اغلاق

زمن النساء: رسالة إلى الأمهات العربيات

أنا بنت 55، وكلما انقضت السنون، كلما أصبحت أقل تسامحا مع ظواهر كانت تبدو فيما مضى وكأنها ظواهر طبيعية غير



قابلة للتغيير، قديمة قدم التاريخ البشري ومطبوعة فينا منذ فجره. إنني أغدو أكثر وأكثر وعيا بكون العالم الذي نعرفه قد صاغه وعي ينظر إلى المرأة على أنها مخلوقا ثانويا ذا مفهوم منحطّ للواقع الإنساني.
إن الظاهرة الرئيسية التي تزعجني هي عملية القتل المتواصل للشباب وتقديمهم قرابين على مذبح إله الحروب المخطط لها، ولكوني أعيش في الشرق الأوسط، فإنني معرضة باستمرار لنظرية أخلاقية لا جدال فيها تقضي بوجوب أن يهب الشباب حياتهم في سبيل توسيع حدود أو نفوذ دولة أو ديانة أو مجموعة أو شعب أو بلد أو غيرها.
إن انتقاداتي ليست موجهة إلى ضرورة تصدي مجتمع يتعرض للاعتداء للدفاع عن نفسه، فانتمائي للشعب اليهودي يجعل الأمر واضحا لا يحتاج للشرح، ولكنني مهتمة بدنيا المفاهيم الأولية التي تبرر المبادرة لشن الحرب معتبرة إياها فعلا إنسانيا مشروعا. إنها هي الشرعية التي أبغي نقضها.
أريد معرفة ما إذا كانت الحروب الضارية التي ظللنا معرضين لها على مر التاريخ البشري كله، ليست سوى وليدة كون العالم يهيمن عليه الرجال حتى الآن. وأتساءل ما إذا كانت الفجوة القائمة بين التجربة الأنثوية والتجربة الذكورية فيما يتعلق بإنجاب الأطفال وتنشئتهم هي التي تقف في الأساس من الاستعداد الذكوري للتضحية بأرواح الناس بسهولة أكبر من استعداد النساء، وأود الاستناد في كلامي إلى أفكار المألفة النسوية الأمريكية الكبيرة، كارول جيليجان، التي وضعت ضمن مؤلفاتها أسس الفكرة القائلة بأن مفاهيم النساء الأخلاقية تختلف عن مفاهيم الرجال.
فكل أم تعرف مدى تواصل وتعقيد عملية الحمل، ومدى الألم، بل والخطر، الكامنين في ولادة طفل واحد، ومدى الجهد والموهبة والإبداع التي تستلزمها عملية تنشئة كل طفل وطفلة، والأشواق والصلوات والأحلام المرتبطة بكل طفل وطفلة في عالمنا. ولهذا السبب بالذات، لا يمكن تحمل الفجوة غير القابلة للإدراك القائمة بين الجهد البطولي الذي يتطلبه حمل وإنجاب وتنشئة كل طفل وكل إنسان، وبين السهولة المذهلة لعملية القتل التي تتم غير مرة كعمل عابر، وكأنه غير ذي أهمية، لا بل من المتعذر إدراك السهولة التي يقود بها أناس شرفاء ويبدون عقلاء، شعوبهم، أو أبناء دينهم، أو أبناء مجموعتهم، إلى عملية قتل جماعية تحطم بضربة واحدة الجهود المضنية التي تبذلها أمهات وآباء من أبناء كافة المجموعات والأديان والشعوب، في تربية أطفال يكتب لهم البقاء، ليجسدوا في حياتهم كل ما حظوا به من لدن آبائهم من حب وموهبة وإبداع وجهد، ليورثوه الأجيال القادمة.
إن فعل الحرب المخطط له يقطع دائما استمرارية الحياة الطبيعية في سبيل حدث "كبير" يعيد ترتيب ما سبقه. والأمر يتعلق دائما وبدون استثناء بعمل شخص أو مجموعة من المصابين بجنون العظمة، حيث يقرر الزعماء غير مرة أنه قد حان وقت توسيع حدود دولتهم وتعظيم نفوذهم. وأحيانا يطمعون في معادن وثروات طبيعية لجيرانهم، فيما يريدون أحيانا أخرى مجرد تهويل محيطهم، وقد يستخدمون أفكارا دينية لتبرير استعدادهم لحصد أرواح الشباب (وقد يطال الأمر أرواح من لم يعودوا شبابا كذلك) من أجل الاعتداء على أعداء من نسج خيالهم، أو آخرين محتملين، وأحيانا يكونون أعداء حقيقيين.
ولكن حصد أرواح الشباب يحصد في نفس الوقت أرواح آبائهم وأبناء عائلاتهم وأحبتهم، فهو بمثابة دمار بشري واجتماعي وثقافي لا يضاهى.
ان الثقافتين العربية الاسلامية واليهودية تحث على كرامة الانسان  فقد جاء في القران الكريم"........ أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ....."

الناس جميعا مخلوقون على صورة آدم، ولكن لا يشبه وجه أحدهم وجه غيره
إن الثقافة اليهودية مشبعة بإدراك قيمة حياة كل فرد، حيث يقول موسى بن ميمون: "لقد خلق الإنسان وحيدا في العالم، ليعلم أن كل من أضاع روح فرد، يعتبر وكأنه أضاع الدنيا وما فيها، وكل من أنقذ روح فرد، يعتبر وكأنه أنقذ الدنيا ومن فيها، إن الناس جميعا مخلوقون على صورة آدم، ولكن لا يشبه وجه أحدهم وجه غيره، لذلك يستطيع كل منهم أن يقول في نفسه: ‘من أجلي خلقت الدنيا‘". إن كل إنسان دنيا بحد ذاتها، ولم ولن يكون ثمة من يماثله.
طول عمري وانا أمعن النظر بفضول إلى العائلات العربية التي تعيش إلى جانبنا في دولة إسرائيل، وقد لاحظت أن العلاقة العاطفية بين الأم العربية وولدها وثيقة جدا، بل تزيد وثوقا بكثير عنها في الغرب، وأعتبر العلاقة بين الأم وولدها من المميزات الهامة للثقافة العربية. من هنا أتساءل بإلحاح شديد: إذا كنتُ مصيبة، فكيف يعقل ألا يكون حب الأمهات حاجزا بوجه العنف المتزايد؟ لماذا لا نتمكن من حماية أولادنا من اللهاث وراء سيوف الحرب ودمارها؟
أعلم إلى أي حد تنظرن إلى دولة إسرائيل على أنها تمثل اعتداء على الشعب الفلسطيني، وإلى مدى شعوركن مع غيركن بالإهانة حيال ما حدث بين البحر والنهر خلال القرن الأخير، وأود السؤال عما سيحدث، في اعتقادكن، لو أننا ظللنا نسلك سبيل الحرب؟ هل يستفيد أحد من قتل الفتيان والنساء والشيوخ والرجال والأطفال العرب واليهود؟ هل أن الغضب العارم يوفر حلا لشعبينا المتألمين؟

* الكاتبة محرر مجلة " ارتس احيرت "
www.eretzacheret.org.il

انتباه كتبة المقالات الكرام ، انه ولاسباب مهنية مفهومة فان موقع بانيت لا يسمح لنفسه ان ينشر لكُتاب ، مقالات تظهر في وسائل اعلام محلية ، قبل او بعد النشر في بانيت . هذا على غرار المتبع في صحفنا المحلية . ويستثنى من ذلك أي اتفاق اخر مع الكاتب سلفا بموافقة التحرير.
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان
panet@panet.co.il .

لمزيد من زاوية مقالات اضغط هنا

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق