اغلاق

تواصل بشريّ وعمرانيّ في مدينة حيفا

من مطانس فرح: في خطوة محمودة، قام سكّان البناية القابعة في زاوية شارعي "مائير" (المستشفى، سابقًا) و"إيران" في مدينة حيفا، بنصب لافتة (لوحة) على البناية ذاتها،


 تصوير: وائل عوض

 تحمل اسم الدكتور نايف حمزة، مشيّد هذه البناية ومالكها حتّى قيام دولة اسرائيل.
وتعود هذه البناية – كما ذكرت – إلى الطبيب نايف حمزة، ابن الطائفة المعروفيّة (الدرزيّة)، القادم إلى حيفا من "عبيّه" (بلدة في قضاء عالية في محافظة جبل لبنان) – "عبيّه" أو "إعبيّه": كلمة سُريانيّة أو عربيّة، وتعني الأرض الكثيفة الأشجار – والّذي عمل طبيبًا جرّاحًا في مستشفى حيفا الحكوميّ ("رمبام"، حاليًّا) وأداره، منذ عام 1933 حتّى عام 1948، حيث اضطُرّ إلى تركه بعد ذلك. وقد فاق د. حمزة أقرانه في مهنته وفي حسّه الإنسانيّ أيضًا؛ حيث اهتمّ بمعالجة عسيري الحال والفقراء على نفقته الخاصّة.
وقد قام الطبيب حمزة عام 1933 بتشييد بناية مكوّنة من أربع طبقات (طوابق) له ولأبناء عائلته في شارع "مائير" (المستشفى، سابقًا) قريبًا من حيّ الألمانيّة، وذلك في أثناء فترة عمله في مستشفى حيفا الحكوميّ ("رمبام")، ليتركها عام 1948، منتقلا إلى مدينة نابلس حيث عمل مديرًا لمستشفى نابلس، وتنقّل بين عدد من المدن الفِلَسطينيّة، إلى أن عاد إلى لبنان بعد عام 1967.
يُذكر أنّ الطبيب حمزة، تسلّم المستشفى الحكوميّ عام 1933 حيث كان مستوصفًا صغيرًا، فطوّره ليصبح مستشفًى حكوميًّا يضمّ 300 سرير، تاركًا إيّاه عام 1948 وفيه صندوق (خزنة) مليء بالأموال، استولت عليه "الإدارة الجديدة"، بعد قيام دولة اسرائيل.

"سكّان الحيّ يعملون معًا على تطوير الحيّ وتحسينه"
وفي حديث لي مع ابن الحيّ الناشط الاجتماعيّ، هاشم دياب، وأحد المبادرين إلى تطوير الحيّ وتحسينه، مستفسرًا عن سبب نصب (تعليق) اللافتة على البناية الّتي كتب عليها اسم مشيّدها وصاحبها، قال: "بدايةً، أودّ أن أشدّد على أنّ سكّان الحيّ يعملون معًا على تطوير الحيّ وتحسينه. حيث كانت هذه المِنطقة قبل أشهر عدّة، بؤرة مخدّرات وسرقات؛ إلا أنّه – وبفضل متطوّعين من الحيّ، وبدعم من بلديّة حيفا – عملنا ونعمل على ترميم الحجر وإعطائه نفحة (حياتيّة) ليصبح أقرب إلى البشر؛ نحسّن الحيّ ونجمّله، ونقوم بزرع عدد من الأشتال والأزهار والشجيرات فيه".
وأضاف دياب: "بدأ السكّان في شارع إيران والمِنطقة، مؤخّرًا، بالاهتمام بتحسين واجهات البنايات وترميمها، وبناء جنائن لتجميل وإحياء الحيّ. فقد أصبحت المِنطقة أكثر أمنًا، ولم يعد المسنّون والأولاد يخشون التَّجوال في الحيّ ليلا، تلافيًا لمتعاطي المخدّرات أو اللّصوص".
واستطرد قائلا: "إنّ العمل المشترك لسكّان الحيّ لهدف تطويره، يساهم في توطيد أواصر التعاون بين الجيران، وتطوير العلاقات الاجتماعيّة في الحيّ، ورفع حسّ الانتماء والمسؤوليّة. فعندما يرى السكّان أنّ الحيّ يتحوّل إلى مِنطقة مُزيّنة بالأشتال والورود، وقد أصبح نظيفًا ومرمَّمًا، وغير مباح لمدمني المخدّرات أو عابري السبيل، فسيعملون على الحفاظ عليه". وأشار دياب إلى أنّهم يعملون على إقامة لجنة حيّ مستقلّة، مؤكّدًا أنّ ما يقوم به السكّان والناشطون في الحيّ، لا يقلّ أهميّة عمّا تقوم به باقي لجان الأحياء العربيّة في المدينة، إن لم يفُقه، أصلا.
وعودة إلى نصب اللافتة، قال دياب: "نهتم في الحيّ بالبنايات كافّة، ونقوم بدراسة تاريخها، كما نعمل على الوصول إلى أصحابها، والتواصل مع الأبناء أو الأحفاد، لهدف التعرّف إلى الناس، لا الحجر، فقط! .سنعمل على بناء أرشيف اجتماعيّ لأصحاب البنايات في الحيّ، آخذين المَهَمّة على محمل الجدّ، للتواصل بين سكّان الحيّ وأصحاب البنايات الأصليّين".
وأضاف: "يقطن، اليوم، في بناية الطبيب حمزة عدد من العائلات العربيّة: أبو يونس، حدّاد، عبّود، صفّوري، كرزم، وغيرها.. وقد جاءت المبادرة إلى نصب اللافتة من قبل عائلة (أبو يونس)، وعدد من الجيران وأهالي الحيّ. وقد نصبت لافتة كتب فيها (هنا بيت د. نايف حمزة، ابن الطائفة الدرزيّة، مدير المستشفى الحكوميّ ("رمبام") حتّى عام 1948)".
وأشار دياب إلى أنّ ناشطي الحيّ يتواصلون مع السفارات الأجنبيّة، ويعملون بجِدّيّة للوصول إلى أصحاب البنايات لتدوين أسمائهم على البنايات، وللتواصل معهم أيضًا، مؤكّدًا: "سنجعل بناية الحجر نابضةً من خلال التواصل مع أصحابها البشر".
وقد تحوّل حدث نصب اللافتة إلى احتفال مصغّر من قبل أبناء الحيّ، تشابكت فيه الأحلام والذكريات على إيقاع هدير أمواج بحر حيفا.
وبدوري أقول: "إنّ التذكير بأصحاب البنايات الأصليّين وتوثيق أسمائهم بوساطة نصب لافتات على البنايات، يُعتبر خطوة مباركة، تؤكّد تجذّرنا في وطننا، وخصوصًا في مدينتنا حيفا، وتشير إلى استمراريّة وجودنا فيها. فحيفا ما قبل الـ48، كانت مغايرة تمامًا عنها في أيّامنا، ولم تكن – في حال من الأحوال – مدينة مهجورة قاحلة، ولا أرضًا قَفْرًا، بل كانت نابضة بالحياة الثقافيّة والسياسيّة والاجتماعيّة والفنيّة والعلميّة، وستبقى كذلك بوجود أبنائها الحاليّين والأصليّين".






لمزيد من الاخبار المحلية اضغط هنا

لمزيد من اخبار محلية اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق