اغلاق

قراءة للإنتخابات البرلمانية الإسرائيلية (1)، بقلم: سميح غنادري

انتخابات وليدة أزمة وحكومة مأزومة الولادة - إذا ما نجح ليكود نتنياهو في تشكيل حكومة مركّبة من معسكر أحزاب غلاة اليمين المتطرف والأصوليين دينياً، ستكون هذه اسوأ،


سميح غنادري

بما لا يقاس من حكومته السابقة السيئة، وربما أسوأ الحكومات التي عرفتها اسرائيل على مدى 67 عاماً منذ قيامها، وبحق شعبها اولاً لا بحق ال 20% من مواطني البلاد العرب فقط. ستكون تلك حكومة يقودها نتنياهو الذي اصبح اكثر يمينية، وتتشكل من ائتلاف مع الاحزاب الاكثر يمينية وتطرفاً. حكومة بدون فرامل أحزاب الوسط التي فرملت، وإن كان بشكل محدود، إنحدار الحكومة السابقة كلياً نحو نهش بقية بقايا قليل الأمل الضعيف اصلاً بإمكانية السير نحو تحقيق السلام العادل والعدالة الاجتماعية والمساواة على اساس المواطنة، وصيانة ما تبقى من الديمقراطية والتشريع الديمقراطي. ستكون حكومة ليكود منتصر أصبح أكثر تطرفاً وعنصرية ويقوده "الملك" السابق إياه الذي أخذ يشعر أنه القيصر. وهو (مع ميري ريغف طبعاً) وبينيت وليبرمان وأوري أرييه وسائر العصابة القومجية وشبه الفاشية، وبمشاركة المِسْيحانية -  الخلاصية الدينية الأصولية، سيضعون الخطوط العريضة للبرنامج السياسي للحكومة.

حكومة ستُبعد أي أمل وأفق للحل السياسي على أساس إنهاء الاحتلال
وستقرّب امكانية حرب قادمة لا سلام مأمول. وستعمّق الاستيطان واستكمال بناء دولة الأبرتهايد في المناطق المحتلة، ودولة العنصرية والتمييز القومي والمدني داخل اسرائيل، وإفقار الفقراء وهيمنة قبضة أصحاب الأموال والإحتكارات على عنق الدولة واقتصادها. حكومة ستشرّع للديكتاتورية وستسنّ قوانيناً وتشريعات تتخطى وتلتف على عائق محكمة العدل العليا وتشلّ تدخلها، وستحد من الديمقراطية وتقوْنِن العنصرية.
سيصبح سن قانون "القومية" وحظر الجمعيات اليسارية والليبرالية وغيرها من قوانين شبة فاشية ... على رأس أجندة العمل ومن أولويات هكذا حكومة. عصابات "تدفيع الثمن" ستتمثل بوزراء فيها. كهانا الميت سترفرف روحه في اروقة "الكنيست" ومكاتب الحكومة. ومارزل، التي شرعنت الأحزاب الصهيونية حقه بخوض الانتخابات لكنه سقط انتخابياً، سيكون حاضراً وهامساً في آذان بعض وزراء هكذا حكومة إبان اجتماعاتها. لا نقول ان الفاشية اصبحت حكومة في اسرائيل، ولكن نقول ان هكذا حكومة ستقرب وتسعّر أجواء الفشستة في البلاد.

كتب المرحوم اميل حبيبي مرة أن لا حاجة لاسرائيل لإصدار قانون يشرعن الإعدام، لانها تعدم الناس
بدون وجود قانون يجيز ذلك. وعلى غراره نقول إنه لا حاجة لأن تقيم اسرائيل نظاماً فاشياً سافراً ما دامت تستطيع بعد "ديمقراطياً" ان تنهل وتُسقي من مجاري الفاشية. ولَوْ كان "الفيلد مارشال" نتنياهو بحاجة للقيام بانقلاب عسكري لضمان استمرار حكمه لما تورّع عن ذلك. هو يُفشست البلاد من خلال صندوق الإقتراع. وهكذا دولة شوّهت شعبها تولّيه للمرة الرابعة رئيساً لحكومتها بالاقتراع الديمقراطي .
والأمر بالأمر يُذكّر: النازية في المانيا والفاشية في ايطاليا أصبحتا حكومة حاكمة عن طريق الانتخاب الديمقراطي. هذا دون أن أقصد القول طبعاً أن الحكومة الاسرائيلية المرتقبة هي فاشية ونازية، فاسرائيل ما زالت "تنعم" ببقايا الديمقراطية التي تنضح عنصرية وأبرتهايداً. وسيزداد "النضح" ويقل "النعيم" تصريحاً وممارسة حكومية، وانفلاتاً لرعاع الشوارع المتمتعين بالرعاية المتبادلة بينهم وبين هكذا حكومة.
"المهباخ" – الانقلاب – الذي كان ينتظره بقية العقلاء في البلاد للإطاحة بحكم الليكود من خلال صندوق الاقتراع أسفر عن إنقلاب على الإنقلاب المتوقع. ليس فقط الشعب على شاكلة حاكمه، وإنما الحاكم ايضا على شاكلة شعبه. هذا ما أفرزه نظام دولة عنصرية أصبح عمره 67 عاماُ، وإحتلال لبقية فلسطين اصبح عمره 48 عاماً. واحزاب "يسار" صهيوني لا يوجد فيها يسار. وأحزاب وسط صهيوني أدمنت الرقص بين اليمين الفعلي واليسار قولاً، لكنها تستمرئ فعلاً الجلوس في حضن اليمين. على نفسها جنت اسرائيل. ولَوْ كان كارل ماركس حيّاً لذكّرنا بحكمته وبتحذيره منذ مئة وخمسين عاماً ونيّف: "إن شعباً يحتل شعباً آخر لا يمكن ان يكون حرّاً".

هزيمة الإنتصار وإنتصار الهزيمة
أختلف مع التقييم شبه السائد لنتائج الإنتخابات بأنها سجلّت إنتصاراً عظيماً وبيّناً لمعسكر اليمين بقيادة ليكود نتنياهو، وهزيمة نكراء لمعسكر ما يُسمّى باليسار بقيادة حزب العمل (المعسكر الصهيوني). صحيح أن تمثيل الليكود في البرلمان زاد 12 عضواً ونتنياهو فاز بتوكيل تشكيل الحكومة. لكن حزب العمل زاد تمثيله ايضاً 9 أعضاء. وزيادة نواب الليكود أتت في الاساس على حساب احزاب اليمين المتطرف المتحالفة معه – "البيت اليهودي" بقيادة بينيت و"اسرائيل بيتنا" بقيادة ليبرمان وحزبا الأصولية الدينية: "شاس" بقيادة درعي و "معا" بقيادة يشاي – مارزل. لقد التهم اليمينُ المتطرف اليمينَ المتطرف وعصره كما يُعْصر الحامض، دون ان يزيد من الحصة التمثيلية للمعسكر ككل.
اما حزب "كلّنا" بقيادة كحلون، الذي بفضل تمثيله ب 10 أعضاء قد تتشكل حكومة اليمين المتطرف، فيُعلن قائده أن حزبه ينتمي للوسط. وهو كذلك فعلاً. وكحلون هذا انشقّ عن الليكود منذ سنتين ويحتقر نتنياهو ولا يثق به وبوعوده، وكل ما يهمّه هو الاصلاح الاقتصادي والاجتماعي لصالح عموم الناس خصوصا الفقراء والمهمشين ومتوسطي الحال. وبهذا هو اقرب، اجتماعياً، الى المعسكر الصهيوني المكنّى "باليسار". (لحزب العمل ومعسكر اليسار عموماً سنخصّص الحلقة الثانية من هذه القراءة الانتخابية).
ليكود نتنياهو، "المنتصر" الكبير، لم يحظ إلا بِ – 25% من أصوات المقترعين – 30 عضو برلمان من اصل 120 عضواً في الكنيست. وإذا ما نجح نتنياهو بتشكيل الحكومة ستكون هذه حكومة تحظى بثقة 67 عضو برلمان. لذا يستطيع أي حزب إئتلافي فيها ان يسقطها حين يقع الخلاف والصدام بين مركباتها. لذلك أشك جدياً بثبات حكومة هكذا "انتصار كبير وبيّن"، وأميل الى الاعتقاد بل والاقتناع بأن هكذا حكومة منتصرة لن تستكمل دورة حكمها، وقد تكون اسرائيل على موعد مع انتخابات برلمانية جديدة بعد سنة الى سنتين. او – ولا تتفاجأوا! – قد نكون قريباً شاهدين على حكومة "وحدة قومية وطنية" بين المعسكرين اليميني المتطرف و"اليساري"... فما يجمع بينهما أكثر بكثير مما يفرّق. وهذا ما يريده غالبية ناخبي الليكود والعمل واحزاب الوسط. وهذا ما تأمله امريكا واوروبا.

في انتصار معسكر اليمين بعض الهزيمة وفي هزيمة معسكر "اليسار" بعض الإنتصار.
وإنتصار الهزيمة وهزيمة الإنتصار من الطبيعة الخليوية – الجيناتية – البنيوية لسياسة مأزومة لا تولد الا الأزمات والمراوحة في المكان.

الشعب هو المسحور ...
خاض نتنياهو الانتخابات لرئاسة الحكومة اربع مرات ونجح في ثلاث منها. وكان من المتوقع سقوطه في انتخابات 17 آذار الاخيرة. لأن سنوات رئاسته السابقة للحكومة أزّمت البلاد على مختلف الأصعدة وفي كل المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والاخلاقية. وليس بامكان احد ان يُضفي على هذا السابق لكل رؤساء حكومات اسرائيل من ناحية عدد سنوات حكمه، ولا يساويه الا بن غوريون في هذا، ان يشير الى اي انجاز تاريخي لهذا العاشق لذاته والمشبّه لنفسه بتشرتشل (؟!) .
لا، لم تخطئ معاهد وشركات استطلاعات الرأي حين قدرت حتمية سقوطه. حتى داخل الليكود كان بعض القادة يشحذون السكاكين لوراثته بعد فشله. لكن رغم هذا نجح نتنياهو في قلب الواقع رأساً على عقب في الايام الأربعة الاخيرة قبل موعد الانتخابات وفي يومها. فسارعت بعض وسائل الاعلام المحلية والعالمية الى "اضفاء" صفة "الساحر" عليه، والى ضرورة دراسة وتدريس اسلوبه وتخطيطه الدعائي الاعلامي في معاهد وكليات العلوم السياسية والاعلام والادارة.
هو حقاً "ساحر"، اذا كان السحر يعني الكذب والافتراء والتشويه والاستفزاز والرُخص والإبتذال والخداع والأحابيل والتلوّن الحربائي وتسعير الخلافات والتصديع والتفرقة واللعب على الغرائز والتحريض العنصري والتخويف والافزاع والترهيب واثارة النعرات والعصبيات القومجية والدينية وجعل كلمتي "السلام" و"اليسار" كلمتي ذميمة ومسبّة وعار وشنار يريد دعاتهما التفريط بالوطن والشعب و"التوراة" اليهودية.

لكن لا يصح اضفاء سِمَة الإبداع السحري على نتنياهو لانه يجيد حقاً كل ما ورد في الفقرة اعلاه. لأن كل هذا تعود "براءة اختراعه" الى شتى عظماء قوى الظلام في العصور القديمة والحديثة. ولَوْ كان غوبلز سيد ماكنة الدعاية النازية حيّا اليوم لرفع دعوة قضائية بخصوص "صيانة حقوق المؤلف وعدم جواز استنساخه" ضد كل المؤسسات ووسائل الاعلام التي نسبت "ابداعه" الاعلامي الى نتنياهو.
لا، ليس نتنياهو بساحر ولا بمنوِّم ولا بمُمَغْنط، وليس لسانه المشحوذ المسنون ولا خفّة حركات يديه ولا إتقان فن تبديل نبرات الصوت... هي التي سحرت الناخبين في اسرائيل. لقد سرى "السحر" على المستعد لأن يكون مسحوراً مسبقاً، وتحكّم الضلال بالضال اصلاً. وكان للتجربة اليهودية التاريخية في العالميْن القديم والحديث والمتوارثة ذكرة وذاكرة وتذكيراً فعلها الفاعل. اقصد تجربة التعرّض الى اللاسامية والبوعزومات ومن ثم الى الكارثة النازية وفعلها "السحري" في تأزيم وتشويه النفسيات والمواقف.

وما من شك – بل هذا هو الأساس – أن تربية مجتمع كولونيالي لشعبه على الجرائم بحق العرب وفلسطين خصوصاً، وعلى عقلية الاحتلال والابرتهايد والحصار والتمييز العنصري... دفاعاً عن "أمن" اليهود، زاد المسحور أصلاً انسحاراً. ولا نغسل بالمرة ايدي "اليسار" الصهيوني من هذه الجريمة الأخلاقية بحق شعبه اولاً. فبدلاً من طرح بديل عادل وانساني واخلاقي يطيح "بسحر" نتنياهو أخذ يذدنب ويتأتئ كعادته. طول عمرك يا زبيبة ... وكنتُ أتمنى من العرب جميعاً ومن الفلسطينيين خصوصاً، بعلمانييهم وبحركاتهم السياسية الدينية أن يتقنوا التعامل إزاء التجربة اليهودية التاريخية، رغم كونهم ضحية للضحيّة، لا أن يقعوا في بعض تصريحاتهم وممارساتهم بأخطاء غذّت "سحر" نتنياهو ومن سبقه في تسحير الناخب اليهودي.
على نفسها جنت براقش/ اسرائيل. وفي إنتصار ليكودها وفاشييها بذور هزيمة لسياستها ولمكانتها في الشرق الاوسط والعالم اجمع. انتصر الليكود لكن القضايا الحارقة التي تواجه إسرائيل وتحرق بقايا كل خير تبقى في مجتمعها لم تنهزم وما زالت ساخنة على رأس الاجندة. وأقصد قضايا السلام العادل وانهاء الاحتلال، وحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، والمساواة القومية والمدنية على اساس المواطنة المتساوية، والعدالة الاجتماعية والرفاه الاجتماعي، وحل أزمات وغلاء المعيشة والإفقار والاسكان والخدمات الصحية والتعليمية والتربوية، ولا ننسى العزلة الدولية لاسرائيل وحملة المقاطعة ضدها والمس حتى بالعلاقات مع امريكا... الخ. كل هذه القضايا آن للزمن أن يحلّها منذ زمن. و"الساحر" نتنياهو معمّق الأزمات وصانعها أحياناً أعجز من يجد الحل السحري لها.
هل يسحب الساحر من قبعته أرنب "حكومة الوحدة القومية"؟ لا نستبعد ذلك بالمرة. لان اللا ايدلوج نتنياهو يمكن تلخيص كل "ايديولوجيته" بضمان كرسيه. هو اصلاً لم ينشر برنامجاً مكتوباً ليلتزم به لا في الحملة الانتخابية الحالية ولا في الحملة السابقة للعام 2013. برنامجه يعني بقاءه. وهو يعرف ان حكومة ضيّقة تعتمد على اليمين المتطرف وهو "اليسار" (؟!) فيها،  لن تبقى حتى نهاية الدورة المحددة. ويعرف تناقضات وصراعات وتعدد مطالبات أطرافها المؤتلفة، هذا عدا عن المطالبات والصراعات على كراسي الوزارة داخل حزبه أيضاً.

تتساءلون: هل يقبل حزب العمل مشاركة الليكود في حكومة توحّد بينهما؟
اجيب: نعم سيقبل حتى لو عارض هذا بعض قلّة "يسارية". وأراهن أن هرتصوغ أصابه تشنج عضلات وهو جالس على الكنبة في بيته منتظراً رنين الهاتف من قبل نتنياهو. ولن تكون هذه اول مرة يزحف فيها حزب العمل لاحتلال منصب "ورقة التين" لاخفاء عورات الليكود الفاضحة محلياً وعالمياً. آمل الا يقدم هرتصوغ على هذا الفعل المشين، وأن يختار خيار المعارضة الكفاحية برلمانياً وجماهيرياً لاسقاط حكومة نتنياهو – بينيت – ليبرمان.
( الحلقة القادمة عن المعسكر الصهيوني ).


هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
نلفت انتباه كتبة المقالات الكرام ، انه ولاسباب مهنية مفهومة فان موقع بانيت لا يسمح لنفسه ان ينشر لكُتاب ، مقالات تظهر في وسائل اعلام محلية ، قبل او بعد النشر في بانيت . هذا على غرار المتبع في صحفنا المحلية . ويستثنى من ذلك أي اتفاق اخر مع الكاتب سلفا بموافقة التحرير.
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان:
panet@panet.co.il .

لمزيد من زاوية مقالات اضغط هنا

لمزيد من انتخابات الكنيست اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
انتخابات الكنيست
اغلاق