Logo
إطلالة على أنا يوسفٌ يا أبي، بقلم: الأستاذ زيد عمري

11/08/2013 17:30:47


هذه القصيدة استوقفتني جهد دراسة وبحث، وتنقيب وكشف، وقد حاولت هنا، قدر ما أمكنني الله من طاقة، أن أستغرقها وأستبحرها،


الاستاذ زيد عمري

وإذا أنا في حضرة نص له من المجاهل أكثر مما له من المعارف، وقد اكتفيت بما توصلت إليه من متوصّلات، فإنني، إن استأنفت القصيدة استدراكا، سأظل أكشف عن ثناياها وخفاياها، وهذا ما يميّز الشعر عن النثر، فالشعر استشعار دائم للمعاني لا ينقطع ولا ينبتر بفعل زمان أو مكان...
استمد الشعراء مادتهم من تاريخ البشرية، وتعاملوا مع موضوع يوسف بحرية، ولعل أبرز من تمثّل هذا الموضوع هو الشاعر محمود درويش حيث اتخذ من موتيفات يوسف رموزا للتعبير عن القضية الفلسطينية فتحول يوسف إلى نموذج اللاجئ، الفقير، المنبوذ...، ولعل الصورة المشاهدية التي تتماشى مع المعطيات الراهنة هي صورة الأخوة الأعداء الذين زجوا بيوسف في عمق البئر. فكيف تمثل الشاعر الرمز الديني للتعبير عن القضية الفلسطينية؟

"أنا يوسف يا أبي"
لمحمود درويش

أَنا يوسفٌ يا أَبي.
يا أَبي، إخوتي لا يحبُّونني،
لا يريدونني بينهم يا أَبي.
يَعتدُون عليَّ ويرمُونني بالحصى والكلامِ
يرِيدونني أَن أَموت لكي يمدحُوني
وهم أَوصدُوا باب بيتك دوني
وهم طردوني من الحقلِ
هم سمَّمُوا عنبي يا أَبي
وهم حطَّمُوا لُعبي يا أَبي
حين مرَّ النَّسيمُ ولاعب شعرِي
غاروا وثارُوا عليَّ وثاروا عليك،
فماذا صنعتُ لهم يا أَبي؟
الفراشات حطَّتْ على كتفيَّ،
ومالت عليَّ السَّنابلُ،
والطَّيْرُ حطَّتْ على راحتيَّ
فماذا فعَلْتُ أَنا يا أَبي،
ولماذا أَنا?
أَنتَ سمَّيتني يُوسُفًا،
وهُمُو أَوقعُونيَ في الجُبِّ، واتَّهموا الذِّئب;
والذِّئبُ أَرحمُ من إخوتي..
أبتي! هل جنَيْتُ على أَحد عندما قُلْتُ إنِّي:
رأَيتُ أَحدَ عشرَ كوكبًا، والشَّمس والقمرَ، رأيتُهُم لي ساجدين؟

لم تكن عبارة "أنا يوسف يا أبي" في النص "المقدس" موجهة إلى الأب، وإنما كانت موجهة إلى الإخوة ليؤكد لهم أنه هو يوسف، وبأن الله أكرمه، ولكن النص الشعري فارق النص المقدس بكلمة يا أبي، فتبدو عبارة محمود درويش "أنا يوسف يا أبي"، طافحة بالشكوى، وبالمسكوت عنه في النص المقدس، وكأنه بهذه الصياغة يخبر عن شكوى يوسف لأبيه، وهي كلمات ترد على شكل حضور صريح تأخذ شكل ومضات تتسع ببريق القصة الدينية ليتوارى خلفها كلام مفارق "يؤسس شكلاً آخرَ من أشكال الحضور، يتسم بالغموض والخفاء":
يصبح للكتابة عند محمود درويش سلطان ساعة شروعها في نقل المدرك المعلوم، وضرب من الإبداع والتأسيس، إذ يصبح ما كنّا نظنه مجرد نقل ضربا من الكتابة للتاريخ، فيتقمّص الشاعر صورة فلسطين ناطقا باسمها، ويتحول الإخوة الأعداء إلى بعض العرب ويتحول الذئب إلى الرأي العالمي الغربي أما الأب يعقوب فيتحول إلى بعض الأنظمة العربية المتبنية للقضية الفلسطينية.
قصيدة ذات دلالات عميقة، تتكلم عن التكالب العربي على القضية الفلسطينية، والتآمر عليها والتنكر للمقاومة واتهامها بالعنف والإرهاب والضغط عليها للجلوس على طاولة الانهزام وتسليم الأرض والتخلي عن مشروع المقاومة.

صورة الأب التراث:
صورة الابن: وهو النبي" يوسف" – عليه السلام–، وقد اتخذها الشاعر رمزا للتعبير عن الإنسان الفلسطيني، فتحول "يوسف" الشاعر إلى نموذج للاجئ، الفقير، المنبوذ، وغدا فيها ناطقاً باسم القضية الفلسطينية، يرسم صورة صادقة لمعاناة هذا الشعب. صورة الأخوة: أخوة النبي "يوسف"، الأخوة الأعداء الذين ، الذين حاولوا التخلّص منه بزجه في عمق البئر في سبيل الاستحواذ على الأب، وهم ذئاب، بل إن الذئب بشراسته وشرهه أرحم من إخوته، وهو ترمز بالأخوة لبعض العرب الذين باعوا القضية الفلسطينية كما بيع يوسف من قبل إخوته، وهم الذين اعترضوا على الطريق الذي اختاره "الابن"؛ لنيل حقوقه من العدو طريق المقاومة لا الاستسلام.

صورة الأب: وهو النبي"يعقوب"، ويرمز"الأب"هنا للأنظمة العربية التي تبنت القضية الفلسطينية والتي توجهت إليها الذات الشاعرة بالشكوى من الأخوة العرب الذين تخلّوا عنه وتركوه يواجه مصيره بعد أن صار عبئا على استقرارهم في عصر جديد، "وربما كانت هذه الإشارة هي إشارة درويش الأولى والوحيدة إلى اتخاذه أباً عربياً، ولعلّ مسار القصة التي يتناصّ معها هو ما فرض عليه تمثيل هذا الأب الذي لا يتوجّه إليه عادة في خطابه الشعري.
ومن أهم الشخصيات الدينية التي استخدمها الشاعر في بعض قصائده شخصيات الأنبياء- عليهم السلام – التي شاع استخدامها شيوعاً لافتاً في الشعر العربي المعاصر ، وتأتي شخصية النبي يوسف- عليهم السلام – في طليعة الشخصيات التي استغلها الشاعر فنيا وفكرياً، وذلك في قصيــدته" أنا يوسف يا أبي"، وهو يستخدمها في إطار ملامحها القرآنية المعروفة.

صورة الإخوة: إخوة النبي "يوسف"، الإخوة الأعداء الذين حاولوا التخلّص منه بزجه في عمق البئر في سبيل الاستحواذ على الأب، وهم ذئاب، بل إن الذئب بشراسته وشرهه أرحم من إخوته، وهو يرمز بالأخوة لبعض العرب الذين باعوا القضية الفلسطينية كما بيع يوسف من قبل إخوته، وهم الذين اعترضوا على الطريق الذي اختاره "الابن" لنيل حقوقه من العدو، طريق المقاومة لا الاستسلام.

إضاءات أسلوبية:

 القصيدة كلّها، من البحر المتقارب(فعولن)، بشرط قراءتها في "نفَس" واحد، وبالتشكيل الذي يحرص عليه الشاعر أشدّ الحرص، مثلما يحرص عادة على علامات الترقيم التي يبدو نصّه مشبعا بها. إلا أن القراءة المتواصلة غير ممكنة طبعا، والقارئ مضطرّ إلى الوقف بعد الجملة الأولى، مثلا، عند النقطة التي حرص الشاعر على إثباتها، وسرعان ما يتحوّل الوزن في الجملة الثانية إلى البحر المتدارك(فاعلُن). وإذا زعم زاعم أن الشاعر لم يقصد هذه "الحيلة" الإيقاعية، أتيناه بمثال ثانٍ يفرض على القارئ الوقف، تبعا للتشكيل والوزن، فيتحوّل الوزن فورا من المتدارك في السطر الأوّل إلى المتقارب في تاليه: على هذا النحو يدأب الشاعر على المراوحة بين المتدارك والمتقارب، أو على الأخذ بما أسميناه بحقّ المتدارب، فيُخيَّل إلى "كثيرين من الشعراء والقراء"، كما صرّح بنفسه، أنّهم حيال نصّ نثري، وما هو بنصّ نثري. إنّه نصّ موزون على نحو دقيق، لكنّ الشاعر "قتل" الوزن فيه بهذه الحيلة الإيقاعية البارعة! والغرض من هذه الفنية أي دمج البحور في القصيدة الواحدة هو عدم الاستقرار على حال نفسية واحدة، وتعمد الغموض، وخلق جو من التساؤل، وإضفاء الحيرة على المعاني كي تتسم بالازدواجية وأكثر كما اتصف الوزن بذلك، والتعبير عن جو نفسي غير متناسق وغير متحد الوتائر.
 قصيدة القناع: وهي وسيلة فنية لجأ إليها الشعراء للتعبير عن تجاربهم بصورة غير مباشرة، أو تقنية مستحدثة في الشعر العربي المعاصر شاع استخدامه منذ ستينيات القرن العشرين بتأثير الشعر الغربي وتقنياته المستحدثة، للتخفيف من حدّة الغنائية والمباشرة في الشعر، وذلك للحديث من خلال شخصية تراثية، عن تجربة معاصرة، بضمير المتكلم. وهكذا يندمج في القصيدة صوتان: صوت الشاعر، من خلال صوت الشخصية التي يعبّر الشاعر من خلالها. يتخذ الشاعر المعاصر القناع ليضفي على صوته نبرة موضوعية شبه محايدة، تنأى به عن التدفق المباشر للذات، دون أن يخفي الرمز المنظور الذي يحدد موقف الشاعر من عصره، وغالباً ما يتمثل رمز القناع في شخصية من الشخصيات تنطق القصيدةُ صوتَها، وتقدمها تقديماً متميزاً، يكشف عالم هذه الشخصية، في مواقفها أو هواجسها أو علاقتها بغيرها ، فتسيطر هذه الشخصية على (قصيدة القناع) وتتحدث بضمير المتكلم، إلى درجة يخيّل إلينا أننا نستمع إلى صوت الشخصية. ولكننا ندرك، شيئاً فشيئاً، أن الشخصية ـ في القصيدة ـ ليست سوى (قناع) ينطق الشاعرُ من خلاله، فيتجاوب صوت الشخصية المباشر مع صوت الشاعر الضمني تجاوباً يصل بنا إلى معنى القناع في القصيدة. ويعتبر بدر شاكر السياب من أوائل الشعراء الذين تقنعوا في قصيدته"المسيح بعد الصلب"(1957). ويحقق القناع امتزاجا واتحادا بين الشاعر وقناعه، وليصبحا معا كيانا جديدا، وتحمل قصيدة القناع صوتا يميز الشاعر، وقد يتزاحم صوتا القناع والشاعر في القصيدة فيصدر صوت مركب منهما، والقناع حيلة بلاغية أو رمز أو وسيلة للتعبير عن تجربة معاصرة، وهو وسيلة إخفاء وإبعاد فنية، وإضفاء للموضوعية، وللرمز حضور قوي في القناع، فعلاقة القناع بالرمز علاقة الجزء بالكل، أو الخاص بالعام. وقد انخرط الشاعر بقناعه"يوسف" ليعبر عن ذاته هو برمزية رائعة وإشارة إلى "فلسطين" فجاء صوت الشاعر – صوت فلسطين – متحدا بصوت قناعه يوسف وقد أشرنا إلى أغراض تلك الفنية من خلال ما سبق.
 التناصّ: هو تشكيل نص جديد من نصوص سابقة أو معاصرة تشكيلاً وظيفياً بحيث يغدو النص المتناص خلاصة لعدد من النصوص. ويقوم التناص بعمليات إجرائية مختلفة، كالاستدعاء القصدي أو اللا قصدي، والتغايري أو التوافقي والامتصاص الإسفنجي الموظف، والتداخل، والتحويل وهو أهم عمليات التناص والاندماج في النص المتناصّ. وقد استخدم درويش نص القرآن لقصة سيدنا يوسف عليه السلام كي يخدم هوية قصيدته وتحميلها أبعادا تليق بأدائها للمعاني المرجوّة، إذ كرّس درويش لشخصيات القصيدة معاني جديدة ألبسها زيّ المعاني المقصودة المنشودة: يوسف، الأب، الإخوة والذئب، فكل شخصية تقمصت دورها بدقة متناهية كي توصل المتلقي إلى شاطئ المعاني المرسوّ فيه.
وأهم أغراض التناص: تواصل الأزمنة التناصية بعضها ببعض ونسج زمن شعري موحد، ربط الزمكان بالنص من خلال تعالقات نصية جديدة، اتصال بين الإبداع والإتباع فالأول بالمعنى الجديد للنص بعد تعالقه بنص أو أكثر والثاني المعنى القديم للنص قبل التعالق، نظام تشفيري ترميزي للمعنى الجديد بعد التعالق وذلك بهدف إشراك المتلقي باستقصاء المعاني الجديدة ومحاولة تعقبها من خلال ربطها بالنص الغائب بواسطة النص الحاضر، التشديد على عنصري التوليد التجديد والاستنتاج فالتناص بين الحاضر والغائب هو الأساس والعماد لإعمال وتفعيل هذين العنصرين، توقيع النص الغائب بلمسة حاضرية مستمدة من الماضي وذلك من أجل المقارنات أو المفارقات وغير ذلك من توافق وتفارق، والتانص تعالق تراثي ثقافي بين الغائب والحاضر وتأصيل وتجذير لشخصية واحدة مستقاة من نصين أو أكثر.
 القصيدة قائمة على محاور العلاقات المربعة: أي علاقة يوسف بيوسف، علاقة يوسف بأبيه، علاقة يوسف بإخوته وعلاقته بالذئب. وكل واحدة من هذه العلاقات لها تجلياتها في القصيدة وعناصرها وأدواتها. فعلاقة يوسف بيوسف جاءت في مثل قوله: أنا يوسفٌ، إخوتي لا يحبونني، لا يريدونني، وكل ذلك من خلال مناجاة يوسف لنفسه تعبيرا عما يشعر هو من خلال معاملة إخوته له، إلى أن قال: ماذا صنعت لهم؟ أي لم أصنع لهم شيئا، وقوله: الفراشات حطّت على كتفي تعبيرا عن السكينة والطمأنينة التي لم تتوطّد له، وقوله: مالت عليّ السنابل، وقوله: الطير حطّت على راحتي، وقوله: فماذا فعلت أنا، وقوله: لماذا أنا؟ كل تلك التساؤلات جاءت بنبرة الأسى والحزن واللوعة والحرقة والألم ورثاء الذات، وكان لها الدور الحاسم في تصوير يوسف ضحية وكبش فداء للإخوة الطامعين الكائدين الحاقدين الخائنين البائعين المتربصين شرا لأخيهم. أما المحور الثاني فهو محور علاقة يوسف بأبيه: وهو محور استعطافي فلاحظ قول يوسف: أبي، ثاروا عليّ وثاروا عليك، أنت سميتني يوسفا، أبتِ. علاقته بأبيه علاقة الامتزاج والاندماج والتماهي والاتحاد، فصورة يوسف مقتبسة من صورة أبيه، أي أن كراهة إخوته له جاءت لكرههم لأبيه، فالأب ويسف شخصية واحدة دلائلية: تشير إلى المحافظين على القضية الفلسطينية من غير هوادة ولا تراخ ولا تخاذل، فالأب والابن تربطهما علاقة وشيجة قوية متينة، فانظر إلى قول يوسف: أبي و أبتِ فكلا اللفظين يدلان على التقرب والتودد والألفة والمحبة والعلاقة المكينة وتساوي الحال، فنحن أمام يوسف وأبيه من ناحية والإخوة من الناحية الثانية، الإخوة الذين أوقعوا بأخيهم في الجبّ ولم يرحموه، بل عزَوا غيابه إلى الذئب الوهمي المختلق، ولعل دريش بهذا يعلن أن العرب المتخاذلين أنكى وأشد وطئا على يوسف أي القضية الفلسطينية من الذئب أي إسرائيل، وبذلك استطاع درويش تحوير القصة إلى مرام تأويلية ليست أصيلة، لأن يوسف في النص القرآني أُنْصِفَ ونيل حقه من إخوته أن خرّوا له ساجدين مُقرّين بذنوبهم معترفين بخطيئاتهم وجرائمهم نحو أخيهم. أما الممحور الثالث للعلاقة فكان علاقة يوسف بإخوته: علاقة المؤتَمِن بالخائن، المطمئِنّ بالظّانّ، البريء بالمجرم، المحبّ بالكاره وإلى ما هنالك من علاقات تقوم على القبول والرفض، فانظر كيف يرى الإخوة أخاهم يوسف: لا يحبونني، لا يريدونني، يعتدون عليّ، يرمونني بالحصى والكلام، يريدونني أن أموت، اوصدوا باب بيتك دوني، طردوني من الحقل، سمموا عنبي، غاروا ثاروا، أوقعوني في الجبّ، اتهموا الذئب والذئب أرحم من إخوتي. هذه الملامح العلائقية تقوم على التدليل والإشارة الصريحة بعلاقة العرب بفلسطين وبقضيتها وبشعبها، ولم نلحظ أن يوسف نال حقه من إخوته سوى بتلميح في آخر القصيدة إذ قال: رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين. فهو دليل عند درويش بأن سبب كره ورفض الإخوة ليوسف أخيهم هو كونه أفضل منهم وأحبَّ إلى نفس أبيه منهم، ولم يطلعنا درويش بتلك النهاية المنصفة، لأنه أراد تحطيم صورة الإخوة نهائيا وقطعيا على أنهم برآء من أخيهم وليسوا منه في صلة رحِم أو قربى، فهمهم الوحيد التخلص منه. أما المحور العلائقي الرابع فهو علاقة يوسف بالذئب، ولم يكن هناك ذئب، بل هو شخص مبتدع مختلق مبتكر على طريقة ونهج الإخوة الكارهين الماقتين الجانين والمجرمين، والذئب هنا يرمز لإسرائيل التي اختلق قصتها العرب إخوة يوسف كي يعزوا مقتل يوسف واختفائه إليه، وقد فنّد يوسف هنا ادعاء إخوته حين قال: الذئب أرحم من إخوتي. هذه العلاقات جميعا جاءت لتحيك نسيج القصيدة ببراعة الابتكار الدرويشي الذي أراد من خلاله تسليط أضواء جديدة غائبة على القضية الفلسطينية من منظور الواقع العربي الشامل المهدر للقضية المطوّح بها إلى هاوية الاستحالة.
 الأفعال في القصيدة: تقوم القصيدة على التفاعلية الإنجازية من خلال استخدام أفعال تتراوح بين الماضي والمضارع والنفي والإيجاب، فلنلحظ تقسيمها: أفعال ماضوية: أوصدوا، طردوني، سمموا، حطموا، مر النسيم، لاعب شعري، غاروا، ثاروا، ماذا صنعت، الفراشات حطّت، مالت عليّ السنابل، الطير حطّت على راحتي، ماذا فعلت، أنت سميتني، أوقعوني، اتهموا، هل جنيت، قلتُ، رأيت، رأيتهم. هذه الأفعال كلها جاءت لتصف جو العلاقة السائد بين يوسف وإخوته من ناحية وكيفية تعامل يوسف معه من ناحية أخرى، وهي تسرد لنا حقائق ووقائع لا تنم عنها إلا الشحناء والبغضاء، فمسرد هذه الأفعال جاء ليبرر ليوسف في النهاية قوله: هل جنيت على احد؟ أي لم أجنِ على أحد بأن رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر ساجدين لي. أي أنّ القضية الفلسطينية، رغم محاولات العرب تغييبها ودفنها، باقية حيةً إلى الأبد، فالعرب سيسجدون ليوسف القضية الحقة العادلة الصادقة المعانية والمناضلة والمكافحة والمقاومة لعتو وجور وظلم الإخوة والأشقاء العرب المتخاذلين المتواطئين. والغرض من هذه الأفعال: التعبير عن ماضٍ يستذكر، وعِبَر تُستعبر، وأحداث تستنكر، وأمجاد تستظهر، وأفكار تستنفر، وتاريخ يستحضر، أما الأفعال المضارعة فقد جاءت بين موجبة وسالبة في مثل: لا يحبونني، لا يريدونني، يعتدون، يرمونني، يريدونني أن أموت، لكي يمدحوني. وقد استهل الشاعر القصيدة بهذه الأفعال وذلك بغرض: الاستمرارية، عدم انقطاع الفعل، النفس المطلق، المد، الديمومة، الثبات على حال وإشارات مستقبلية، ويؤكد على تواجد الذات الشاعرة تواجدا دائما لا يزول ولا يضعف، وتؤكد حضور الأنا في القصيدة وعدم غيابها أو غيبوبتها، وإيحاء منه بالمستقبل المنشود، وعدم قبول الحاضر أو الماضي الموجود، وفيها تعبير عن الحلم والتخيل المستقبلي والمحاولة بالنبوءة وهي من ركائز الشعر الحديث، واما المراوحة بين النفي والإيجاب فالنفي أغراضه: استبعاد الصفة المنفية عقلا وعادة، تنزيه المنفي عنه من صفات لازمة، عدم الإتاحة وعدم الإباحة للمخاطَب بأن يتبادر إلى ذهنه ما نُفِيَ، التركيز على المنفي سواء أكان فعلا، حرفا، اسما أو جملة ونفيه عن القائل بالتنزيه والاستبعاد. وأما الإثبات فغرضه التوكيد على حدوث الفعل، واقعه، حصوله، ثباته وثبوته، حقيقيته، إخباريته، محكميته ولزوميته وحتميته. ولكن اللافت للنظر في هذه القصيدة أن قوامها الأفعال للتشديد على تبديتها وتفويقها على الجمل الإخبارية وتلك الإنشائية.
 الاستفهام: ورد الاستفهام في ما يلي: ماذا صتعت لهم يا أبي؟ وقوله: ماذا فعلت أنا؟ وقوله: لماذا أنا؟ وقوله: هل جنيت على أحد؟ وقد جاءت الاستفهامات الأربعة في القصيدة لتفيد النفي والإنكار والاستهجان والدهشة والحيرة والاستغراب ولوم الذات أحيانا والاستعتاب والاستبراء والتنزيه والاستيضاح والاستفصاح والاستعلام والاستخبار... على لسان يوسف جميعا.
 القصيدة عبارة عن حوارية ذاتية أو مناجاة كاملة متكاملة، وقد استحضر الشاعر شخصية الأب كي يتذاوت معها يوسف ويتماهى وينخرط فيها ويندمج ويمتزج، وللتخفيف من وطأة العزلة والوحدة والوحشة، وقد برع الشاعر بفلسفة القضية الفلسطينية وتحميلها محامل الفلسفة والهرطقة، باختلاف الناظر ووجهة النظر، فيوسف قضية فلسفية للمُنْكَر الموجود وللعدم المعدود وللضحية المجلود، أو هو دحض للمحتوم المختوم، ورفض للواقع المعلوم، وقرض للمعالم، بحيث أن يوسف لم تكن شخصيته في الكتب المقدسة كما صورها وأعاد تصويرها درويش هنا، ففي النهاية خرّ الجميع له ساجدين حقا، وهنا عوقب لمجرد رؤياه تلك. ومع ذلك فالتناص والتقنع يسمحان لدرويش بذلك.
 الرمزية: احتمال تحميل يوسف الأبعاد التالية: القضية الفلسطينية أو الشعب الفلسطيني أو الإنسان الفلسطيني، الإنسان الذي خانه اصدقاؤه والمقربون، الشاعر نفسه إذ أنكره زملاؤه الأدباء والشعراء، الشاعر نفسه وبه حنين إلى وطنه فيشكو حزنه إلى الضمير الحي (الأب)، ولكن الأرجح في مثل هذه الرمزيات أن نحمل الرمز أقرب التحميلات لا أبعدها، أي أن يوسف أقرب ما يكون إلى فلسطين أو الفلسطيني، والإخوة هم الدول العربية التي أهدرت دم الفلسطينيين وسفحته ولم تدافع عن القضية الفلسطينية، بل راحت تتآمر عليها وتسرّع مقتلها، أمّا الأب فهو من ما زال واقفا إلى جانب القضية الفلسطينية دعما معنويا وماديا من دول عربية ومنظمات صديقة ومتعاونة، وأما الذئب فهو على ما يبدو إسرائيل. وقد اجتمعت علاقة يوسف الرمز بالأطراف الثلاثة الباقية لتشكّل لنا صورة جليّة للقصيدة وقد فُكّتْ رموزُها. أما خصائص الرمزية: الرمز نوع من المعادل الموضوعي، وهو من طبيعة خارج التراث، أيْ إنه يُشتق من الواقع الخارجي، ولكنه يختلف عن الطرائق التصويرية التقليديّة، فالشاعر يتجنب معه عقد المماثلات بين طرفي الصورة، ويجعل الرمز وحده يؤدي الدلالة أو الشيء المرموز إليه عن طريق النشاط الذهني للمتلقي.
1- الرمز يوحي بالحالة ولا يصرح بها، ويثير الصورة ثم يتركها تكتمل من تلقاء ذاتها كما تتسع الدوائر في الماء، وذلك عن طريق الفعالية الذهنية للمتلقي.
2- وظيفة الرمز الإيحاءُ بالحالة لا التصريح بها، والكشف التدريجي عن الحالة المزاجيّة لا الإفضاء بها جملة واحدة.
3- الرمز وسيلة قادرة على الإشعاع الطيفي كالآثار التشكيلية، ومن خلاله يصبح القارئ مشاركا للمبدع في فنه.
4- الرمز أقدر على التعبير عن المشاعر المبهمة والأحلام الخفية العميقة وترجمة السر الخفي في النفس الإنسانية، وهذه هي المملكة الحقيقية للشعر، ولا تستطيع اللغة العادية التعبير عنها تماما كما يستطيع الرمز الذي يمكنه الكشف عن أدق اللوينات النفسية وفروقها الخفيّة.
5- الغموض: أصرَّ الرمزيون على الابتعاد عن أسلوب الوضوح والدقة والمنطق والخطابة والمباشرة، لأن هذه الأمور ليست من طبيعة الفن بل من طبيعة النثر ولغةِ التواصل العاديّة، كالتصرف بمفردات اللغة وتراكيبها بشكلٍ غير مألوف، أو من التعبير بمعطيات الحواس ومراسلاتها وتقاطعاتها، أو من الإشارات والتلميحات والأعلام التي تحتاج إلى معرفة واسعة أو إلى شروح وتعليقات، أو من التكثيف وشدة الإيجاز، أو الانطلاق من أفق الدقائق النفسية والحالات المبهمة التي يصعب تصويرها والتعبير عنها، إضافةً إلى الاقتراب من الموسيقا والفن التشكيلي حيث يكون التواصل من خلال الانطباع، وأخيراً من الرمز الذي بطبيعته لا يوضح المرموز إليه، بل يترك ذلك لخيال القارئ وتأويله.
6- الموسيقا الشعرية: اعتنى الرمزيون بالموسيقا الشعرية، موسيقا اللفظة والقصيدة، واستفادوا من الطاقات الصوتية الكامنة في الحروف والكلمات مفردة ومركبة، ومن التناغم الصوتي العام في مقاطع القصيدة، بحيث تصبح هذه الطاقة موظفة في التعبير عن الجو النفسيّ لدى المبدع ونقله إلى القارئ بما تحدثه من الإيحاء بالجو النفسي، فهي إذا تدخل في عضوية الفن، لذلك تمرد الرمزيون على الأطر الموسيقية الشعرية في الأوزان والقوافي وتكوين المقطع والقصيدة ولم يحفلوا بالقواعد الكلاسيكية والرومانسية، وراحوا يبدعون موسيقاهم الشعرية الخاصة، ووصل بهم الأمر إلى الاستهانة بالقوافي وإلى تبني اللغة الشعرية النثرية المموسقة داخليا.
7- اللغة الجديدة: وجدَ الرمزيون أن معجم اللغة، بما في ذلك المجازات والتشبيهات، قاصرٌ عن استيعاب التجربة الشعرية والتعبير عنها بصدق، فلا بد من البحث عن لغة ذات علاقات جديدة تقومُ على اللمح والومض، وتُتِيحُ التعبير عن مكنونات العالم الداخلي مُوصلة حالاتِه إلى المتلقي من خلال إثارة الأحاسيس الكامنة وتحريك القوى التصورية والانفعالية لإحداث ما يشبه السيّالة المغناطيسية التي تشمل المبدع والمتلقي معا، لذلك دخل الرمزيون في عالم اللا حدود، عالم الأطياف والاندياح والانزياح والحالات النفسية الغائمة أو الضبابية والمشاعر المرهفة الواسعة، وتغلغلوا في خفايا النفس وأسرارها ودقائقها.
8- لغة الإحساس: يتكئ الرمزيون في صورهم على معطيات الحس كأدوات تعبيرية، كالألوان والأصوات واللمس والحركة والشم والذوق، ويرون في هذه المعطيات رمزا معبرا موحيا، والطبيعة عند الرمزيين تختلف عنها لدى الرومانسيين، إنها هنا تتخاطب فيما بينها وتتراسل، وتؤلف لغة متشابكة لا يفهمها إلاّ الشعراء، والشاعر الرمزي ذو إحساس متوقد، يغرق في الطبيعة فيصبحُ مصورا تلتقط عيناه الألوان والظلال والأشكال بل اللوينات الدقيقة ثم يترجمها بمختلف صفاتها ودرجاتها ودلالاتها، وتشعره مظاهرُ العالم الطبيعي بالتماثل مع العالم البشري والتخاطب معه، وكل معطيات الحواس تتشابك وتتخاطب وتتبادل وتتراسل، فالرماد يُسكب، وللنجوم حفيفٌ، والنهرُ يغني، والأنوار تهطل. ولكل شيء محسوس دلالة ومعنى، فالأحمر ثورة، والرمادي كآبة، والأخضر حياة.. إن المعطيات الحسية، باجتماعها، تغدو كيمياء تصنع دلالات جديدة بالغة البلاغة على ما فيها من إيجاز وتكثيف، وما تمنحه من شعور بالجِدة والدهشة والمفاجأة
 القصيدة نُظمت على شكل منثورة توهم القارئ والمتلقي إلى كونها نثرا، ولكن تدقيق النظر والسمع فيها يؤكد كونها منظومة نثرية، ولها وزنها وبحرها، وقد استخدم درويش هذه الفنية كي يلبس ويخلط الأمر على المتلقي، ويغيّبه عن الحالة الشعرية التي قد تحضره فيما لو صيغت القصيدة على شكل منظومة، ويكون، بهذا التغييب، قد نقل المتلقي إلى جو حائر تستثار منه الدهشة والاستغراب والاستهجان، كما هو الحال في معاني القصيدة، فهل خان الإخوة أخاهم؟ وهل تآمروا حقا عليه؟ وهل كان الذئب أرحم من الإخوة؟ وهل وهل وهل ... كل هذه التساؤلات بفرضها جو القصيدة المختلط ما بين النثرية والنظمية... ولكن عندما نمحص النظر ونمعنه في القصيدة نجدها منظومة لا منثورة، كما نجد ونكتشف الحقائق من خلال القصيدة عن الإخوة بالتحديد. وقد عايشت القصيدة كلها أداء المعاني، وهذا من براعة الشعر المعاصر أن يمزج الشاعر ما بين الشكل والمضمون فيكوّنان معا مزيجا روحيا عضويا جسديا تُفْهَمُ القصيدة من خلاله.
 استعمال ألفاظ الطبيعة في مثل قوله: الحقل، عنبي، النسيم، الفراشات، السنابل والطير. كل هذه الألفاظ جاءت لتخدم أداء المعنى اللاصق بها المحتوم منها فيما لو اعتُبِرَتْ إشاراتٍ مشهديّةً من فلسطينَ الوادعةِ الآمنةِ التي لم يهيّء الإخوة لها ذلك، فكل تلك الرومانسية الطبيعية البريئة الطفلية الفطرية السليقية أذهَبَها الإخوةُ أدراجَ الرياح بأنْ تآمروا على يوسف ولُعَبِه، أي على طفولته، أي أن الدول العربية تآمرت على القضية الفلسطينية من نعومة أظفارها وفي لفاعها.
 جاءت لفظة "يوسف" منوّنة أي مصروفة لا ممنوعة من الصرف، وذلك لأسباب منها: إذا نونت الاسم الممنوع من الصرف أخرجته من دائرة العلمية والمعرفية، أي كأن يوسف مجرد اسم نكرة لا أحد يعتبره ولا وزن يقام له. تنوين "يوسف" جاء لمخالفة النص القرآني وذلك كي يخالف الشاعر أحداث قصة يوسف عليه السلام ولا يشابهها، فيوسف أُنْصِفَ في القرآن، وهنا ظل مظلوما مهضوما حقُّه. تنوين "يوسف" جاء لمماشاة النبرة الإيقاعية في البحر الشعري المتّبع هنا وبحكم منه كي تتخذ الألفاظ انسيابية وجريانية تتحد وإيقاعَ القصيدة. تنوين "يوسف" يجعل اللفظ خارجا عن طبيعته النبرية الصوتية والمعنوية الطبيعية، أي أن يوسف المنون فيه من الأصوات ما يخفف من شدة الفاء التي تختم الاسم، فيأتي التنوين، وهو إضافة النون إلى الفاء، لفظا موسيقيا عذبا يبعث في النفس الشجن والأسى، جاذبا إيانا للاتحاد والانسجام مع يوسف ومصابه وكارثته، أو أنّ درويش تعمّد تعريب الاسم لتخصيصه بالعروبة أي أن هذه القصيدة تتحدث عن يوسف العرب لا العجم أو اليهود، أي القضية الفلسطينية العربية.
 القصيدة قائمة على ضمير المتكلم، وذلك لأن الشاعر متقنّع بقناع يوسف عليه السلام، أي أنه يسرد قصته التي حوّرها إلى ما يخدم رسالته منها، لذا جاء في العنوان: " أنا يوسفٌ يا أبي" فإننا نلحظ استخدام ضمير المتكلم سواء أكان منفصلا في مثل قوله:" أنا"، أو ضمير ملكية في مثل قوله:" أبي"، أو ضميرا متصلا في مثل قوله:"يحبونني"، "يريدونني"، "صنعتُ"، "فعلتُ"، وضميرا مستترا في مثل قوله:" أموت". كل ذلك كي يكون الضمير "أنا" في مركز القصيدة، تتفرّع منه، تنصبّ به، تنعكس إليه وتترتب المعاني عليه، أما الغرض من ذلك: التشديد على الذاتية والفردانية والحميمية في الشعر، الوجدانية والعاطفة الخاصة لا العامة، التركيز على الشخص القضية والقضية الشخص أي التماهي بينهما، ترابط العلاقات المضمونية بالضمير "أنا" على نحو تداخلي أو تفككي بحيث هو المنبع والمجرى والمصب في القصيدة، تأسيس سائر العلاقات الضمائرية على ضمير المتكلم "أنا" دون غيره، للتعبير عن تفرد بالنوع والجنس، وخصوصية لا تُمَسُّ، أو التعبير عن ذات متميزة لتفريقها عن غيرها من الذوات، وفي ذلك من الأنوية والذاتية المفرط بوزنها ونوعها بعض الشيء.
 ورد ذكر "أبي" و "أبتِ"، أما أبي فورد ذكرها عندما خاطب يوسف أباه شاكيا له أمر إخوته مستعطفا إياه، مستلطفا إياه، مسترقًّا إياه لحاله، نادبا له سوء معاملة إخوته له، ولما انتهى من رفع شكاواه استعمل "أبتِ" في آخر خطاب مباشر منه لأبيه، وذلك لأن "أبتِ" جاءت تخفيفا لأبي، فالتاء هنا عوض عن الياء، وأما كسر التاء فجاء من كسر الباء في أبي، أي أنّ الكسرة زحلقَت من الباء في أبي إلى تاء أبتِ، أما فتح الباء فهو لأنه اسم شبيه بالمؤنث لإلحاق تاء التأنيث به (التاء المفتوحة أصلها هاء). أما الغرض من هذه اللفظة – "أبتِ" فهو: إخفاء لكل معالم النسب بين المنادي والمنادى، والمخاطِب والمخاطَب، أي بين يوسف وأبيه، لذا جاءت اللفظة على تلك الصورة التي تعبر عن اتحاد بينهما دون فواصل وتوابع ملكية ونسبية، كأنّ يوسف يقول لأبيه: أنا منك وأنت مني، وأنا أنت، وأنت أنا، فها هي جملة يوسف الأخيرة في القصيدة:" إني رأيت....ساجدين" فلا مجال لإضافة قول بعد قوله:"أبتِ"، أي تعبيرا عن تمام التماهي والتمازج والتزاوج والاندماج والامتزاج بين يوسف وأبيه.
 جاء في النص تكرار للفظ الضمير:"هم" خمس مرات، إذ جاء في الأخيرة:"همو". أما الأربع الأوائل فغرضها: تشديد حصر المخبَر عنه أي المبتدإ "هم"، وذلك كي يؤكد إسناد ما أُخْبِرَ عن "هم" بهم، وكي لا ينزاح الذهن عن "هم"، وكي لا يخالطنا شك في أنّ المقصود بالإسناد "هم"، وكي لا يتبادر إلى أذهاننا أي تحويل عن "هم"، وقد استخدم الضمير "هم" عوضا عن المسمى العائد له أو المشار إليه به أي "إخوتي"، وذلك لتحقير أفعالهم وعدم الإشارة إلى مسمياتهم كي ينكّرهم بتغييب الضمير لقوله:"هم"، فلو قال:"إخوتي" لعرّفهم ونسبهم إليه، أضف إلى أنه بريء مما كادوا له من مكائد وحاكوا من حبائل شيطانية، وأما قوله في الأخيرة:"همو" بواو الوصل، فقد مدّ الميم في الضمير"هم" كي يشبِع الميم واواتٍ من آهات وتأوّهات وآلام وأوجاع وديمومة في الألم الواقع له من "هم" أي من إلقائهم به في الجُبّ البئر.
 تغلب على القصيدة أحرف اللين والمد والرقة، من مثل النون والراء والياء والميم واللام والواو والألف والعين، وجاءت مجتمعة بالعبارة:" وليّنا عمر". وهذه الأحرف تسترقّ لها المشاعر والعواطف، وتسترسل بالسهولة، وتستغرق بالليونة، وتستبحر باللين، وتستسري بالمودة، وتستجري بالألفة...
 عنوان القصيدة: "أنا يوسفٌ يا أبي" جاء للإشارة إلى أن يوسف اتسم بسمات التميز والتمايز والتألق والتبرق والانفراد في الخصوصية، ولعل الشاعر استشف ذلك من قول الرسول الكريم عن يوسف عليه السلام:" إذا قيل من الكريم، فقولوا الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم عليهم السلام"وهناك من يقول باعتبار "يوسف" عربيا مصروفا، وهو مشتق من الأسف الحزن والأسيف العبد، وقد اجتمعا في شخص يوسف. وفي كلتا الحالين سواء أكان "يوسف" عربيا أو أعجميا، فإنه هو العنوان لهذه القصيدة وهو لبها وكنهها وسرها وطلسمها ورمزها ولغزها.

انتباه كتبة المقالات الكرام ، انه ولاسباب مهنية مفهومة فان موقع بانيت لا يسمح لنفسه ان ينشر لكُتاب ، مقالات تظهر في وسائل اعلام محلية ، قبل او بعد النشر في بانيت . هذا على غرار المتبع في صحفنا المحلية . ويستثنى من ذلك أي اتفاق اخر مع الكاتب سلفا بموافقة التحرير.
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان
panet@panet.co.il.

لمزيد من زاوية مقالات اضغط هنا

ارسل لصديق Send طباعة المقال Print لكتابة تعقيبك على الخبر إضغط هنا
مواد في ذات السياق

 
خدمات بانيت
    حالة الطقس
    ابراج
    قلوب حائرة
    اغاني وموسيقى
    كليبات وفيديو
    صور
    اطفال
    العاب
اذاعة القران الكريم
    بصوت السديس
    بصوت عبد الباسط
زوايا الموقع
    تلفزيون بانيت
    اغاني mp3
    افلام عربية
    العاب فلاش
    عالم السيارات
    حالة الطقس
    ابراج
    مسلسلات عربية
    مسلسلات تركية
    ترفيه ونغاشة
    حفلات تخريج
    شوبينج واقتصاد
    قلوب حائرة
    فن
    رسوم متحركة
    افلام كرتون
    كليبات مضحكة
    صور ومناظر
    استشارة
    البوم صور
    اطفال
موقع اخبارية بالعربية
    صحيفة القدس العربي
    راديو سوا
    CNN بالعربية
    راديو مونتي كارلو
    الشرق الاوسط
    bbc بالعربية
 
Navigation
استطلاع : شو شباب ؟! شو صبايا ؟! هل تفضلون التوقيت الصيفي ام التوقيت الشتوي ؟!
 مجموع الاصوات

أخبار |  فن |  انترنت وتكنولوجيا |  شباب وبنات |  شوبينج |  برامج تلفزيون |  رياضة |  مقهى بانيت |  دنيا ودين |  كوكتيل |  أغاني mp3 | نسوان

للاعلان - من نحن - اتصل بنا - شروط الاستخدام - פאנט - About us

Contact Us : +972 9 7993993
جميع الحقوق محفوظة - بانوراما