Logo
د. أحمد هيبي :استخدام القصة في تعليم الرياضيات

03/06/2008 18:54:09


في كتابي "بواكير- تعليم الرياضيات للمدرسة البتدائية", من الصف الأول حتى السادس, اعتمدت اسلوب القصة كجزء من أسلوب تعليم الرياضيات للأطفال, خصوصا في الصفوف الدنيا.

وقد قوبل عملي هذا بالاستحسان غالبا، ولكن احتج البعض أحيانا على المساحة التي يمكن ان تحتلها قصة في موضوع كالرياضيات، أو الوقت الذي يمكن ان تستغرقه على حساب الدرس التقليدي.
ان تعليم الرياضيات عن طريق قصة، ليس ابتكارا ذاتيا مع ذلك. فهناك أبحاث وتجارب كثيرة حول هذا الموضوع , وهناك استعمال واسع لتعليم الرياضيات عن طريق القصة في الجيل المبكر، في انحاء كثيرة من العالم.
اننا جميعا نحب القصص، واكثر المحاضرين أو الخطباء والمعلمين نجاحا، هم اولئك الذين يفتتحون كلامهم أمام الجمهور الواسع برواية قصة. فالجمهور يحب القصص ويتابع الروايات المتسلسلة في التلفزيون، ويقرأ القصص أو يسمعها من مصادر مختلفة.
في الرياضيات ينبغي ان تكون القصة مرتبطة بالموضوع الذي تخدمه. وفي موضوع الاعداد الزوجية ابتكرت قصة الفلاح الذي يريد توزيع عدد فردي من البقرات وهي كل ما يملكه على ولديه الاثنين.
هذا الارتباط، قد يجعل القصة متصنعة نوعا ما. ولكن راويا مجيدا أو مبتكرا يستطيع أن يتجاوز هذا التصنع، اذا أعمل فكره قليلا, وجعل للقصة بعدا فنيا أيضا، أي أن يستطيع القاريء العادي قراءتها والاستمتاع بها بدون الاهتمام الى الجانب الحسابي فيها. وفي موضوع "الطرح" مثلا، ابتكرت قصة "جحا" الذي كان يملك 9 غنمات، وجاء اللصوص وسرقوا 6 منها. وفي الليلة التالية سرقوا اثنتين. بقي عند جحا غنمة واحدة، فقال سأذهب لأبيعها في السوق لئلا يأتي اللصوص ويسرقونها هي أيضا. في اليوم التالي وعندما كان جحا عائدا بدنانيره العشرة ثمن الغنمة التي باعها في السوق، هجم عليه اللصوص وسرقوا ماله.
من ناحية أخرى، فحتى لو أخذنا أي قصة عادية، مأخوذة من أي مصدر كان، لاستطعنا ان نجد فيها جانبا حسابيا. فهكذا هي الحياة يكوّن الحساب واحدا من أركانها. وحتى عندما نرغب في الترفيه عن أنفسنا، ونقرر أن نسافر في رحلة الى تركيا على سبيل المثال, فان الحساب يدخل في صلب قرارنا وحيثيات رحلتنا، فهناك التكاليف, والتنزيلات، وضريبة المطار، ونسبة الخصم، الخ. ويذكر عني طلابي قولي لهم، اني أستطيع ان أعلم الرياضيات حتى من خلال كتاب في التاريخ. وفي تعليم موضوع حسابي من خلال قصة، فان المعلم يوجه طلابه الى الانتباه للجانب الحسابي للقصة، ليس قبل ان يستمتعوا بالقصة نفسها.
ان حكاية قصة مرتبطة بالموضوع الذي نبغي تدريسه، تدعم هدفين أساسيين في تعليم الرياضيات. وهما أولا ربط دراسة الرياضيات في الصف، بالانشطة الحياتية خارج الصف. وثانيا خلق بيئة داعمة قوية لتعلم الرياضيات.
وهنا أريد ان أضيف شيئا من تجربتي الشخصية حول هذا الامر. فعندما بدأنا تعلم الرياضيات في جامعة حيفا أول مرة، شعرنا بغرابة المواضيع التي نقوم بتعلمها. ليس فقط لاننا لم نتعلم مثلها في الابتدائية والثانوية، بل أيضا لأن مواضيعها كانت تبدو لنا تحليقا في سماء غريبة من الافكار الصعبة، وحقائق ليس من ورائها طائل, لبعدها عن وقائع الحياة اليومية كما ندركها. وكان هذا الأمر ينعكس علينا باحساس فظيع بالغربة، وكأننا انتقلنا الى قارة أخرى. وقد خبرت هذا الشعور عند كثيرين من الطلاب غيري، من الذين كانت الرياضيات الجامعية تسبب لهم صدمة قوية قد لا ينجون منها.
ان استراجية التعليم بحد ذاتها تقوم على الارتكاز على وضع معلوم للمتعلم، والانتقال منه الى وضع مجهول يراد تعلمه. وهذا الانتقال يكون عن طريق وسائل وأدلة منطقية تربط القديم بالحديث. فالطفل لا يتعلم من فراغ. ولذلك فان أي معلومة نريد تعليمه اياها ينبغي ان ترتكز على معلومات أبسط منها معروفة لديه، بل تشكل واحدة من يقيناته. ومعنى ذلك أن المعلم ينبغي أن يبدأ تعليمه على أرضية مألوفة للطالب، من اجل أن ينتقل به حثيثا الى لا ما يعرفه ولا يألفه. والقصة وحتى وان كانت قصيرة، انما تؤدي الى خلق جو من الالفة والثقة بين المعلم والطالب.
واذا كانت رواية قصة في الجامعة في موضوع الرياضيات، هي نوع من الترف، فان حكاية القصة في الصفوف الدنيا هي شيء ضروري. بل ان المعلم قد يستطيع تطوير درسه من خلال قصة يلقيها، أو حتى من خلال قصة يتلقفها من احد الاطفال. وكانت معلمة أمريكية قد طوّرت دروسها في الحساب في أحد الصفوف انطلاقا من قصة رواها لها أحد الاطفال، عن جدته التي تصنع الحلوى وتبيعها في المكسيك. لقد طورت المعلمة الكثير من تقنيات العمل في القصة، آخذة بالجانب الحسابي للموضوع. فالحلوى بحاجة الى تغليف، وشحن، وبيع .. الخ. وفي سنة أخرى ارتكز تعليم الرياضيات في صف من الصفوف على قصة طفل عاد كلبه الذي كان يحتفظ به جده اليه. كان الجد يقدم للكلب 5 عظمات كل يوم.
من المهم أن يعيد الطفل رواية القصة التي يحكيها المعلم بلغته وان يناقشها. وأن يحاول تغيير النص لخلق واقع جديد مرتجى. ان بعض معلمي الرياضيات يكتشفون أن واحدة من مهامهم في تعليم الرياضيات، أصبحت في تعليم فهم المقروء أو حتى المسموع، واستعمال اللغة بطريقة ناجعة. وهذه المشكلة تواجههم عادة في المسائل الكلامية في الرياضيات. هذه المسائل هي الرابط الصميمي بين وقائع الحياة اليومية ومشاكلها التي تحتاج الى حل رياضي، وبين الرياضيات المنهجية التي تدرس في المدارس. ومن هنا كان التركيز الفائق على المسائل الكلامية كأداة لتعليم الرياضيات واعطاء الشرعية لتدريسها في المدارس.
وثمة منفذ آخر نستطيع أن ننفذ منه الى علاقة "حسابية" القصة، او بالاحرى الى "قصصية" الحساب بتعليم هذا الموضوع. فحتى البالغين يستعملون ملكاتهم الانفعالية أو الشعورية في فهم الأشياء وتنظيمها في ذاكرتهم، ومن ثم اختزانها أو انتشالها عند الحاجة. وكمثال على ذلك يرى بعض الاطفال أن الاعداد الزوجية هي "أفضل" من الاعداد الفردية، ما دامت الاولى تقبل القسمة على 2 بدون باق والثانية لا تقبل. وهو هنا يستعمل المعنى الايجابي للقبول، مقابل المعنى السلبي للرفض، من أجل أن يذوّت معلومة بسيطة حسابية. وبهذا المعنى يكون "الاكبر" أفضل أو سابقا على "الاصغر", والقسمة على 0 هي نوع من الاعمال "الخاطئة" أو حتى "المحرمة". والقصة بالتالي تعطي الشحنة الانفعالية هذه، التي تثبت المعلومة الحسابية في الدماغ.
ويستطيع البالغ منا ان يتحقق من الشحنة الانفعالية هذه، في تجارب كثيرة يمر بها في حياته اليومية. وأحيانا يرن التلفون وترتسم على الشاشة "نمرة" لا نذكر صاحبها، ولكننا نشعر بسعادة غامرة أو عدم راحة من مجرد رؤية رقم سبق ان رأيناه مرة، ولكننا لا نذكر صاحبه. ومن هذه التجربة نفهم أن ما نتعلمه أو ما نختزنه في الذاكرة انما يدخل اولا في منطقة الشعور. وفي هذه المنطقة تكتسي المعلومات التي نتعلمها صبغة شعورية هي أبعد ما تكون عن الموضوعية. لقد شعرنا بعدم الراحة من رؤية رقم التلفون لأن صاحب الرقم يرتبط بذاكرتنا بتجربة غير مفرحة. (وبالفعل فبعد قليل سيطالبنا بالالتزام بواجباتنا، فنعرف من هو!).
وبالمثل فالاعداد الفردية ليست أسوأ من الاعداد الزوجية، وليست افضل منها. وقد نكون بصدد حل سؤال نعرف ان جوابه عدد فردي، وعندها سنرى بضوء ايجابي كل جواب فردي محتمل، وبضوء سلبي كل جواب زوجي محتمل.
وعلى هذا الاساس لا أجد مانعا ان يستعمل المعلمون أوصافا مأخوذة من الحياة اليومية لوصف سلوك الاعداد أو الدوال أو غيرها من العناصر الرياضية. ولطالما كنت أصف الدالة التي تتقارب الى اللانهاية بسرعة فائقة بالـ"مجنونة". والدالة "غير المعرّفة" في نقطة معينة، بأن لها "مشكلة" في هذه النقطة. والاستعمال المجازي برأيي مقبول, وأن كنت أخالف بعض المتشددين في هذه الناحية. فعند القسمة على 10 فاننا نحرك الفاصلة العشرية الى اليسار. هذا وصف مجازي طبعا ولكنه مفيد. فالفاصلة العشرية لا تتحرك من مكانها, بل العدد هو الذي يصغر (بقيمته المطلقه). ومعظم الأوصاف المجازية تقع في منطقة الشعور هذه.
ولا ادري ان كان الانسان في المستقبل ينبغي ان يطرح عنه الاوصاف الشعورية أو الانفعالية عند تصديه لمسائل موضوعية في العلم او الرياضيات، ولكن الذي اعرفه اننا نفكر حتى الآن بهذه الطريقة، ونختزن المعلومات بناء على مشاعرنا نحوها. ومن غير المرفوض أن نستعمل هذه الطريقة في تدريسنا للرياضيات ما دامت تفيدنا. كل هذا أقوله لان انشاء قصة حول موضوع حسابي، انما يخلق بطبيعة الحال هذه الشحنات الانفعالية حول الموضوع الحسابي الذي تستهدفه القصة.
ويستطيع كل معلم أن يخلق قصة من عنده. ولا حاجة أن يكون المعلم مبتكرا من أجل أن يخلق قصة. وهو هنا يستطيع أن يستعين بالقصص التراثية التي يعرفها أو التي قرأها. وفي قصة بيضاء الثلج مع الملكة الساحرة مثلا, عملت بعض التحوير لكي تناسب القصة موضوع الضرب أو الجمع السريع الذي يعتمد على قانون التجميع أو البدء بالعمليات السهلة أولا. والملكة الخبيثة تسأل مرآتها ان كان ثمة من هو اسرع منها في حل هذا النوع من المسائل الحسابية (بواكير للصف الثالث الجزء الثاني). فتجيبها المرآة: نعم انها بيضاء الثلج. بينما في القصة الأصلية تسأل الملكة مرآتها ان كان ثمة من هي أجمل منها, وتتلقى نفس الجواب.
وقد يستعمل المؤلف ابطالا تراثيين كجحا مثلا ليكونوا ابطال قصصهم. فهؤلاء الابطال هم اقرب الى عالم الطفل وأكثر طرافة.وفي موضوع "الاحتمال", أو "تحليل الاحتمالات" , ابتكرت القصة التالية التي جعلت من جحا بطلا لها, وهو هنا معلم في كتاب (المدرسة القديمة):
"كان جحا معلما في كتاب. وكان يحكي للأولاد عن الحوادث المحتملة الوقوع, والمؤكدة الوقوع والمستحيلة الوقوع. فقال: هناك حوادث محتملة الوقوع كأن لا يدفع لي آباؤكم أجرة تدريسي اياكم. أو لا أجد شيئا آكله عندما أعود الى البيت وأجد زوجتي لا تزال نائمة. وهناك حواادث مؤكدة الوقوع, وهي أن يطردني صاحب البيت الذي أسكن فيه, لأني لم أدفع له الأجرة منذ ثلاثة أشهر. وهناك حوادث مستحيلة الوقوع , وهو أن ينتفع أحد منكم بما أعلمكم اياه!". (بواكير للصف الرابع الجزء الثاني).
ولا يكتفي المعلم بقراءة القصة أو تقديمها بأي شكل, بل أنه يتناول بالأسئلة الجانب الحسابي فيها. كما فعلت في الكتاب.
ملاحظة بانيت : جميع المقالات التي تنشر في موقع بانيت تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر عن رأي هيئة تحرير موقع بانيت.
كذلك نلفت نظر الاخوة الكتاب إلى انه نظرا لضيق عامل الزمان والوقت ، تعطى الأولوية لمقالات من 500 ـ 700 كلمة ، لذا نرجو التقيد بهذا العدد من الكلمات .

ملاحظة : هيئة التحرير في موقع بانيت تلفت انتباه كتبة المقالات الكرام ، انه ولاسباب مهنية مفهومة فان موقع بانيت لا يسمح لنفسه ان ينشر لكُتاب ، مقالات تظهر في وسائل اعلام محلية ، قبل او بعد النشر في بانيت . هذا على غرار المتبع في صحفنا المحلية . ويستثنى من ذلك أي اتفاق اخر مع الكاتب سلفا بموافقة التحرير .

لمزيد من المقالات اضغط هنا

ارسل لصديق Send طباعة المقال Print لكتابة تعقيبك على الخبر إضغط هنا
مواد في ذات السياق

 
خدمات بانيت
    حالة الطقس
    ابراج
    قلوب حائرة
    اغاني وموسيقى
    كليبات وفيديو
    صور
    اطفال
    العاب
اذاعة القران الكريم
    بصوت السديس
    بصوت عبد الباسط
زوايا الموقع
    تلفزيون بانيت
    اغاني mp3
    افلام عربية
    العاب فلاش
    عالم السيارات
    حالة الطقس
    ابراج
    مسلسلات عربية
    مسلسلات تركية
    ترفيه ونغاشة
    حفلات تخريج
    شوبينج واقتصاد
    قلوب حائرة
    فن
    رسوم متحركة
    افلام كرتون
    كليبات مضحكة
    صور ومناظر
    استشارة
    البوم صور
    اطفال
موقع اخبارية بالعربية
    صحيفة القدس العربي
    راديو سوا
    CNN بالعربية
    راديو مونتي كارلو
    الشرق الاوسط
    bbc بالعربية
 
Navigation
استطلاع : شو شباب ؟! شو صبايا ؟! هل شرعتم بالتحضيرات لاستقبال العام الدراسي الجديد ؟!
 مجموع الاصوات

اخبار |  فن |  انترنت وتكنولوجيا |  شباب وبنات |  شوبينج |  برامج تلفزيون |  رياضة |  مقهى بانيت |  دنيا ودين |  كوكتيل |  أغاني mp3 | نسوان

للاعلان - من نحن - اتصل بنا - شروط الاستخدام - פאנט - About us

Contact Us : +972 9 7993993
جميع الحقوق محفوظة - بانوراما