عندما يكون هو نفسه متعلمًا لما يجهل. ولأجل أن تتحقق من هذه المقولة، أنظر إلى مُعلّمي المدارس أنفسهم من الجيل القديم كيف يكرهون الكمبيوترات، وكيف يبغضون الإنترنيت. وكيف يقفون بالمرصاد لكلّ ما هو جديد من كُتب التدريس ومن مناهجه.

صفات المعلّم الناجح:

ليس من السّهل طبعًا أن نحدّد الصفات التي يلزم أن تكون في المعلم الناجح، ولكننا يمكننا أن نحاول. فما عدا حُبّه للتعليم مبدئيا، وحبّه لتلاميذه، ومعرفته بالمواد التي يقوم بتعليمها، ينبغي للمعلّم أن يكون مُمثلا بارعًا. كثير من المعلّمين يجهلون ما بين عملهم وبين عمل الممثلين من أمور مشتركة. ألا يقف المعلّم في مواجهة الجمهور الغفير من التلاميذ، ألا ينبغي أن يقوم بالحركات، ألا ينبغي أن يتكلّم أمام هؤلاء، ويتمشى أمامهم، وينظر إلى وجوههم ويرى ردود فعلهم؟ ألا يُحاول المعلّم أن يؤثر عليهم وأن يُعجبهم وأن يتفاعل معهم؟ كلّ هذه الأمور من اختصاص الممثلين ومن صميم عملهم. قد تكون حركات المعلم مُفتعَلة. وقد يكون إعجابه بالمادة التي يلقيها ودهشته بالحقائق التي يوردها مُفتعلة أيضا. فلا مجال للدّهشة لشخص عارف. ولكن المعلم ينبغي أن يُتقن هذه الحركات وهذه الإنفعالات، بحيث تبدو حقيقية وليست مُفتعَلة. إنه سوف يتعجّب أمام طلابه، حيث يذكر لهم أنّ الديمقراطية استطاعت أن تفرز ديكتاتورًا خطيرًا مثل هتلر. عليه هنا أن يقوم بحركات الدّهشة، وكأنه يسمع بهذا الأمر لأوّل مرّة، وينبغي أن يكون مقتنعًا. إنّ الممثل الناجح هو الممثل الذي يستطيع أن يقنعنا أنه لا يُمثل، أو ينسينا بالأحرى أنه يُمثل. هكذا يجب على المعلّم أن يقف على كلّ معلومة خطيرة متميّزة فيما يقوم بتدريسه، وليس أن يمرّ عليها مرّ الكرام كأنه يقرأها في كتاب. 

المعلّم كخطيب:

والمعلّم خطيب شاء أو أبى. ومن أجل ذلك كان اعتماده على صوته وعلى طريقته في الكلام عظيمًا. وهو بذلك يشترك مع الخطيب في استعماله لصوته. ينبغي للمعلّم أن يستطيع أن يلفظ بصورة صحيحة جميع الكلمات، وأن تكون مخارج الأحرف في فمه واضحة ومُميَّزة. والويل الويل للمعلّم الذي تعوّد أن يأكل الكلمات أو يُضخم الأحرف، أو الذي يتكلّم كما يتكلّم المفاوض الفلسطيني صائب عريقات، بسرعة سبع كلمات في الثانية. إننا نعيب على المعلّم الذي يبدأ جملة ولا ينهيها، أو الذي يبدأ فكرة وينتقل منها إلى فكرة ثانية دون أن يكون انتهى من الأولى، أو الذي بدأ يقول جملة شرطية، فذكر أداة الشرط وفعلها ونسي الجواب. أو الذي تعوّد أن يأكل آخر كلمة أو كلمتين من كل جملة يقولها. المعلّم كصاحب سلطة والمعلّم صاحب سلطة في الصّف، ولا ينبغي أن ننسى مهما تساهلنا في أمر الدّور الذي يقوم فيه المعلّم في غرفة الصّف، أنه يقود الصف، وأنه يدير الدّرس، وأنه بصفته هذه هو صاحب نفوذ. وهنا ينبغي أيضا إيجاد خطّ التوازن الصحيح في استعمال المعلم لنفوذه. ويجب أن يجد المعلم مكانه الصّحيح بين قطبين متعاكسين هما: أن يكون ديكتاتوريًا يأمر ويُطاع، ويخطيء فلا يجد من يُصحّحه، أو يجرؤ أن يُصحّحه .. وبين أن يكون في القطب الآخر، لعبة بأيدي الصبيان، فلا هُم يسمعون كلامه، ولا هم مستعدّون للتعلُّم منه، أو إعطائه فرصة الكلام. الصورة القديمة للمعلّم الديكتاتور ينبغي أن تمحى من الأذهان. والمعلم لا يملك تلاميذه، ولا يملك السيطرة الكاملة عليهم. تماما كما أنّ آباءهم وأمهاتهم لا يملكون مثل هذا السّيطرة المطلَقة عليهم، أو التملّك الكامل للتصرُّف بشؤونهم على هواهم. فالمعلّم لا يحق له أن يُعنف تلميذه، بغير وجه حق، أو يعنفه بدرجة معقولة من التعنيف لا تؤثر في نفسيته، ولا يحق له أن يضربه، أو يشتمه مثلا. ومثل هذا الحق لا يملكه الآباء أيضا. وقد يقول المعلم الذي شتم ولدًا، إنّ الولد هو الذي بدأ بشتمي، فيكون هنا قد أساء لنفسه مرّتين. مرّة عندما شتم الولد، ومرة عندما وجد نفسه طرفا في نزاع مع طالب يُعلّمه. إنّ المعلّم ينسى أنّ وزارة المعارف تدفع له أجره من أجل أن يبني شخصية الولد لا من أجل أن يهدمها. وفي عقاب هذه الشخصية وتعنيفها والرّد عليها بالمثل، قد يقوم بالشيء المعاكس لما يُراد منه. إنّ الأبناء يتربّون على حسابنا. ولو بقي رغيف واحد من الخبز في البيت، لفضّلنا نحن الآباء أن نعطيه لابننا الجائع ولا نأكله نحن. نوع من هذه الأبوّة المضحّية ينبغي أن تكون في المعلّم الناجح. ومع ذلك فإنّ الوزارة لا تطلب من المعلّم أن يضحّي مثل هذه التضحية الأبوية بدون مقابل. فهي تدفع له ليس فقط مقابل ما يقوم بتعليمه، بل أيضا مقابل الإهانات التي تلحقه من قبل القوم الذين يقوم بتدريسهم. تأثير العالم النفسي وللمعلّم مُعجَبون في الصف ومُعجَبات. إنّ هناك رابطا روحيًا نفسيًا يربط بين المعلم والطالب. أو بين المعلّم وبعض الطلاب. ولا شك أنّ بعض المعلّمين يمارسون نوعًا من التأثير على طلابهم يشبه ذلك التأثير الذي يصفه فرويد للأطباء النفسيين على مرضاهم. التعلُّق والإعجاب والحبّ من قبل الشخصية التي في طور النمو والتشكُّل، هي من الظواهر التي تميُّز علاقة الأستاذ بتلاميذه. وهناك نوع من الأساتذة من الذين يمضي وقت طويل حتى يزول هذا التأثير الذي مارسوه على طلابهم. ولكلّ منا نحن الكبار، ذكرى من أستاذ واحد أو أكثر من هؤلاء المعلمين. وقد يصل الإعجاب بمراهق أو بمراهقة حدّ الحبّ العميق للأستاذ، خصوصًا إذا كان الطرف المؤثر قابلا لهذا النوع من العلاقات. وفي بلاد الغرب حيث العلاقات الشخصية بين الناس أكثر انفتاحا، قد تتطوّر هذه العلاقات إلى علاقات جنسية صريحة بين الطرفين. ولكن المعلّم ينبغي أن يكون واعيًا لهذا لتأثير الذي يملكه على طلابه. ويجدر به بالتالي أن يوجّهه الوجهة الصحيحة، وأن يكون على علْم بالتالي أنّ سلوكه، طريقة كلامه، لباسه، كلّها مظاهر تحتذى من قبَل الطلاب، ولذلك ينبغي أن يكون مُقتصدًا ومُعتدلا في هذه المظاهر. وقد شهدت المدارس العربية الثانوية، في مدننا وقرانا، ولا تزال تشهد كثيرًا من حوادث التعلّق الذي يصل إلى حدّ الحبّ والإعجاب، وبالتالي ينتهي بالزواج بين أساتذة وطالباتهم المراهقات. وكثيرًا ما يكون التأثير الذي تخلفه هذه العلاقات سلبيًا على العملية التعليمية أو مصير المعلّم، أو علاقة المعلم بباقي الطلاب. فانحياز المعلم إلى علاقة حبّ تربطه مع إحدى طالباته إنما تؤلّب عليه باقي الطالبات، فالطالبات يشعرن بالغيرة أوّلا. ثم بتعاطُف الطلاب الذكور مع بنات صفهن، على أساس أنّ هذه العلاقات الحُبّيّة تظلّ مُحتمَلة ما دامت تقوم بين طالبة وطالب في مثل عمرها، وليس بين طالبة وأستاذ.

المعلّم كشخصية عبثة:

ليس هناك أكثر من الأستاذ في المدرسة يشعر بالعبث فيما يقوم به من أعمال. تخيّلوا شخصًا حسّاسًا مُحبّا للأولاد، يستقبل في بداية السنة الدراسية مجموعة من الأولاد الذين يقوم بتدريسهم. ثم تقوم بينه وبينهم علاقات الألفة والحب والإعجاب، فإذا بالسنة تنتهي، وإذا بالأب مُضطرّ أن يودّع الذين قضى معهم أوقاتا سعيدة وعصيبة كما هي عادة الآباء. إنّ الوداع صعب. وفي السنة التالية عليه أن يعيد الكرّة من جديد. هذا ما كنت أشعر به في قرارة نفسي في نهاية كل سنة: حزنًا ممضًا، وألمًا يخاّفه هؤلاء الراحلون الذين لن أعود أراهم. إن مُعلّمي المدارس هم أكثر الناس شعورًا بمرور الزمن. حيث تمرّ السنوات تلو السنوات، فإذا بالأولاد الذين كانوا يقاربونهم سنا يصبحون بعد عشر أو عشرين سنة في مثل سن أولادهم الذين تركوهم في البيت. ثم إنّ المعلّم يبقى في المكان نفسه. بينما الطبيب وحتى عامل البناء يُغيّر مكان عمله، ويكون مرور الزمن عليه أقلّ وقعًا وتأثيرًا. ناهيك طبعا أنّ العملية التعليمية ليست عملية استهلاكية بطبيعة الحال. إن المزارع في الحقل يستطيع أن يجد فرقا بين السنوات. على أساس أنه استطاع في سنة أن يُغرق السّوق بزراعاته، بينما لم يستطع ذلك في غيرها من السنوات. أو أنه خسر مرّة واغتنى مرّات. أمّا المعلّم فإنّ السنين تمرّ عليه متشابهة لا يحسّ فرقا باهظا بين منتوج هذه السنة وغيرها من السنوات. وبالفعل فإنّ العملية التعليمية ليست عملية تستهدف المادة والإستهلاك. ونتائج التعليم الجيّد أو السيء لن تظهر قبل سنوات، ولن يقطف منها المعلم المسكين أو حتى يعرف نتائجها إلا بالصّدفة. وقد لا يعترف بفضله تلاميذ الأمس، أو لا يميّزون بين ما أدّى هو وما أدّى غيره، فيشعر بالعبث، أو بالخيبة، أو باللامبالاة.

لمزيد من الاخبار واللقاءات الاخبارية والفنية والرياضية المميزة راجعوا صحيفة بانوراما كل يوم جمعة.
لمزيد من الأخبار اضغط هنا



هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق