اغلاق

التّلقين وطرائق بديلة، بقلم: د. آثار حاج يحيى - الطيبة

لا يخفى على أحد أنّنا نعاصر مجموعة من التّطوّرات والتّغيّرات السّريعة والمتتالية في جميع مجالات الحياة: الاجتماعيّة، السّياسيّة، الثّقافيّة، الاقتصاديّة وغيرها.


د. آثار حاج يحيى 

ويعتبر المجال التّربويّ التّعليميّ من أكثر المجالات تأثّرًا بتغيّرات القرن الواحد والعشرين. فقد طرحت النّظريّات التّربويّة مجموعة من الأسس استدعت إجراء تغييرات جذريّة في المجال التّربويّ في جميع المراحل العمريّة: الابتدائيّة، الإعداديّة والثّانويّة. من هنا، بدأت الحاجة لطرح طرائق تدريس بديلة لطريقة التّدريس التّقليديّة، ألا وهي طريقة التّلقين والحفظ. وبطبيعة الحال، لم يقتصر ذلك على طرائق التّدريس، بل تضمّن، كذلك، تجديدات في المضامين التّدريسيّة، طرائق التّقويم والوسائل التّعليميّة. 

 " يكون الطّالب، وفقًا لهذه الطّريقة، في هامش العمليّة التّعليميّة، غير فعّال، وبالتّالي غير مستقلّ فكريًّا، فلا يقوم بأيّ نشاط في سبيل اكتشاف المعلومات .."
تعتبر طريقة التّلقين من الطّرق التّدريسيّة التّقليديّة، وهي قائمة بالأساس على التّلقين، أي أنّ المعلّم يلقّن طلابه المادّة، أو ينقل لهم المعلومات، ويقوم الطّالب بدوره بتخزين هذه المعلومات في ذاكرته، واستدعائها وقت الامتحان. من ايجابيّات هذه الطريقة أنّها تقدّم المعارف للطّلّاب، لكنّها لا تضمن الاحتفاظ بها لفترة زمنيّة طويلة، ويعود ذلك إلى عدّة أسباب، نذكر منها ما يلي: أوّلًا، تقوم هذه الطّريقة على إكساب استراتيجيّات تفكير دنيا مثل التّذكّر، في حين تهمل استراتيجيّات التّفكير العليا، مثل: الاستنتاج، النّقد، التّقويم وغيرها. وعمليّة التّعليم، وفقًا لهذه الطّريقة، تحدث نتيجة تراكم المعلومات، أي إضافة معلومات جديدة للمعلومات القديمة الّتي يعرفها الطّالب، دون ربط الجديد بالقديم، ممّا يؤدّي إلى نسيان المادّة بعد وقت قصير. ولأنّ الطّالب يكون حياديًّا غير فعّال في اكتشاف المعرفة والتّوصّل إلى المعلومات الجديدة بمجهوده، بل يتلقّاها جاهزة من المعلّم، الّذي يكون في أغلب الأحيان في مركز العمليّة التّعليميّة، فإنّ الطّالب لا يتذكّر المادة لأنّه لم يحتكّ بها، أي لم يبذل مجهودًا ذهنيًّا في سبيل التّوصّل إليها. وتبقى المادّة التّعليميّة في المجال المجرّد، ولا تنتقل إلى المجال المحسوس، لأنّها غير قائمة على الاكتشاف من خلال التّجربة ومعالجة المعلومات والبحث في مصادر المعلومات، ممّا يشعر الطّالب بأنّ المادّة غير مرتبطة بعالمه الخاصّ. يكون الطّالب، وفقًا لهذه الطّريقة، في هامش العمليّة التّعليميّة، غير فعّال، وبالتّالي غير مستقلّ فكريًّا، فلا يقوم بأيّ نشاط في سبيل اكتشاف المعلومات، إذ تقتصر وظيفته على تلقّي المعلومات، ومن ثمّ حفظها، الأمر الّذي يؤدّي إلى شعوره بالملل وفقدان الدّافعيّة والرّغبة في التّعليم. ومن مساوئ هذه الطّريقة، أيضًا، أنّها تحرم الطّالب من الإحساس بالقدرة والتّحقيق الذّاتيّ، ذلك الإحساس الّذي يلي مرحلة البحث والاكتشاف الذّاتيّ، وهو إحساس بالظّفر والانتصار بعد الجهد والمعاناة. هذا بالإضافة إلى أنّ طريقة التّلقين لم "تحتلن" نفسها لتتلاءم مع التّطوّرات التّكنولوجيّة المعاصرة، من هنا، لا تعتمد هذه الطّريقة على دمج التّكنولوجيا والحوسبة بالتّعليم، وتقتصر على بيئة تعليميّة واحدة، وهي البيئة الصّفيّة. 
من جانب آخر، تطرح المناهج التّعليميّة الحديثة طرائق تدريسيّة جديدة يتمّ الاعتماد عليها إلى جانب طريقة التّلقين التّقليديّة، خاصّة بعدما طرح وزير التّربية والتّعليم السّابق، الحاخام شاي بيرون خطّة "التّعلّم ذي معنى"، وقد أطلق عليها شعار: "إسرائيل ترتقي إلى صفّ أعلى، تنتقل إلى التّعلّم ذي معنى"، مشيرًا من خلال ذلك إلى التّعلّم الّذي يثير الطّالب، ويرتبط بعالمه الخاصّ، ويتلاءم مع تجديدات القرن الواحد والعشرين، بحيث يكون الطّالب مركز العمليّة التّعليميّة، يبحث في مصادر المعلومات، يصنّف المعلومات، يعالجها، وينتج معرفة جديدة يتوصّل إليها بتوجيه وإرشاد المعلّم، من هنا، لا تقتصر العمليّة التّعليميّة على المعرفة فقط، بل تتضمّن كذلك الممارسة والتّجربة. تعمل طرائق التّدريس الحديثة على تنمية مهارات التّفكير العليا، مثل: الاستنتاج، طرح الأسئلة، التّقويم، النّقد، البحث، التّحليل، تصنيف المعلومات، المقارنة، وغيرها. وبذلك تزوّد الطّالب بأدوات علميّة بحثيّة تمكّنه من فهم أيّ مضمون خارجيّ حتّى لو لم يتعلّمه في الصّف، تطبيقًا للمقولة: "لا تعطني سمكة بل علّمني كيف أصطاد"، ممّا يساعد على تجهيز الطّالب للتّعليم الأكاديميّ. وتقوم هذه الطّرائق على ربط المعلومات الجديدة الّتي يتعلّمها الطّالب بالمعلومات القديمة المخزّنة في بنيته المعرفيّة، ممّا يساعد على حفظ المادّة لوقت طويل.

" بما أنّ العمليّة التّعليميّة عبارة عن سيرورة تستغرق الكثير من الوقت، عمدت المناهج التّعليميّة على تقليص كميّة المواد المدرّسة اعتبارًا أنّ الكيف أهمّ من الكم .."
ومن المبادئ الّتي تسعى هذه الطّرائق إلى تطبيقها مبدأ المتعة التّعليميّة، أي أن يتحقّق لدى المتعلّم متعة تعليميّة، من هنا يتمّ الاعتماد على بيئات تعليميّة مختلفة بالإضافة إلى البيئة الصّفيّة، مثل: المختبرات، الجولات التّعليميّة، الدّروس المحوسبة، المكتبات، الطّبيعة، المتاحف، المواقع التّاريخيّة، وغيرها. بالإضافة إلى ذلك، تقوم الطّرائق التّعليميّة الحديثة بدمج التّكنولوجيا في العمليّة التّعليميّة، ممّا يحفّز الطّالب على المشاركة الفعّالة في الدّرس. وبما أنّ العمليّة التّعليميّة عبارة عن سيرورة تستغرق الكثير من الوقت، عمدت المناهج التّعليميّة على تقليص كميّة المواد المدرّسة اعتبارًا أنّ الكيف أهمّ من الكم. ومن أمثلة الأساليب التّدريسيّة المستخدمة في الطّرائق الحديثة، أذكر على سبيل المثال: التّعلّم في مجموعات، التّعلّم البحثيّ، الحوار والمناقشة، دمج التّعلّم بالفنون الإبداعيّة كالرّسم والموسيقى والكتابة الإبداعيّة، التّعلّم المحوسب، التّعلّم الذّاتيّ، التّمثيل، المناظرات، عقد مقارنات بين المواد، تقويم مواد ونقدها، التّعلّم من خلال الأنشطة والفعّاليّات، التوجّه إلى مصادر المعلومات وغيرها.

" من أمثلة طرائق التّقويم البديلة، والّتي يتمّ الاعتماد عليها إلى جانب الامتحان، أذكر على سبيل المثال لا الحصر: وظائف البحث، عارضة، تحليل نصوص أدبيّة، كتابة إبداعيّة، مهمّات جماعيّة .."
إنّ التّغييرات في المناهج التّعليميّة وفي طرائق التّدريس، لا بدّ أن ترافقها تغييرات في طرائق التّقويم، بحيث تقيس هذه الطّرائق المهارات إلى جانب المعرفة. ومن أمثلة طرائق التّقويم البديلة، والّتي يتمّ الاعتماد عليها إلى جانب الامتحان، أذكر على سبيل المثال لا الحصر: وظائف البحث، عارضة، تحليل نصوص أدبيّة، كتابة إبداعيّة، مهمّات جماعيّة، حقيبة تجميع (Portfolio)، اختبار محوسب، ورشة إبداعيّة، مجلّات علميّة وأدبيّة، تجارب علميّة، بناء مجسّمات، تمثيل مسرحيّات، وغيرها .   
وفي النّهاية لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الأفضليّة في كلّ مجال من مجالات الحياة لا تعود إلى القديم لقدمه، ولا للجديد لجدّته، وإنّما بتفاعل القديم والحديث بشكل يفي بمتطلّبات هذه العصر. ولا شكّ أنّ طرائق التّدريس الحديثة لا تقوم على إلغاء الطريقة التّقليديّة بشكل كامل، وإنّما يتمّ الاعتماد على كليهما، التّقليديّة والحديثة، وأخذ ايجابيّات كلّ منهما. وبطبيعة الحال، لا تفوتنا الإشارة إلى الصّعوبات الكامنة في تطبيق الطّرائق التّدريسيّة الحديثة، والّتي تتطلّب مجهودًا مضاعفًا من قبل المعلّم والطّالب على حدّ سواء، لكنّ هذه الصّعوبة لا بدّ أن تتلاشى بشكل تدريجيّ إذا ما بدأ المعلّم بتطبيق هذه الطّرائق الحديثة، حتّى تصبح مألوفة بالنّسبة له وللطّلّاب، وبالتّالي تحقّق أهدافها المنشودة.

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
نلفت انتباه كتبة المقالات الكرام ، انه ولاسباب مهنية مفهومة فان موقع بانيت لا يسمح لنفسه ان ينشر لكُتاب ، مقالات تظهر في وسائل اعلام محلية ، قبل او بعد النشر في بانيت . هذا على غرار المتبع في صحفنا المحلية . ويستثنى من ذلك أي اتفاق اخر مع الكاتب سلفا بموافقة التحرير.
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان
:panet@panet.co.il .

لمزيد من زاوية مقالات اضغط هنا

لمزيد من الطيبة والمنطقة اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق